تصعيد حول باب المندب… السعودية تحشد دعماً باكستانياً وتركياً وتفعّل «الردع الجماعي»

يأتي انخراط باكستان وتركيا في الآلية الدفاعية في وقت أطلقت فيه الرياض عمليات عسكرية جديدة تهدف إلى استعادة المناطق الخاضعة لسيطرة أنصار الله

ميدل ايست نيوز: في ظل الجمود الذي يسيطر على مسار المفاوضات بين طهران وواشنطن وتصاعد التهديدات المتبادلة، دخلت التطورات الميدانية في اليمن مرحلة جديدة، ترافقت مع تشديد المواجهات بين أنصار الله والقوات المدعومة سعودياً، ما أعاد تسليط الضوء على الأهمية الاستراتيجية لمضيق باب المندب وسواحل البحر الأحمر في المعادلات الإقليمية.

وحسب مقال بصحيفة اعتماد الإيرانية سعت الرياض في هذا السياق إلى تعزيز قدراتها العسكرية، حيث أعلنت باكستان عن اتفاق مع السعودية وتركيا لتوفير قوات وقدرات عسكرية ضمن إطار «ائتلاف مكة». وأكدت وزارة الخارجية الباكستانية أن هذه القوات ستنتشر سريعاً داخل الأراضي السعودية.

من جانبه، أعلن خالد بن سلمان، وزير الدفاع السعودي، موافقة اللجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية لـ«ائتلاف مكة» على تفعيل إجراءات «الردع الجماعي» رداً على هجمات أنصار الله. وقال إن القرار اتُّخذ خلال اجتماع طارئ، مشدداً على تضامن أعضاء اللجنة مع المملكة في مواجهة هذه الهجمات.

ويأتي انخراط باكستان وتركيا في هذه الآلية الدفاعية في وقت أطلقت فيه الرياض عمليات عسكرية جديدة تهدف إلى استعادة المناطق الخاضعة لسيطرة أنصار الله، في محاولة لتوسيع نطاق الضغط العسكري على الجماعة.

وذكرت شبكة «أكسيوس» أن القوات الحكومية اليمنية، بدعم سعودي، بدأت عملية لاستعادة مناطق سيطرة أنصار الله، مشيرة إلى أن أحد أبرز أهدافها يتمثل في استعادة السيطرة على مضيق باب المندب، الممر المائي الحيوي للتجارة العالمية وصادرات النفط السعودية. وأضاف التقرير أن عشرات الآلاف من القوات البرية الموالية للحكومة اليمنية تشارك في العملية، بينما يتولى الجيش السعودي تقديم الدعم الجوي ومهاجمة مواقع أنصار الله.

في المقابل، أعلنت أنصار الله أنها أحبطت تقدم القوات المدعومة من الرياض واستعادت أجزاء من المناطق التي كانت قد خسرتها. وأشار موقع «دروب سايت» إلى أن الجماعة نجحت على ما يبدو في إفشال التقدم على الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر. كما نشرت قوات أنصار الله مقاطع فيديو تظهر وجودها في مدينة «ذباب» بمحافظة تعز، الواقعة بين مضيق باب المندب وميناء المخا. وكانت الجماعة قد سيطرت على المدينة في منتصف سبتمبر، قبل أن تدعي القوات المدعومة سعودياً يوم الاثنين استعادتها مجدداً.

ويرى خبراء أن أهمية ذباب والمناطق المحيطة بها تتجاوز مجرد التطورات الميدانية. فالساحل في هذه المنطقة عبارة عن سهل منبسط يتيح للمركبات المدرعة الخفيفة التقدم بسرعة بدعم جوي، غير أن الاحتفاظ بالمواقع فيه أمر بالغ الصعوبة. وتطل مرتفعات «الوازعية» على هذا السهل، وطالما بقيت خارج سيطرة القوات المدعومة سعودياً، فإن أنصار الله، التي تتمتع بخبرة عالية في القتال الجبلي، تستطيع النزول منها ودفع الخصوم إلى التراجع.

