الدبلوماسية في الدقيقة 90… هل تنجح مسقط وإسلام آباد في منع انفجار أزمة إيران وأميركا؟

قد تكون الدبلوماسية الإقليمية بصدد محاولة حل الأزمة من جانبين؛ إذ تتحرك إسلام آباد عبر مسار التفاوض السياسي والأمني، بينما تتحرك مسقط عبر مسار الإدارة العملية لأزمة مضيق هرمز.

ميدل ايست نيوز: تزامن زيارة مسؤولين عمانيين وباكستانيين إلى طهران، عشية الإعلان عن جولة جديدة من الضغوط الاقتصادية الأمريكية، قد يكون مؤشراً على تفعيل مسار إقليمي لخفض التوتر ومعالجة الملفات العالقة.

تستضيف طهران خلال أقل من 24 ساعة مسؤولين بارزين من دولتين، يؤدي كل منهما في المرحلة الراهنة دوراً مختلفاً ومهم في معادلات إيران والولايات المتحدة ومضيق هرمز؛ إذ يصل المشير عاصم منير، قائد الجيش الباكستاني، إلى طهران اليوم، فيما يصل وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي غداً.

ويتزامن هذان التوجهان مع ظروف تواجه فيها المفاوضات بين طهران وواشنطن بشأن القضايا الأمنية والعقوبات ووضع مضيق هرمز عقبات جدية، بينما تستعد الولايات المتحدة أيضاً للإعلان عن جولة جديدة من الضغوط الاقتصادية على إيران. وعليه، لا يمكن اعتبار التحركات الدبلوماسية الأخيرة مجرد زيارات ثنائية اعتيادية، بل يمكن لمجموع هذه التطورات أن يكون مؤشراً على محاولة دول المنطقة منع تفاقم الأزمة أكثر.

ما الرسالة التي يحملها عاصم منير؟

تكتسب زيارة عاصم منير أهمية خاصة نظراً إلى أن باكستان تحولت خلال الأشهر الماضية إلى إحدى أهم قنوات الاتصال بين طهران وواشنطن. وأعلن مسؤولون إيرانيون أيضاً أن الهدف من الزيارة يتمثل في تعزيز التعاون الثنائي ومواصلة جهود باكستان للمساعدة في تحقيق السلام والأمن في المنطقة. لكن أهمية زيارة منير لا تقتصر على العلاقات الإيرانية الباكستانية. فقد توجه إلى طهران في وقت دخل فيه ملف المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة مرحلة حساسة.

وبحسب تقرير لوكالة رويترز، يتضمن جدول أعمال الزيارة، إلى جانب التطورات الأخيرة، مذكرة تفاهم إسلام آباد للسلام، والاتفاق الأخير بين باكستان وتركيا والسعودية، والقضايا المرتبطة بالحوثيين. وبالتالي، يمكن توقع أن تتمثل الرسالة الرئيسية لإسلام آباد في محاولة منع إغلاق مسار المفاوضات بالكامل؛ وهو المسار الذي توقف أو تباطأ مراراً خلال الأشهر الأخيرة نتيجة تصاعد المواجهات والخلافات بشأن الضمانات الأمنية وحرية الملاحة في مضيق هرمز.

عُمان؛ ملف هرمز على طاولة عراقجي

بعد يوم واحد من زيارة منير، يصل وزير الخارجية العماني إلى طهران للقاء عباس عراقجي. وعلى الرغم من أن وزارة الخارجية الإيرانية لم تعلن تفاصيل المحادثات، فإنها أوضحت أن القضايا الثنائية والإقليمية ستكون في صلب المباحثات، مؤكدة المكانة المشتركة للبلدين باعتبارهما دولتين ساحليتين على مضيق هرمز.

ويكتسب هذا الجانب من القضية أهمية خاصة. فعلى خلاف باكستان، لا تحمل عُمان رسالة واشنطن بقدر ما تؤدي دوراً مباشراً في ملف إدارة مضيق هرمز وعودة حركة الملاحة.

كما استمرت المحادثات بين طهران ومسقط بشأن حركة السفن في هرمز خلال الأسابيع الماضية. وأجرى وزيرا خارجية البلدين مؤخراً مباحثات بشأن التوصل إلى «تفاهمات عملية» لاستئناف حرية الملاحة، وضمان انسيابية حركة السفن، وتعزيز أمن المنطقة واستقرارها. وفي هذا الإطار، يمكن أن تمثل زيارة البوسعيدي مرحلة أخرى من المفاوضات الرامية إلى تحويل التفاهمات العامة إلى آلية عملية لعبور السفن من المضيق.

