الصحافة الإيرانية: أبعاد مختلفة للمواجهة بين إيران والولايات المتحدة
تتواصل بجدية التكهنات بشأن احتمال اندلاع «الحرب الثالثة»، وتحت تأثير هذه التكهنات، تواجه إيران حالة إضافية من التعليق وعدم اليقين.

ميدل ايست نيوز: تشهد هذه الأيام تطورات مهمة في مختلف أبعاد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة. فعلى الصعيد العسكري، تتواصل بجدية التكهنات بشأن احتمال اندلاع «الحرب الثالثة»، وتحت تأثير هذه التكهنات، تواجه إيران حالة إضافية من التعليق وعدم اليقين. ويستند الحديث في هذا الصدد إلى تصريحات وتحركات ترامب، وإلى مؤشرات عسكرية، من بينها إرسال مجموعة بحرية ثالثة ووحدة برمائية إلى منطقة القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم»، وإرسال وحدتين جديدتين للدفاع الجوي إلى السعودية وقطر، وزيادة عدد طائرات التزوّد بالوقود في المنطقة.
يقول كوروش أحمدي، الدبلوماسي الإيراني السابق، في مقال لصحيفة شرق: مع ذلك، لا تعني هذه الإجراءات بالضرورة أن ترامب اتخذ قرارًا ببدء حرب ثالثة، إذ يمكن أن تهدف في الوقت الراهن إلى زيادة الخيارات والإمكانات المتاحة في المنطقة، وتعزيز الردع، وتحسين أوراق التفاوض. ومن الطبيعي أن يُنظر إلى فشل ترامب في تحقيق أهدافه من خلال حرب استمرت 40 يومًا باعتباره أحد العوامل المهمة التي قد تثنيه عن شن حرب شاملة أخرى.
إضافة إلى ذلك، كانت الأدلة خلال الأسابيع الماضية تشير إلى أن ترامب يعتزم مواصلة الحصار البحري والضغط الاقتصادي كأداة للضغط على إيران. وعلى الرغم من أن ترامب، بحكم خصائصه الشخصية والجدول الزمني للتطورات السياسية داخل الولايات المتحدة، يسعى إلى حل سريع، فإنه قد يفضل في نهاية المطاف مواصلة التركيز على ممارسة الضغط بدلًا من اللجوء إلى الحرب.
لذلك، لا تزال الدبلوماسية مطروحة على جدول الأعمال، وفي أعقاب «الخطة ذات الأيام السبعة» التي قدمتها إيران والرد الأميركي الخطي عليها، قد يبقى المسار الدبلوماسي مفتوحًا، وإن كانت الآمال المعقودة عليه قد تراجعت.
ومع ذلك، يبدو أن الظروف تختلف كثيرًا عن أواخر يونيو/حزيران، عندما انتهت المفاوضات إلى مذكرة تفاهم. ويتمثل أهم اختلاف في وضع مضيق هرمز. وتدعي الولايات المتحدة أنها تمكنت من فتح المضيق، وأن كميات من النفط تخرج منه يوميًا تقترب من مستويات ما قبل الحرب.
وقد تشير بعض الأدلة، مثل تقديرات بعض شركات تتبع حركة السفن، ومنها شركة «كبلر»، وتصريحات بعض المسؤولين العراقيين بشأن تصدير ثلاثة ملايين برميل من النفط يوميًا خلال الفترة الأخيرة، إلى حدوث تطور في وضع مضيق هرمز.
ويبدو أن ذلك دفع ترامب إلى عدم السعي مجددًا إلى اتفاق يتضمن مضمونًا مشابهًا لمذكرة تفاهم إسلام آباد، إذ كانت تلك الوثيقة تقوم على إعادة فتح مضيق هرمز من جانب إيران مقابل تقديم الولايات المتحدة تنازلات مهمة، وتأجيل التفاوض بشأن البرنامج النووي إلى مرحلة لاحقة.
