2485 عملية عبور خلال ستة أشهر تكشف حدود قبضة إيران على هرمز
تشير البيانات اليومية لعبور السفن عبر المضيق منذ مطلع الحرب إلى أن أقل من ثلث عمليات العبور مرّت عبر المسار الإيراني، فيما تراجعت حصته إلى أدنى مستوياتها مع أقوى تعافٍ للملاحة خلال شهر يونيو.

ميدل ايست نيوز: في مطلع يوليو، حذرت إيران شركات الشحن من استخدام الممر الجنوبي لمضيق هرمز، المحاذي لسواحل عُمان، بعدما بدأت الملاحة تتعافى هناك عقب أسابيع من شبه الشلل، في تصرّف اعتبرته واشنطن مؤشراً على خشية طهران من فقدان السيطرة على المضيق.
تكشف بيانات تفصيلية حصلت عليها “الشرق بلومبرغ” من شركة “كبلر” المتخصصة في تتبع السفن والسلع عالمياً، أن تلك الخشية لم تكن بلا أساس.
إذ تشير البيانات اليومية لعبور السفن عبر المضيق منذ مطلع الحرب إلى أن أقل من ثلث عمليات العبور مرّت عبر المسار الإيراني، فيما تراجعت حصته إلى أدنى مستوياتها مع أقوى تعافٍ للملاحة خلال شهر يونيو.
تبرز أهمية هذا الاستنتاج في ضوء رغبة طهران المعلنة بتحصيل رسوم عبور للممر الملاحي، وما يراه عدد كبير من المحللين بأنه محاولة من النظام لتحويل المضيق إلى أداة ضغط وتحكم في صادرات الخليج وأسواق الطاقة العالمية بعد انتهاء الصراع.
عمليات عبور خفية
لكن البيانات اليومية أظهرت أن طهران لم تستطع فرض إرادتها على غالبية السفن، حيث صنّفت “كبلر” أغلبية عمليات العبور بأنها “خفية” أو “غير معروفة المسار”، وهو ما يشير عادة إلى السفن التي تلجأ إلى إطفاء أجهزة التتبع.
وقد تساعد هذه الخلاصة على تفسير إعلان إيران وعُمان عن اتفاق مبدئي يوم الثلاثاء حول “مسار مشترك مؤقت” لإدارة الملاحة في المضيق.
تأتي هذه المؤشرات فيما تقول الولايات المتحدة إنها باتت تساعد على تمرير مزيد من الناقلات والنفط عبر الجانب الجنوبي من المضيق. كما قال باتريك بويانيه، الرئيس التنفيذي لـ”توتال إنرجيز”، إن الخام بات يعبر هرمز “بهدوء ومن دون إعلان”، في إشارة إلى استمرار تدفقات لا تظهر كلها بوضوح في بيانات التتبع العامة.
همايون فلكشاهي، كبير محللي أسواق النفط الخام في “كبلر”، قال رداً على سؤال لـ “الشرق بلومبرغ” إنه لا يستطيع التأكيد “بنسبة 100%” أن إيران فقدت قدرتها على التحكم في المضيق “لكن يبدو أنها فقدت جزءاً من ذلك”.
تبدو هذه الإجابة منطقية في ظل قدرة النظام على مهاجمة السفن، بالإضافة إلى ما تظهره البيانات من غياب لتعافي حركة التجارة غير النفطية عبر المضيق.
النتائج الرئيسية للبيانات
- البيانات أظهرت أن من بين 2485 عملية عبور للمضيق بين بداية مارس و18 أغسطس، جرى 735 منها فقط عبر المسار الإيراني، أي 29.6% من الإجمالي.
- صنفت “كبلر” 57.5% من الحركة بأنها “خفية” أو غير معروفة المسار، فيما جرت 7% عبر المسار العُماني و5.8% عبر المسار الأوسط الذي تصنفه الشركة باعتباره مسار المنظمة البحرية الدولية.
- تبدو القبضة الإيرانية أضعف عند النظر إلى اتجاه الحركة. سجلت “كبلر” 1097 عملية دخول إلى مياه الخليج عبر هرمز خلال الفترة نفسها، جرى 34% منها عبر المسار الإيراني، مقابل 58.2% للحركة الخفية أو غير المعروفة المسار.