مساران دبلوماسيان يصلان إلى طهران

عند وضع زيارة المسؤولين جنباً إلى جنب، تتشكل صورة لافتة تشير إلى أن باكستان تتابع مسار طهران ـ واشنطن، فيما تتابع عُمان مسار طهران ـ هرمز. بالطبع، لا ينفصل هذان الملفان عن بعضهما بعضاً. فقد كان أحد أهم العوائق أمام المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة خلال الأشهر الأخيرة هو الخلاف بشأن وضع مضيق هرمز والضمانات الأمنية وحرية الملاحة.

لهذا السبب، فإن حل قضية هرمز يمكن أن يوفر، بصورة غير مباشرة، الأجواء اللازمة لاستئناف المفاوضات الأوسع بين إيران والولايات المتحدة. وبعبارة أخرى، قد تكون الدبلوماسية الإقليمية بصدد محاولة حل الأزمة من جانبين؛ إذ تتحرك إسلام آباد عبر مسار التفاوض السياسي والأمني، بينما تتحرك مسقط عبر مسار الإدارة العملية لأزمة مضيق هرمز.

ومن أهم الأسئلة المطروحة ما إذا كان أي اتفاق محتمل بين طهران ومسقط بشأن حركة السفن سيبقى محصوراً في ملف هرمز، أم سيتحول إلى مقدمة لاستئناف المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة.

وتوجد مؤشرات على محاولة إقامة مثل هذا الترابط. فمن جهة، تولت باكستان خلال الأشهر الماضية دور الوسيط بين إيران والولايات المتحدة، ومن جهة أخرى، يعود وزير الخارجية العماني إلى طهران لإجراء مباحثات بشأن هرمز. ويأتي ذلك في وقت تكثف فيه واشنطن أيضاً ضغوطها الاقتصادية على طهران.

وعلى ضوء هذا، يوجد هدف مشترك لدول المنطقة، لا يتمثل في شيء سوى منع تحول الأزمة بين إيران والولايات المتحدة إلى أزمة أوسع تهدد أمن الطاقة والتجارة البحرية واستقرار دول المنطقة.

الضغوط الأمريكية؛ عامل لتسريع الدبلوماسية الإقليمية

تتضح أهمية هذه التحركات بصورة أكبر عند أخذ الظروف الاقتصادية والسياسية الراهنة في إيران بعين الاعتبار. فالولايات المتحدة تستعد لجولة جديدة من العقوبات والضغوط الاقتصادية على إيران، وهي ضغوط وصفتها واشنطن بأنها إحدى أوسع عملياتها الاقتصادية. وفي الوقت نفسه، هددت طهران بوقف صادرات النفط من الخليج في حال استمرار «الحرب الاقتصادية».

بالتالي، فإن نافذة الدبلوماسية لا تغلق، لكن تكلفة إغلاقها تتزايد بالنسبة إلى جميع الأطراف. ما يمكن لدول مثل باكستان وعُمان أن تؤدي دوراً مهماً في منع حدوث مواجهة مباشرة أكبر بين طهران وواشنطن، ولا سيما أن البلدين يتمتعان بعلاقات مهمة مع مختلف أطراف الأزمة، كما سيتضرران من اتساع نطاق الحرب في المنطقة.

طهران أمام خيار مهم

يمكن اعتبار تحركات عاصم منير وبدر البوسعيدي إحدى مؤشرات عودة النشاط إلى الدبلوماسية الإقليمية، لكن هذه التحركات لا تعني بالضرورة أن التوصل إلى اتفاق بات قريباً. فلا تزال القضية الرئيسية قائمة، ويبقى السؤال حول ما إذا كانت طهران وواشنطن مستعدتين للتراجع عن مواقفهما القصوى والاتفاق أولاً على حل محدود وتدريجي.

إذا كانت الإجابة بالإيجاب، فقد يكون هرمز نقطة البداية الأولى؛ إذ يمكن أن يتحول اتفاق محدود لضمان أمن الملاحة وحرية حركة السفن إلى مدخل لمعالجة ملفات أكبر، بدءاً من خفض التوتر الأمني وصولاً إلى العقوبات والمفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. أما إذا واصل الطرفان النظر إلى هرمز باعتباره أداة للضغط المتبادل، فقد لا يتمكن حتى تفعيل وساطات من جانب دول مثل باكستان وعُمان من منع تصاعد الأزمة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × اثنان =

زر الذهاب إلى الأعلى