بورصة طهران تخالف التوقعات وترتفع رغم العقوبات الأميركية

غداة إعلان الولايات المتحدة شنّ ما وصفته بـ"أكبر هجوم مالي" على إيران يستهدفها هي وشركاءها التجاريين، بدت الأسواق الإيرانية في حالة من الهدوء الحذر دون تسجيل اضطرابات حادة.

ميدل ايست نيوز: غداة إعلان الولايات المتحدة شنّ ما وصفته بـ”أكبر هجوم مالي” على إيران يستهدفها هي وشركاءها التجاريين، بدت الأسواق الإيرانية في حالة من الهدوء الحذر دون تسجيل اضطرابات حادة، إذ خالفت بورصة طهران التوقعات بتسجيل مكاسب لافتة، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى طمأنة الشارع القلق والمثقل بأزمة معيشية واقتصادية متفاقمة، عبر التأكيد على جاهزية خططها المسبقة لإحباط الضغوط الأميركية المستجدة.

ولم تُرصد حركة غير معتادة أو طوابير هلع أمام المتاجر ومنافذ بيع السلع الغذائية تحسباً لموجات غلاء جديدة، غير أن محطات الوقود في مدن عدة شهدت، لليوم الثالث على التوالي، ازدحاماً وطوابير طويلة من المركبات، مدفوعة بمخاوف متزايدة من توجه حكومي وشيك لرفع أسعار البنزين وإعادة هيكلة الدعم.

وفي السياق، قال وزير الاقتصاد والمالية الإيراني علي مدني زاده، في مقابلة مع التلفزيون الإيراني بعد ساعات من الإعلان الأميركي، إن الحكومة الإيرانية أعدت مسبقاً خططاً لعامين تشمل مختلف الملفات والتحديات المحتملة، مؤكداً أن “هذه الضغوط الأميركية ليست غير مسبوقة، وأن الولايات المتحدة اتبعت هذا المسار سابقاً وفشلت فيه”.

وأكد مدني زاده أن تدفقات الأموال العالمية لا تتيح لواشنطن قطع الشرايين الاقتصادية والتجارية الإيرانية، قائلا إن حشد التأييد للعقوبات عبر اتصالات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بقادة الدول “لن يحسم مسألة هذه الشرايين”. وأشار إلى لجوء إيران إلى مسارات بديلة عند محاولة تقييد طرقها البحرية أو وقف صادراتها النفطية أو فرض عجز في موازنتها.

إلى ذلك، قال وزير الدفاع الإيراني بالإنابة، العميد مجيد ابن رضا، اليوم الثلاثاء، في منشور على منصة “إكس”، إن كل ضغط يستهدف معيشة المواطنين وأمنهم يشكل جزءا من الحرب، مضيفا أن “على من يوسّعون ساحة الضغوط أن يعلموا أن إيران ستوسّع بدورها ساحة الدفاع عن المواطنين”.

بورصة طهران

في غضون ذلك، وعكس التوقعات، سجلت بورصة طهران، اليوم، ارتفاعاً نادراً في مؤشرها العام بلغ 123 ألف نقطة، ليصل بنهاية التداولات إلى 6 ملايين و224 ألف نقطة. كما ارتفع مؤشر الأسهم المتساوية الوزن 25 ألف نقطة، فيما بلغت قيمة التداولات 3 تريليونات و333 ملياراً و500 مليون ريال. إلى ذلك، شهد سوق العملات صباح اليوم الثلاثاء ارتفاعاً طفيفاً في أسعار الدولار وبقية العملات، قبل أن تبدأ هذه الأسعار بالتراجع بعد ساعات من فتح السوق، حيث هبط سعر الصرف إلى نحو مليونين وعشرة آلاف ريال.

وفي السياق، قال الخبير الاقتصادي الإيراني محسن جندقي، في حديث لـ”العربي الجديد”، إن سوق الصرف شهد منذ اليوم الأول، وقبل أن يتحول التهديد الأميركي بالعزلة الاقتصادية والعقوبات المشددة والحصار الاقتصادي إلى إجراءات فعلية، ارتفاعا في سعر الدولار.