- أما من بين 1388 عملية خروج، فلم يستخدم المسار الإيراني سوى 26.1%.
ولا يعود تجنب المسار الإيراني إلى ميزان القوة في البحر وحده، بل تدخل عوامل الضغط الأميركية أيضاً في المعادلة. فقد حذرت وزارة الخزانة الأميركية في مايو من مخاطر العقوبات المرتبطة بدفع رسوم لإيران أو الحصول منها على ضمانات وخدمات للعبور الآمن، ما أضاف كلفة أخرى على الشركات التي تتعامل مع ترتيبات المرور الإيرانية.
لكن النتيجة واحدة، فالمسار الذي أرادت إيران فرضه لم يصبح الطريق الذي تعبر منه غالبية الحركة بصورة مستدامة.
المفارقة الكبرى
لكن الأهم هو ما حدث عندما بدأت الملاحة تتعافى.
- في أبريل، سجلت البيانات 355 عملية عبور، جرى 195 منها عبر المسار الإيراني، لترتفع حصته إلى 54.9%، وهي المرة الوحيدة منذ بداية الحرب التي تجاوزت فيها حصته نصف الحركة. لكن ذلك حدث بينما ظلت الملاحة محدودة نسبياً.
- بعد شهرين، ارتفع إجمالي العبور في يونيو إلى 752 عملية، أي أكثر من ضعف أبريل. وفي 24 يونيو وحده، سجلت البيانات 62 عملية عبور.
- ومع ذلك، لم يُستخدم المسار الإيراني إلا في 149 عملية خلال الشهر، فهبطت حصته إلى 19.8%، وهي الأدنى منذ بداية الحرب، مقابل 59.6% للحركة الخفية أو غير المعروفة المسار، و14.4% للمسار العُماني و6.2% للمسار الأوسط.
وهنا تظهر المفارقة، فالشهر الذي شهد أقوى تعافٍ للملاحة تزامن مع أدنى حصة للمسار الإيراني منذ بداية الحرب.
ارتفع متوسط العبور من 7.5 عملية يومياً في مارس إلى 25.1 في يونيو، بينما تراجعت حصة المسار الإيراني من 28.6% إلى أقل من الخُمس. وفي يوليو، ظل المتوسط عند 20.1 عملية يومياً، فيما لم تتجاوز حصة الطريق الإيراني 24.9%.
لا ترسم الأرقام مساراً مستقيماً تفقد فيه إيران قبضتها شهراً بعد شهر. فقد ارتفعت حصتها مجدداً إلى 34.5% في أول 18 يوماً من أغسطس. لكنها تظهر أن طهران لم تستطع تثبيت الهيمنة التي حققتها لفترة قصيرة.
العبور في الظلام
لم يكن المسار العُماني المستفيد الأكبر من تراجع حصة إيران، بل الحركة التي تصنفها “كبلر” بأنها خفية أو غير معروفة المسار.
كانت هذه الفئة هي الأكبر في خمسة من الأشهر الستة، وبلغت حصتها 63.8% في أغسطس حتى يوم 18 منه.
ويتزامن ذلك مع لجوء سفن إلى إطفاء أجهزة الإرسال أثناء العبور، ما يصعّب تحديد مسارها لدى شركات التتبع، من دون أن يجعلها غير قابلة للرصد عسكرياً.
وقال فلكشاهي لشبكة “سي إن إن”، في تقرير نُشر في 20 أغسطس، إن 72 من أصل 84 ناقلة خام محملة عبرت هرمز منذ 7 يوليو أبحرت مع إطفاء أجهزة التتبع، مرجحاً أنها استخدمت الجانب العُماني، مع تأكيده أن “كبلر” لا تستطيع الجزم بذلك.