وأفادت تقارير بأن أنصار الله استعادت أيضاً مطار ذباب ومنطقة مراد على جبهة باب المندب في جنوب غرب اليمن، ما أدى إلى عكس جزء كبير من المكاسب التي حققتها القوات المدعومة سعودياً خلال الساعات الماضية. كما باتت المناطق الخاضعة لسيطرة هذه القوات في تعز محاصرة جزئياً، مع قطع الطرق المؤدية إلى المدينة.

باب المندب محور المعركة الجديدة

تكتسب تطورات محافظة تعز أهمية خاصة بالنظر إلى موقعها الجغرافي. فهي تربط بين شمال اليمن وجنوبه التاريخيين من جهة، وسواحله الغربية من جهة أخرى، وتُعد طريق عدن-تعز أحد المسارات الرئيسية المتبقية لدخول قوات التحالف بقيادة السعودية إلى شمال البلاد.

وفي هذا الإطار، قالت شيرين العديمي، أستاذة في جامعة ولاية ميشيغان، إن الطرف الذي يسيطر على هذا الطريق سيحظى بموقع استراتيجي بالغ القوة، معتبرة أن السيطرة عليه تضاهي في أهميتها السيطرة على مضيق باب المندب نفسه.

وجاء تقدم أنصار الله بعد سيطرتها على المخا والمضيق، ما أتاح لها الاستحواذ على مواقع مرتفعة تطل على تعز. ومن ثم فإن استعادة السواحل الغربية أو مدينة تعز نفسها لن يكون أمراً يسيراً على القوات المدعومة سعودياً.

من جهتها، كثفت السعودية هجماتها الجوية. وأفادت مصادر يمنية بشن غارات على مناطق في محافظة الحديدة، بينها جزيرة كمران ومديرية الصليف. وأكد تركي المالكي، المتحدث باسم التحالف السعودي، تنفيذ عملية عسكرية في المحافظة، قائلاً إنها استهدفت أهدافاً عسكرية تابعة للحوثيين بهدف إحباط خطط هجمات وشيكة على الممرات المائية في البحر الأحمر وتدمير مخازن أسلحة وقوارب مفخخة وألغام بحرية.

في المقابل، أعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ ثلاث عمليات ضد أهداف في عمق الأراضي السعودية. وبحسب بيان تلاه يحيى سريع، المتحدث باسم القوات، استُهدف مطار الملك خالد في الرياض، ومصفاة أرامكو في رابغ، ومطار أبها، وقاعدة خميس مشيط، وثكنات عاكفة في عسير، ومواقع في نجران وجيزان، بصواريخ باليستية وكروز وطائرات مسيّرة. ووصفت أنصار الله هذه الهجمات بأنها رد على الغارات السعودية على صنعاء وعدد من المحافظات اليمنية.

السعودية تبحث عن حلفاء إضافيين

ورغم هذه التطورات، لم تُبدِ واشنطن حتى الآن رغبة في التدخل المباشر. وقال مسؤول أمريكي لـ«الجزيرة» إن القوات الأمريكية لا تشارك في الحرب اليمنية، وإن الولايات المتحدة ليس لها أهداف محددة في البلاد، غير أن السعودية تستفيد من قدرات التزويد الجوي الأمريكية لدعم القوات المناهضة لأنصار الله. وأضاف أن نحو 200 مستشار أمريكي يتواجدون في مراكز التخطيط داخل السعودية، ويساعدون القوات السعودية في عمليات الاستهداف.

ويأتي هذا الحذر الأمريكي في وقت يطالب فيه المسؤولون السعوديون بمشاركة أكثر مباشرة من واشنطن. ووفقاً لـ«أكسيوس»، اتصل خالد بن سلمان يوم الخميس الماضي بوزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث، وشرح له العمليات المخطط لها، مطالباً مجدداً بشن غارات جوية أمريكية على مواقع أنصار الله. غير أن مسؤولاً أمريكياً أكد أن واشنطن لن تقدم حالياً على أي عمل عسكري، وإن كان من الممكن أن يتغير هذا الموقف إذا واجهت العملية صعوبات. أما الرئيس ترامب، فاكتفى بالرد على سؤال حول الهجوم السعودي قائلاً: «كل شيء سيسير على ما يرام».

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واحد + عشرة =

زر الذهاب إلى الأعلى