ستة أشهر من الحرب بلا منتصر.. هل أصبح هرمز ورقة إيران الأخيرة لحسم المعركة؟

السيناريو الأكثر ترجيحاً ليس سلاماً دائماً ولا عودة فورية إلى حرب شاملة، بل وقف إطلاق نار مُدار، تتخلله انتهاكات متقطعة وعمليات إلكترونية وهجمات على الملاحة ومساومات بشأن الطاقة.

ميدل ايست نيوز: بعد ستة أشهر من اندلاع الحرب، لم تتمكن لا واشنطن وتل أبيب من تحقيق أهدافهما القصوى، ولا طهران من تقديم نفسها باعتبارها الطرف المنتصر في المعركة. فالحرب التي بدأت بوعود بتغيير معادلات المنطقة تحولت الآن إلى معركة استنزاف تدور حول التكاليف والطاقة وطاولة المفاوضات، حيث يحاول كل طرف الخروج من الميدان من دون أن يظهر بمظهر المهزوم.

وبعد أشهر من اندلاع الحرب، أصبحت الصورة أوضح مما كانت عليه في الأيام الأولى. حيث تمكنت الولايات المتحدة وإسرائيل من تدمير أجزاء من البنية التحتية العسكرية الإيرانية، واغتيال عدد من كبار القادة، وفرض تكاليف على البلاد، لكنهما لم تتمكنا من تحويل هذا التفوق العملياتي إلى نتيجة سياسية. كما أن إيران لم تحقق النصر بالمعنى التقليدي؛ فقد تضرر اقتصادها ومجتمعها وقدراتها العسكرية. ويتمثل إنجاز طهران في رفضها الاعتراف بالهزيمة وانتزاع قرار إنهاء الحرب من حصرية واشنطن وتل أبيب.

وتكشف التقارير الجديدة بشأن تضرر قاعدة بحرية أمريكية في البحرين، ونقل الإمدادات إلى دييغو غارسيا، وتدمير رادار لمنظومة «ثاد» في الأردن، جانباً من حالة الجمود هذه. فقد تمكنت إيران، باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والوحدات المتفرقة، من استهداف شبكة من القواعد والمنظومات الباهظة التكلفة. وتمتلك الولايات المتحدة قدرة تدميرية أكبر بكثير، لكن الحفاظ على حاملات الطائرات والقواعد وخطوط الإمداد ومخزونات الصواريخ الاعتراضية يفرض عليها تكاليف باهظة. وقد أدى هذا الاستنزاف أيضاً إلى الحد من قدرة واشنطن على دعم أوكرانيا والاستعداد لمواجهة أزمة محتملة في تايوان.

وتحول مضيق هرمز إلى مركز لهذه المعركة غير المتكافئة. وتتحدث إدارة ترامب عن بقاء المضيق مفتوحاً وعن «السيطرة الكاملة» للولايات المتحدة عليه، لكن البيانات المستقلة تشير إلى واقع مختلف. قبل الحرب، كانت نحو 980 سفينة تعبر هرمز أسبوعياً، فيما انخفض الرقم خلال أحد الأسابيع الأخيرة إلى 95 سفينة، كما تقدر كميات النفط العابرة بنحو خمسة ملايين برميل يومياً، مقارنة بنحو 20 مليون برميل قبل الحرب. ولا تزال طهران قادرة على جعل عبور السفن مكلفاً وغير موثوق وانتقائياً، والاستفادة من حالة عدم اليقين هذه للمطالبة برفع الحصار، وتخفيف العقوبات، والإفراج عن الأصول، والحصول على امتيازات اقتصادية.

لكن هذه الورقة ليست دائمة. فقد فعّلت السعودية خط أنابيب شرق-غرب بطاقة تصل إلى سبعة ملايين برميل يومياً، فيما تعمل دول الخليج على إنشاء مسارات بديلة وشركاء أمنيين جدد، ويشكل الاتفاق بين السعودية وتركيا وباكستان مؤشراً على هذا التغيير. كما أن نقل الصادرات إلى البحر الأحمر يعرضها لتهديد الحوثيين، لكن كل شهر من الاضطراب في هرمز يجعل الاستثمار في تجاوز إيران أكثر جاذبية. وفي الوقت نفسه، يتيح استمرار المصافي المستقلة في الصين في شراء النفط الإيراني ونشاط الأسطول الموازي لطهران هامشاً للتنفس؛ وهو دعم اقتصادي قائم على المصالح والأرباح، لكنه لا يحل محل ضمان استراتيجي غير محدود.

كما أن مسار أهداف الولايات المتحدة يحمل دلالات كبيرة. فقد تقلصت أهداف واشنطن خلال الحرب بصورة متواصلة. إذ بدأت الحرب بالحديث عن تغيير النظام، لكن الأولويات انحصرت لاحقاً في احتواء البرنامج النووي، وتدمير القدرات الصاروخية، وإعادة فتح مضيق هرمز. والآن تصف إدارة ترامب خفض أسعار البنزين للناخبين الأمريكيين بأنه «الهدف رقم واحد». ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، وانخفاض مخزونات الذخائر، وغياب خيار عسكري حاسم، يتجه ترامب إلى الحفاظ على وقف إطلاق نار هش. ولا تزال إسرائيل تشدد على زعزعة استقرار هيكل السلطة في إيران، فيما تفضل دول الخليج احتواء الصراع. ويجعل اختلاف هذه الأطراف بشأن الأهداف والتوقيت من الصعب بلورة استراتيجية مشتركة.

وفي طهران أيضاً تغيرت نواة السلطة. يشير بروز محسن رضائي وأحمد وحيدي وحسين طائب وقادة آخرين إلى أن إدارة البلاد أصبحت أكثر عسكرية. وقد يكون النمط الذي يتشكل حالياً نوعاً من البراغماتية العسكرية؛ أي التفاوض لاستعادة الموارد المالية وتقليص العزلة، بالتوازي مع الهجمات والتهديدات لإجبار الولايات المتحدة على تنفيذ التزاماتها.

الصراع داخل إيران ليس بين الحرب والسلام

السيناريو الأكثر ترجيحاً ليس سلاماً دائماً ولا عودة فورية إلى حرب شاملة، بل وقف إطلاق نار مُدار، تتخلله انتهاكات متقطعة وعمليات إلكترونية وهجمات على الملاحة ومساومات بشأن الطاقة. يتمثل العامل الحاسم في قدرة طهران على تحويل ورقة هرمز إلى مكسب سياسي قبل أن تستنزف قيمتها، ووصول النواة العسكرية للسلطة إلى قناعة بأن بقاء النظام يمر عبر عودة محدودة إلى الاقتصاد العالمي.

كما يجب أن يجمع أي اتفاق مستدام ملف هرمز والعقوبات والملف النووي والأمن الإقليمي ضمن إطار مرحلي قابل للتحقق. وفي هذه الحرب، لم يتمكن أي طرف من فرض إرادته بالكامل؛ فقد أصبحت القوة أكثر تشتتاً، فيما لا يزال سكان المنطقة يدفعون ثمنها.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × ثلاثة =

زر الذهاب إلى الأعلى