إيران.. هل يتحول الذكاء الاصطناعي في المدارس إلى مجرد «واجهة»؟
بالنسبة إلى إيران، فإن البرامج المرتبطة بالذكاء الاصطناعي من دون معالجة المشكلات الأساسية في البنية التحتية معرضة للتحول إلى واجهة شكلية، ومن المستبعد أن تؤدي إلى تحسين ملموس في جودة التعليم.

ميدل ايست نيوز: تجاوز الذكاء الاصطناعي مرحلة التجربة والنقاشات النظرية، وأصبح عنصراً حاسماً في الفصول الدراسية. ووفقاً لتقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، استخدم في المتوسط 36% من معلمي المرحلة المتوسطة في الدول التي شملتها الدراسة أدوات الذكاء الاصطناعي عام 2024، بينما تصل هذه النسبة إلى نحو 75% في دول مثل سنغافورة والإمارات.
وتتبع الدول أربعة أنماط رئيسية في هذا المجال، وهي استخدام الذكاء الاصطناعي مساعداً للمعلم لتقليل الأعمال الإدارية، واستخدامه مكملاً للتعلم الشخصي للطلاب، ودمجه بوصفه جزءاً أساسياً من المنهج الدراسي، كما في تجربة شنغهاي والإمارات، والاستفادة منه على مستوى الحوكمة التعليمية لتحليل البيانات وتحسين توزيع الموارد.
وضع إيران في البرامج المعلنة
اضطرت إيران أيضاً إلى التعامل مع هذا التحول. وفي إطار برنامج «إيران الرقمية»، أُعلنت أهداف تشمل تعليم مفاهيم ومهارات الذكاء الاصطناعي لـ4 ملايين طالب وتمكين 200 ألف معلم. وتغطي هذه الأرقام، للوهلة الأولى، نسبة ملحوظة من الجسم التعليمي في البلاد.
إلا أن التقارير تؤكد أن المشكلة الأساسية تكمن في الغموض البنيوي للنموذج الذي تتبناه إيران. فلا يزال من غير الواضح ما إذا كانت إيران ستكتفي بتعليم الطلاب مبادئ الثقافة الأساسية للذكاء الاصطناعي وتعريفهم بأدواته بصورة عامة، أم أنها تعتزم دمج الذكاء الاصطناعي في التقييم، وتخصيص عملية التعلم، والحوكمة القائمة على البيانات في المدارس.
ويثير الاعتماد على تقارير متفرقة وإجراءات جزئية، من دون وضع إطار وطني واضح للثقافة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، مخاوف من أن يظل إدخال التكنولوجيا إلى المدارس في مستوى شكلي واستعراضي، بدلاً من أن يؤدي إلى تحسين جودة التعليم وترشيد الموارد.
انتقادات الخبراء للبرامج الحالية
ينظر مجيد علي عسكري، الأستاذ المتقاعد في جامعة خوارزمي والمتخصص في دراسات المناهج الدراسية، بانتقادات حادة إلى هذه البرامج، وذلك في مقابلة مع صحيفة دنياي اقتصاد. ويرى أن اختزال أزمة التعليم في «عدم الوصول إلى البرمجيات» أو «إقامة دورات إلكترونية عبر الهواتف المحمولة» يعني تجاهل فجوات البنية التحتية الأعمق.
ويؤكد علي عسكري قائلاً: «مشكلتنا الرئيسية في الوقت الراهن ليست الذكاء الاصطناعي أو الكمبيوتر أو التكنولوجيا التعليمية. فنحن لا نمتلك أصلاً البنى التحتية الأساسية في مجال التعليم». ويشير إلى الأوضاع غير الملائمة للمدارس، التي لا تمتلك حتى الميزانية اللازمة لشراء المستلزمات الأساسية، وإلى تحصيل رسوم من أولياء الأمور في نظام يفترض أن يكون مجانياً. وبرأيه، قد تكون النقاشات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي نوعاً من الاستعراض أو وسيلة لصرف الانتباه عن المشكلات الأساسية.
وينتقد أيضاً الادعاءات المتعلقة بتمكين المعلمين سريعاً من خلال الدورات الافتراضية، متسائلاً كيف يمكن لمعلم يضطر، بسبب ظروفه الاقتصادية، إلى العمل في ثلاث ورديات أن يشارك في دورات تدريبية؟ ويعتقد أن هذه التدريبات موجودة في الغالب على مستوى الكلام، بينما لا يحدث شيء ملموس في الواقع.
الفجوة التاريخية وتجربة كورونا
يشير علي عسكري إلى الفجوة الطويلة التي تفصل إيران عن التعليم الافتراضي، ويقول إن البلاد ابتعدت لسنوات عن عالم التعليم الرقمي، وإن سد هذه الفجوة لن يتم في وقت قريب. ولتعويض هذا التأخر، يجب توفير البنى التحتية اللازمة ووضع التعليم على رأس الأولويات. ويوضح أن البلاد تواجه اليوم الحروب والتكاليف الناجمة عنها، في وقت جرى فيه إهمال التعليم، الذي يشكل أساس جميع أنشطة المجتمع.
ويعتبر تجربة الانتقال المتسارع إلى التعليم عن بُعد خلال جائحة كورونا مثالاً آخر على طريقة تعامل النظام التعليمي مع التكنولوجيا. ففي ذلك الوقت، أدى فرض التكنولوجيا بصورة مفاجئة في غياب البنية التحتية إلى تراجع حاد في جودة التعلم، وبعد انتهاء الأزمة، اعتُبر الرجوع إلى التعليم الحضوري أمراً ضرورياً. ويحذر من احتمال تكرار هذا النمط المتسرع نفسه اليوم عند وضع اللوائح الخاصة بالذكاء الاصطناعي.
ويقارن علي عسكري وضع إيران بدول رائدة مثل سنغافورة والصين وماليزيا، قائلاً إنه بعد مرور 50 عاماً على الثورة الإسلامية وقرن على نشوء نظام التعليم الحديث، لم يحدث تحول أساسي في التعليم. وفي حين حققت هذه الدول تقدماً من خلال استثمارات جادة في التعليم، تتمثل الأولوية الأساسية في إيران في دفع رواتب المعلمين، وليس في جودة التعليم أو تجهيزاته.
ضرورة إعادة النظر في الأولويات
ويؤكد في خلاصة حديثه أن الأساس تُرك جانباً، بينما يجري التركيز على التفاصيل الثانوية. ويرى أن المسار الحالي في قطاع التعليم لن يؤدي إلى نتيجة ما لم يُعاد التفكير في التعليم من أساسه. فعندما تكون البيئة المدرسية متوترة ومثيرة للقلق، لا يمكن أن يتشكل تعلم حقيقي، وينطبق الأمر نفسه على المعلمين.
ما يُنظر إليه في إيران مجرد أداة، يُستخدم في الدول الرائدة بوصفه أسلوباً وبنية متكاملة. وقد تقدمت أنظمة تعليمية ناجحة مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة من خلال استثمارات طويلة الأمد وتصميم هيكل تعليمي يتناسب مع متطلبات المستقبل. بالنسبة إلى إيران، فإن البرامج المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، من دون معالجة المشكلات الأساسية في البنية التحتية، وتوضيح النموذج الوطني، ووضع التعليم فعلياً على رأس الأولويات، معرضة للتحول إلى واجهة شكلية، ومن المستبعد أن تؤدي إلى تحسين ملموس في جودة التعليم.