وفي الوقت نفسه، تحاول الولايات المتحدة إبقاء هذا الطريق مفتوحاً. وقال مسؤولون أميركيون لموقع “أكسيوس” في 19 أغسطس إن الجيش أنشأ ممراً على الجانب الجنوبي من هرمز، وإن ما بين 15 و20 ناقلة كانت تعبر ليلاً، وربطوا ذلك بحملة استهدفت الرادارات وقدرات المراقبة البحرية الإيرانية.
وإذا استطاعت الولايات المتحدة وشركات الشحن توسيع هذا النمط، فقد تتمكن دول الخليج من إخراج مزيد من النفط والغاز رغم استمرار التهديد الإيراني، ما يضعف القيمة الاقتصادية لورقة هرمز التي تستخدمها طهران للضغط على خصومها.
لكن بيانات “كبلر” لا تثبت أن واشنطن تقف خلف كل عملية عبور خفية، ولا أن إيران غير قادرة على رصد هذه السفن أو مهاجمتها.
قبضة أضعف.. لكنها مؤلمة
رغم عجز إيران عن تثبيت هيمنة مسارها، ظلت حركة الملاحة عند جزء صغير من مستويات ما قبل الحرب، ما يظهر أن قدرتها على التأثير في المرور وتعطيله لم تختفِ.
بلغ متوسط العبور في فبراير نحو 94.9 عملية يومياً، ثم هبط إلى 7.5 في مارس، ولم يتجاوز 12.9 عملية يومياً في أول 18 يوماً من أغسطس. وحتى التعافي الكبير في يونيو لم يُعد المضيق إلى وضع قريب من الطبيعي.
المعادلة إذاً ذات وجهين، إذ تستطيع إيران أن تخسر جزءاً من قدرتها على تحديد الطريق الذي تسلكه السفن، وأن تحتفظ في الوقت نفسه بقدرة كبيرة على جعل عبور هرمز مؤلماً.
غير أن محاولة تعطيل الملاحة تفرض ثمناً باهظاً على إيران نفسها مع استمرار الحصار البحري الأميركي، إذ تشير البيانات إلى أن الشحنات الإيرانية من النفط انهارت من نحو 893 ألف برميل يومياً قبل إعادة فرض الحصار في 14 يوليو إلى 156 ألف برميل في 17 أغسطس، فيما بدت موانئ التصدير شبه متوقفة.
فلكشاهي قال لـ”الشرق بلومبرغ” في 10 أغسطس إن وصول إيران إلى مرحلة تعجز فيها عن مواصلة تصدير النفط إلى الصين، عميلها الأكبر، أصبح “مسألة وقت”، إذا استمر الحصار. كما قال محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي، في مقابلة تلفزيونية في 19 أغسطس، إن صادرات النفط توقفت عملياً في ظل الظروف الراهنة.
السباق ينتقل إلى الاقتصاد
الآن تريد واشنطن تسريع هذا الانهيار. فقد أعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت الإثنين إطلاق حملة وصفها بأنها “غير مسبوقة” لقطع روابط إيران بالاقتصاد العالمي، مهدداً الدول والمؤسسات التي تواصل التعامل معها بعقوبات أميركية.
وبذلك تخوض واشنطن معركتين متوازيتين حول هرمز، الأولى لإبقاء مزيد من النفط والسلع متدفقة رغم التهديد الإيراني، والثانية لاستهداف الشحن والتمويل والتجارة التي تسمح لطهران بتحمل حرب طويلة.
لكن الساعة لا تعمل لمصلحة واشنطن وحدها. ولهذا لا يرى أسامة رضوي، محلل الطاقة والاقتصاد لدى “برايمري فيجين”، أن إيران فشلت في المواجهة.
وقال رضوي لـ”الشرق بلومبرغ” إن إيران لا تزال قادرة على تحميل الولايات المتحدة كلفة اقتصادية، من مؤشراتها الأخيرة الضغوط على سوق سندات الخزانة الأميركية، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتسارع التضخم.
وفي ظل هذه العوامل، يبقى سؤال ما إذا كانت إيران تفقد قبضتها على المضيق بالسرعة الكافية قبل أن تضطر واشنطن لإرخاء قبضتها أولاً، مفتوحاً بانتظار ما ستسفر عنه الأسابيع المقبلة.