وأضاف أن ارتفاع الدولار ينعكس تقليدياً على أسعار الذهب وأسواق مثل السيارات، نظراً إلى أن كثيرا من السلع والخدمات في إيران تُسعَّر على أساس سعر الصرف، موضحا أن ذلك جاء بالتزامن مع التضخم والارتفاع المتواصل في أسعار السلع، بما فيها السلع الأساسية، في وقت أعلن فيه البنك المركزي معدلات تضخم تتراوح بين 45% و50%.

وقال جندقي إن مؤشرات الاقتصاد والتضخم على أساس سنوي تشير إلى أن سعر الصرف ينبغي أن يرتفع بما لا يقل عن 50% سنوياً، على غرار سائر السلع في ظل التضخم. وأوضح أن ارتفاع سعر الدولار لا يعود فقط إلى تأثير الخطة الأميركية لعزل إيران اقتصاديا أو الحصار الأميركي، معتبراً أن التهديدات الأميركية تمثل، في رأيه، “عملية نفسية واستثماراً نفسياً يراد منه تحقيق مكاسب في سياق الحرب، أكثر من كونها ذات تأثير اقتصادي خاص”.

وأضاف الخبير الاقتصادي أن الإيرانيين يواجهون منذ سنوات طويلة صدمات في سوق الصرف والاقتصاد والتضخم، وأن ارتفاع الدولار ومعدلات التضخم المرتفعة لم يعودا أمرا مفاجئا بالنسبة إليهم.

وقال إن المواطنين كانوا يتوقعون منذ فترة وصول سعر الدولار إلى مليوني ريال هذه الأيام، ولذلك فإن ارتفاعه بنسبة 50% لن يثير دهشتهم في ظل تضخم يبلغ 50%.

وتابع أن جميع السلع، الأساسية وغير الأساسية، تشهد منذ فترة ارتفاعاً في الأسعار، وأن تكاليف الإنتاج ارتفعت لدى المنتجين منذ سنوات، وقد تبلغ هذه الزيادة 50% في عام ثم 40% في العام التالي، مشيراً إلى أن إيران تعاني منذ أعوام من التضخم بسبب العقوبات، إلى جانب ما وصفه بقلة خبرة بعض المسؤولين.

وأكد جندقي أن الحصار الاقتصادي الجديد ليس القضية الأساسية، وأن الأسواق والمواطنين اعتادوا الصدمات الاقتصادية، موضحا أن الحصار ليس السبب الوحيد، بل توجد مؤشرات وعوامل كثيرة مؤثرة في هذا المجال، من بينها العامل النفسي.

استهداف شركاء إيران

وفي وقت تستهدف فيه الحرب الاقتصادية الأميركية الجديدة ضد إيران شركاءها التجاريين، أعلنت الصين اليوم الثلاثاء رفضها العقوبات “أحادية الجانب وغير القانونية”، مؤكدة أنها ستدافع بحزم عن مصالحها. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان إن الحرب الاقتصادية وسياسات “الضغط الأقصى” لا تساعد في حل المشكلات، بل تؤدي إلى تفاقم النزاع. وتُعد الصين أكبر شريك اقتصادي لإيران، وتؤكد طهران ثقتها بصمود شركائها أمام ضغوط إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

وحسب تصريحات أميركية، فإن الصين تمثل بؤرة التركيز الرئيسية للضغوط، لكونها أكبر مشترٍ للنفط الإيراني. وتظهر تقديرات شركة “كبلر” لتحليل الطاقة أن صادرات النفط الإيراني إلى الصين بلغت نحو 534 ألف برميل يومياً في أغسطس/آب، مقارنة بنحو 823 ألف برميل يومياً في يوليو/تموز، وما يقارب مليونا و580 ألف برميل يومياً في فترة سابقة من مطلع العام الجاري.

وإلى جانب بكين، تبرز الإمارات كإحدى أهم نقاط الضغط على شبكة التجارة الإيرانية الخارجية، نظرا لدور دبي التاريخي في إعادة تصدير السلع ونقل الأموال وتسهيل نشاط الشركات والتجار الإيرانيين. وشهد هذا المسار تعطلا بعدما علّقت الإمارات، في 18 أغسطس/آب، جميع تعاملاتها التجارية والمالية مع طهران إثر اتهامها بإطلاق صواريخ نحو أراضيها.