وعقب الانتقادات الواسعة التي تعرض لها ترامب بسبب توقيع مذكرة التفاهم، والطريق السهل الذي أتيح له للخروج من ذلك الاتفاق، يبدو أن ترامب يطالب الآن باتفاق مختلف يربط أي تنازل تقدمه الولايات المتحدة بالحصول على تنازل من إيران بشأن برنامجها النووي.
ويبدو أن إيران لا توافق على هذه الصيغة، لأن معناها هو فقدان ورقة مضيق هرمز لقيمتها.
ويتمثل البعد الآخر في هذه المسألة في دور إسرائيل والدول العربية في المنطقة. فقد تدهورت العلاقة بين ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بصورة واضحة، بعد أن ثبتت صحة الانتقادات الموجهة سذاجة الإيحاءات التي قدمها نتنياهو والموساد، وهو ما أدى إلى إحجام ترامب عن التعاون مع نتنياهو بشأن إيران. كما شكلت التحركات الإسرائيلية ضد مذكرة التفاهم عاملًا آخر في تدهور العلاقات بينهما.
إضافة إلى ذلك، ففي حال اندلاع حرب ثالثة، قد تصبح إسرائيل عبئًا بدلًا من أن تكون سندًا، إذ ستقع على عاتق الولايات المتحدة حصة كبيرة من مهمة الدفاع عن إسرائيل في مواجهة الصواريخ الإيرانية.
ولا يزال موقف الدول العربية غير واضح. فبعض هذه الدول يبدو معارضًا لاندلاع حرب أخرى، خشية امتدادها إلى أراضيه. وقد يكون بعضها الآخر مستعدًا لتحمل تكاليف، على حد تعبيره، «حسم الأمر نهائيًا». ويمثل اندلاع الحرب بين السعودية والحوثيين عاملًا مهمًا في هذه المعادلة.
ويأتي اجتماع مسؤولين عسكريين أميركيين وإسرائيليين في ألمانيا في نحو 10 سبتمبر/أيلول، والزيارة الأخيرة التي أجراها نتنياهو إلى الإمارات، من بين أشكال التنسيق الجارية في هذا السياق.
كما أضيف بُعد آخر إلى هذه المعادلة مؤخرًا، يتمثل في مساعي فرنسا داخل مجلس الأمن لاعتماد قرار جديد بشأن مضيق هرمز. ويدور الحديث عن منح مجلس الأمن شرعية لمهمة دولية تهدف إلى استعادة حرية الملاحة في المضيق. ومن المقرر، مع تجنب اتخاذ موقف تصعيدي تجاه إيران، والاستمرار في عدم التطرق إلى الأسباب الجذرية للأزمة، فصل قضية المضيق عن النزاع بين إيران والولايات المتحدة، وتشجيع الدول على التنسيق من أجل حماية الملاحة التجارية.
وفي الواقع، تعتزم فرنسا، من دون الالتفات إلى جذور الأزمة ومعالجة مشكلات المنطقة، تقديم مشروع قرار يركز فقط على المصالح المشتركة للدول في مجال الأمن البحري. ويأتي هذا المشروع في إطار الإجراءات التي اتخذتها بريطانيا وفرنسا منذ أشهر، بحسب قولهما، «لإنشاء مهمة دولية محايدة ومستقلة ودفاعية لمضيق هرمز»، وهي إجراءات لا يتمثل هدفها المعلن في إعادة فتح المضيق بالقوة.
وبخلاف ما تدعيه فرنسا وبريطانيا، يتضمن هذا التحرك عنصرًا عسكريًا سيضع روسيا والصين مجددًا أمام موقف بالغ الصعوبة. فقد سمحت الدولتان، في 11 مارس/آذار، بتمرير القرار 2817 عبر امتناعهما عن التصويت، وهو القرار الذي تضمن ثلاث إدانات لإيران، لكنهما لجأتا في 7 أبريل/نيسان إلى استخدام حق النقض «الفيتو» ضد مشروع قرار لمجلس التعاون كان يتضمن بُعدًا عسكريًا لإعادة فتح مضيق هرمز.



