«يوم الإنزال الاقتصادي» ضد إيران: تشبيه ترامب ودلالاته الخفية

يمكن للعقوبات أن تخفض الإيرادات بالعملات الأجنبية، وتؤدي إلى التضخم، وتضغط على قيمة العملة الوطنية، وتعطل الاستثمارات، وترفع تكاليف التجارة. لكن لا توجد علاقة آلية بين الضغط الاقتصادي والاستسلام السياسي.

ميدل ايست نيوز: شبّه دونالد ترامب العقوبات الأمريكية الجديدة على إيران بـ«يوم الإنزال الاقتصادي». ويشير مصطلح «الإنزال»/ D-Day إلى عملية الحلفاء في 6 يونيو/حزيران 1944، وهي العملية التي غيّرت مسار الحرب العالمية الثانية بتحالف الولايات المتحدة وحلفائها على سواحل نورماندي الفرنسية. وإذا أردت إحياء هذه الصورة في ذاكرة الجمهور الإيراني، فيمكن الإشارة إلى فيلم «إنقاذ الجندي رايان».

يقول الكاتب الإيراني سهند ایرانمهر، إن هذا التشبيه يحمل عدة معانٍ خفية؛ أولها تصور ترامب لهذه العملية باعتبارها ائتلافية، وثانيها اتساع نطاقها وهيبتها على الصعيد الاقتصادي، وثالثها تأثيرها في مصير الحرب. هناك نقطة ذكية أخرى في هذا السياق، وهي أن ترامب يحاول، من خلال هذا التشابه التاريخي، ترسيخ فكرة في أذهان الحلفاء الذين باتوا هذه الأيام يشككون بشدة في أن الإجراءات والأهداف الأمريكية تراعي مصلحة جماعية، مفادها أن إيران تشكل تهديدا لهم جميعا، وأن الولايات المتحدة تسعى في هذه الحرب إلى تحقيق منفعة عامة.

كما يكشف تشبيه الإجراءات بـ«يوم الإنزال» حقيقة أخرى، يظهر أن ترامب كان مخطئا تماما في فكرة العمل بشكل أحادي الجانب، وعدم الحاجة إلى الحلفاء، واحتقارهم.

وبما أنني أشرت في المقدمة إلى فيلم «إنقاذ الجندي رايان»، فلا بأس من الإشارة أيضا إلى فيلم «الضغط» (Pressure)، الذي شاهدته قبل بضعة أيام. ويتناول الفيلم الخلاف بين اثنين من خبراء الأرصاد الجوية بشأن توقعات الطقس قبل تنفيذ عملية «يوم دي». لكن لماذا تكتسب هذه الذكرى أهمية؟ لأن نجاح عملية «يوم دي» التي يقودها ترامب لا ينفصل بدوره عن فهم أجواء العالم اليوم.

يمكن للعقوبات أن تخفض الإيرادات بالعملات الأجنبية، وتؤدي إلى التضخم، وتضغط على قيمة العملة الوطنية، وتعطل الاستثمارات، وترفع تكاليف التجارة. لكن لا توجد علاقة آلية بين الضغط الاقتصادي والاستسلام السياسي. فقد أنشأت إيران، على مدى سنوات العقوبات، شبكات من الوسطاء، والشركات الوهمية، والمسارات غير الرسمية، وآليات المقايضة، والشركاء التجاريين البدلاء. ولهذا السبب تحديدا تظهر في تصريحات ترامب قائمة تضم «تهريب النفط، وخطوط المقايضة، وتحويل الأموال النقدية، وشركات الصرافة، وتسجيل السفن، والشركات الوهمية».

تدرك واشنطن أن العقوبات تمثل صراعا بين الضغط والتكيف، ولذلك يفكر ترامب، أكثر من مجرد فرض العقوبات، في منع نشوء اقتصاد محيطي يسمح بالالتفاف على العقوبات، بهدف تسريع استنزاف الاقتصاد الإيراني.

لكن النقطة المهمة هي أن الاستنزاف الاقتصادي لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير السلوك السياسي؛ بل قد يؤدي أحيانا إلى تعزيز الاقتصاد الموازي، والمقاومة المؤسسية، والتقارب مع القوى غير الغربية. وقد تتكرر، كما حدث في العملية العسكرية السابقة، الفجوة بين شدة العملية ونتائجها، لأن القضية في نورماندي لم تكن مجرد السيطرة على الشاطئ، بل الحفاظ عليه وإيصال المزيد من القوات والإمدادات.

وفي الحرب الاقتصادية أيضا، ليس من الصعب إغلاق عدة مسارات؛ لكن الأصعب هو إغلاق جميع المسارات من دون أن ترتد تكلفة الحصار على حلفاء الولايات المتحدة، وسوق الطاقة، وفي نهاية المطاف على الاقتصاد العالمي نفسه.

يمكن للولايات المتحدة أن تضع أي شركة أو بنك أجنبي تحت طائلة العقوبات الثانوية، لكنها لا تستطيع بسهولة إجبار «جميع الدول» على المشاركة في حصار اقتصادي ضد إيران. في حزمة العقوبات التي فُرضت في 24 أغسطس/آب، استهدفت الولايات المتحدة عشرات الأفراد والكيانات، لكنها لم تفرض عقوبات على البنوك الصينية الكبرى. أما الآن، فإذا صحت تصريحات وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بأن الصين نفسها ستُعاقب في حال انتهاكها العقوبات، فإن الأمر سيصبح أكثر تعقيدا، لأن العقوبات على الصين تختلف في طبيعتها عن العقوبات على إيران.

فالعقوبات على الصين يمكن أن تتحول إلى حرب اقتصادية أمريكية ـ صينية، وهنا يظهر اختلاف صارخ آخر عن «يوم دي». فإذا كان الحلفاء في ذلك اليوم يواجهون عدوا واحدا، فإن ترامب يحتاج الآن إلى مساعدة دول تمثل بعضُها قوى منافسة للولايات المتحدة، وتدرك أن نجاح هذه العملية سيعزز إمكانية استخدامها ضدها هي أيضا. وعندها لن تعود هذه حربا ضد إيران، بل ستتبلور جوهر مواجهة على النظام الاقتصادي العالمي.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة × ثلاثة =

زر الذهاب إلى الأعلى