كما يبرز اسما تركيا والعراق في هذا السياق، إذ تمثل تركيا شريكاً ومساراً برياً بديلا لنقل البضائع والمدفوعات، حيث بحث مصدّرون هنود نقل تجارتهم مع إيران عبرها بعد تعطل مسار الإمارات. ويُعد العراق أيضا من أهم الأسواق الإقليمية لإيران في مجالات الغاز والكهرباء والسلع غير النفطية، ما يجعل تشديد الضغوط على المصارف وشركات النقل والوسطاء خطرا يهدد المسارات الإقليمية بالتوازي مع المسار الصيني.

وأعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، بالتزامن مع كشف حزمة العقوبات، أن فرقا من وزارتي الخزانة والخارجية والمؤسسات العسكرية تجري اتصالات مع حكومات أخرى، محددة مهلا زمنية لإنهاء الأنشطة المستهدفة، ومحذرا من أن المؤسسات التي تُسهم في غسل الأموال لإيران “قد تُحرَم من النظام المالي القائم على الدولار”.

وتعتمد الحملة الجديدة على قيود سابقة طاولت الملاحة وتجارة الذهب والطيران، لكن التحديث الأخير وسّع نطاق الصلاحيات وشدّد الرقابة على الشركاء الدوليين. ويتمثل التغيير الأساسي في إدراج مكتب مراقبة الأصول الأجنبية خمسة قطاعات إضافية تشمل الأصول الرقمية، والتكنولوجيا، والذهب، والطيران، والملاحة، ضمن الأمر التنفيذي 13902.

وكان ترامب قد أصدر هذا المرسوم الرئاسي في يناير/ كانون الثاني 2020، مستهدفاً البناء والتعدين والصناعة والنسيج، مع إمكانية إضافة قطاعات أخرى، إذ أُضيف القطاع المالي في 2020، وقطاعا النفط والبتروكيماويات في 2024. وتتيح الإضافات الجديدة فرض عقوبات ثانوية واسعة على أي دول وأشخاص ينشطون في تلك القطاعات، بصرف النظر عن مواقعهم الجغرافية.

بدوره، قال الخبير الاقتصادي الإيراني إيرج يوسفي، في تصريح لـ”العربي الجديد”، إن طبيعة الحرب ضد إيران تحوّلت من عسكرية إلى اقتصادية، مشيرا إلى أن تصدّر وزير الخزانة الأميركي المشهد يُغني عن تدخل المسؤولين العسكريين أو الدبلوماسيين، بما يعكس استراتيجية واشنطن الجديدة القائمة على الخنق المالي لا الإطاحة العسكرية. وأكد يوسفي أن “فرض عقوبات جديدة على 60 شخصية وكياناً، بما في ذلك قطاع الشحن البحري، يستهدف بوضوح اختناق الاقتصاد الإيراني عبر تضييق الخناق على مفاصله الحيوية، خصوصا بعد توقف التجارة مع الإمارات الذي أحدث صدمة فورية”.

وعن ردّة فعل البورصة الإيرانية، اعتبر الخبير أن “صعود المؤشر رغم العقوبات ليس دليلا على متانة الاقتصاد، بل هو ردة فعل عاطفية يغذيها مضاربون”. ورأى أن الإجراءات الأميركية ليست مجرد ذروة عابرة، بل هي مسار مستمر، متوقعاً أن تركز واشنطن في مراحلها القادمة على قطع الشرايين المصرفية في تركيا وعُمان، إلى جانب ملاحقة المعاملات المالية المعتمدة على العملات الرقمية والبيتكوين.

وأوضح يوسفي أن محاولات إيران لإيجاد “ترياق” عبر مسارات بديلة “ستصطدم دائما برصد دقيق من الخزانة الأميركية، ما يجعل أي انتعاش اقتصادي ظرفيا ولا يمكن التعويل عليه، في ظل بنية اقتصادية تعاني من تصدعات سابقة على تفاقم هذه الضغوط، وهو ما يجعل المواطن الإيراني يدفع فاتورة هذه الحرب في معيشته اليومية بشكل مباشر ومتصاعد”.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشرين − 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى