الصحافة الإيرانية: هل تمهد «اتفاقية مكة» لظهور هيكل أمني إقليمي جديد في غرب آسيا؟

أي محاولة محتملة لتوسيع الاتفاقية بطريقة تحولها إلى تحالف يستهدف إيران قد تؤدي إلى تصعيد المواجهة وزيادة حالة عدم الاستقرار.

ميدل ايست نيوز: قد تكون اتفاقية مكة مؤشرًا على مساعي دول منطقة غرب آسيا إلى تقليص اعتمادها الأمني على القوى من خارج المنطقة وإعادة تعريف موازين القوى في غرب آسيا.

يقول أصغر موسوي، خبير في شؤون غرب آسيا، في مقال لموقع المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، إن يمكن تقييم تشكل اتفاقية مكة في 7 أغسطس/آب 2026 بين السعودية وتركيا وباكستان باعتبارها ردًا مباشرًا على الانهيار التدريجي للنظام الأمني القائم على الوجود العسكري الأمريكي في غرب آسيا. فقد أظهرت أحداث الفترة بين عامي 2024 و2026، بما في ذلك الهجمات الإسرائيلية المباشرة وانضمام الولايات المتحدة إلى الحرب على إيران والدفاع المشروع الذي خاضته إيران، أن القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة لم تعد درعًا دفاعيًا، بل باتت أهدافًا مشروعة لإيران وحلفائها في الدول المضيفة.

وتعد هذه الاتفاقية في الواقع نتيجة فشل الخطط السابقة لإنشاء «ناتو غرب آسيوي»، وهي الخطط التي شملت المحاولات العربية في عام 2015، ومبادرات الولاية الرئاسية الأولى لدونالد ترامب، وصولًا إلى اقتراح بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي. وقد فشلت جميع هذه الخطط بسبب التنافسات الداخلية، وعدم قبول القيادة المصرية، والخلافات الجيوسياسية، والأهم من ذلك، انعدام الثقة بإسرائيل باعتبارها ضامنًا للأمن.

وما يميز الاتفاقية عن المبادرات السابقة هو انطلاقها من داخل المنطقة وعدم وجود دور مباشر للولايات المتحدة أو إسرائيل في تصميمها. وتأتي هذه الاتفاقية الدفاعية ردًا على تنافس قوى مثل الولايات المتحدة وأوروبا مع الصين وروسيا، ولا تستطيع دول المنطقة المتوسطة أن تبقى رهينة لهذه الصراعات.

ومع ذلك، فإن أهداف أعضاء الاتفاقية ليست متطابقة. فالسعودية، التي تفتقر إلى جيش قوي مثل تركيا أو إلى قوة ردع نووية مثل باكستان، تُعد العضو الأكثر عرضة للخطر. أما تركيا فتسعى إلى حلفاء لمواجهة نفوذ إسرائيل في شرق المتوسط، وكذلك التهديدات الناجمة عن الجماعات الكردية. في المقابل، تتمتع باكستان بمكانة خاصة بفضل تعدادها السكاني الكبير وموقعها الاستراتيجي وترسانتها النووية، وتسعى إلى الحصول على التكنولوجيا العسكرية التركية والدعم المالي السعودي.

وتؤدي باكستان، بوصفها العمود الفقري لهذه الاتفاقية، دورًا مزدوجًا. فمن جهة، أظهرت قدرتها العملية على الردع من خلال إرسال 8 آلاف جندي ومقاتلات وأنظمة دفاع جوي إلى السعودية في مايو/أيار 2026. ومن جهة أخرى، فإن اعتمادها على ترسانتها النووية يمنح هذا التحالف شرعية ردعية على أعلى مستوى، ويحوّله من اتفاق إقليمي إلى اتفاق ذي تداعيات جيوسياسية عالمية.

وفي هذا السياق، تكتسب رغبة بنغلاديش في الانضمام إلى الاتفاقية أهمية خاصة. فبنغلاديش، باعتبارها دولة مسلمة ذات تعداد سكاني كبير واقتصاد آخذ في النمو، يمكن أن تضيف إلى هذا التحالف وزنًا سياسيًا وديموغرافيًا، وتحوله من ميثاق يضم ثلاث دول إلى تكتل إسلامي آسيوي. ولا يقتصر دور بنغلاديش في هذه المعادلة على الجانب العسكري، بل يتجاوز ذلك إلى البعدين السياسي والاستراتيجي. وقد يشكل انضمام بنغلاديش إلى الاتفاقية، بالتزامن مع دعم محتمل من مصر، شرارة لتشكيل نواة أمنية أوسع في العالم الإسلامي تقلل الاعتماد على القوى من خارج المنطقة. وكما أشارت المصادر، كانت تركيا في طليعة الدول الداعية إلى انضمام مصر إلى هذا التحالف، وهو ما يعكس تصورًا يتجاوز الأعضاء الثلاثة الأوائل.

ومع ذلك، يواجه مسار توسع هذه الاتفاقية الدفاعية عقبات جدية. فلا يزال التنافس التاريخي بين السعودية وتركيا، والخلافات بشأن قضايا إقليمية مثل ليبيا وسوريا، واختلاف المواقف تجاه جماعة الإخوان المسلمين، يمثل تحديات داخلية قائمة. ولا تبدو اتفاقية مكة، أكثر من كونها تحالفًا عسكريًا متكاملًا، أداةً للتنسيق السياسي والأمني يمكن أن تتحول إلى هيكل أمني إقليمي، شرط أن يتمكن أعضاؤها من تجاوز خلافاتهم التاريخية ووضع تعريف واضح لمصالحهم المشتركة.

تهديد أم فرصة؟

يظهر تحليل مضمون الاتفاقية أنه، خلافًا لبعض التكهنات التي طرحتها وسائل إعلام إسرائيلية وغربية واعتبرت إيران أحد العوامل الرئيسية وراء تشكيل هذا التحالف، فإنه لا يتضمن تهديدًا لطهران. فقد أعلن وزير الخارجية التركي صراحة عدم وجود تعريف مشترك لـ«التهديد» في هذا الميثاق، وأن كل دولة انضمت إليه من أجل تحييد «مخاطرها الخاصة».

ومن منظور استراتيجي، يمكن تقييم هذه الاتفاقية، لا باعتبارها تهديدًا، بل فرصة محتملة لتحقيق الاستقرار الإقليمي. وتشير الاتفاقية إلى نضج دول المنطقة وتحملها مسؤولية أمنها والتحرك نحو هيكل أمني نابع من داخل المنطقة، وهو هيكل لا يتعارض بالضرورة مع مصالح إيران، بل يمكن لإيران أن تؤدي فيه دورًا يتناسب مع مكانتها.

وفي ظل اعتبار الولايات المتحدة لاعبًا لا يمكن الوثوق به، يمكن أن يوفر هذا الميثاق منصة للحوار والتعاون الأمني الإقليمي الشامل، على غرار ما يجري السعي إليه في إطار «منصة 3+3» بشأن جنوب القوقاز. كما يدرك دول المنطقة جيدًا، وفقًا لما يشير إليه محللون، أنه إذا لم تؤدِّ إيران دورًا بارزًا ومناسبًا، فستتحول إسرائيل إلى قوة إقليمية تخل بالتوازن وتشكل تهديدًا لهم. ولذلك، يمكن لإيران قوية أن تؤدي دور ثقل موازن في مواجهة طموحات تل أبيب.

ومع ذلك، فإن هذه الفرصة لا تخلو من تحديات. فأي محاولة محتملة لتوسيع الاتفاقية بطريقة تحولها إلى تحالف يستهدف إيران قد تؤدي إلى تصعيد المواجهة وزيادة حالة عدم الاستقرار. وفي نهاية المطاف، ستعتمد استجابة إيران لهذا الميثاق إلى حد كبير على السلوك العملي لأعضائه، وليس على نص الميثاق وحده.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى