الصحافة الإيرانية: سلوك الرياض تجاه مثلث إيران والولايات المتحدة واليمن

لا تزال السعودية بحاجة إلى الولايات المتحدة، لكنها تسعى في الوقت نفسه إلى تقليص كلفة الاعتماد الكامل على حليف خارجي واحد.

ميدل ايست نيوز: لا يمكن تفسير سلوك السعودية بالاستناد حصرا إلى تحالفها الثابت مع الولايات المتحدة أو احتمال المواجهة المباشرة مع إيران. فالحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران وتصاعد المواجهات في اليمن دفعا الرياض إلى الموازنة بين الاعتماد على القدرات العسكرية الأمريكية، وحماية البنية التحتية الحيوية، ومنع اتساع رقعة الحرب، والحفاظ على برامج التنمية الاقتصادية. ولا تزال السعودية بحاجة إلى الولايات المتحدة، لكنها تسعى في الوقت نفسه إلى تقليص كلفة الاعتماد الكامل على حليف خارجي واحد.

الاقتصاد السعودي.. متماسك لكنه عرضة للمخاطر

وحسب مقال للكاتب الإيراني عباس دارايي في موقع المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية الإيرانية، من أبرز نتائج الأزمة الأخيرة أنها كشفت الفجوة بين القدرات المالية السعودية وهشاشة البنية المادية للاقتصاد. فقد تناول تقرير للمجلس الأطلسي، في إطار اختبار افتراضي للضغوط، سيناريو التوقف الكامل لصادرات النفط السعودية حتى نهاية عام 2026. ووفقا لهذا السيناريو، ستخسر المملكة نحو 75 مليار دولار من عائدات صادرات النفط، و203 مليارات ريال من الإيرادات النفطية الحكومية. ومع ذلك، يمكن للاحتياطيات المالية والأصول الخارجية والقدرة على الاقتراض، إلى جانب الانخفاض النسبي في نسبة الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي، أن تحول دون انتقال الصدمة مباشرة إلى أزمة مالية.

لكن التقرير نفسه يحذر من أن الاقتصاد السعودي قد يواجه «صدمة في البنية التحتية والجغرافيا السياسية» قبل الوصول إلى مرحلة «الانهيار المالي». فقد انخفض إنتاج النفط من نحو 10.9 ملايين برميل يوميا في فبراير إلى 6.2 ملايين برميل في أغسطس، فيما كانت الطاقة التشغيلية لخط أنابيب الشرق–الغرب، الذي صُمم لتجاوز مضيق هرمز، تتراوح بين 4 و5 ملايين برميل يوميا قبل الهجمات التي وقعت يومي 10 و11 سبتمبر. وبذلك، تمتلك الرياض موارد مالية تمكنها من تحمل جانب من الصدمة، لكنها لا تستطيع تعويض مصفاة أو خط أنابيب متضرر بالمال وحده.

اليمن وسلسلة مواطن الضعف السعودية

أدى تصاعد هجمات أنصار الله إلى زيادة هذه الهشاشة. وتشير تقارير منشورة إلى اتساع نطاق التهديدات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة التي تستهدف الرياض وينبع والطائف والمناطق الجنوبية، إلى جانب تزايد الضغوط على حركة الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب. كما يرى تقرير صادر عن مجموعة الأزمات الدولية أن الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران من العوامل التي أسهمت في تجدد التصعيد على الجبهة اليمنية، مؤكدا أن هجمات أنصار الله زادت الضغوط على صادرات النفط السعودية وحركة الملاحة البحرية.

ونتيجة لذلك، بات الخليج والأراضي السعودية وخط أنابيب الشرق–الغرب والبحر الأحمر أجزاء من منظومة أمنية مترابطة. ولم يعد المسار البديل لمضيق هرمز بمنأى عن المخاطر. وفي هذا السياق، ترى منصة «ريسبونسيبل ستيت كرافت» أن الهجمات على المنشآت النفطية وخطوط الأنابيب ومسارات التصدير أظهرت أن اعتماد السعودية حصرا على القوة الأمريكية لا يعني بالضرورة قدرة واشنطن على منع جميع الهجمات.

الضمانات الأمريكية.. دعم فعلي أم التزام ملتبس؟

في ظل هذه الظروف، تكتسب تصريحات ماركو روبيو بشأن التزام الولايات المتحدة بتعهداتها الدفاعية تجاه السعودية أهمية بالنسبة إلى الرياض، لكن نطاق هذا الالتزام لا يزال غير واضح. فقد قال روبيو إن واشنطن «ستفي بالتزاماتها»، من دون أن يوضح ما إذا كانت الولايات المتحدة ستدخل الحرب مباشرة في حال تصاعد الأزمة.

وتُميّز تحليلات صادرة عن مركز دراسات الخليج و«تشاتام هاوس» بين تقديم الدعم العسكري والانخراط المباشر في الحرب. إذ يمكن أن يشمل الدعم الأمريكي توفير المعدات والمعلومات الاستخباراتية والصور الفضائية والتخطيط العملياتي وتعزيز القدرات الدفاعية.

وهنا تتضح الفجوة بين مفهوم «الأمن الذي يمكن التعويل عليه» من وجهة نظر الرياض، و«الدعم الكافي للحفاظ على التوازن» من وجهة نظر واشنطن. من جانب آخر، ترى منصة «ريسبونسيبل ستيت كرافت» أن نهج «أمريكا أولا» يدفع الشركاء الإقليميين إلى تقليص اعتمادهم على قوة خارجية واحدة.

السعودية بين واشنطن وأنقرة وإسلام آباد وبكين

يكتسب إنشاء ميثاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وباكستان وتركيا أهمية في هذا السياق. فهذا الميثاق لا يشكل بديلا عن التحالف الأمني مع الولايات المتحدة، لكنه قد يضيف طبقة مكملة لمنظومة أمن الرياض. كما ترى مجموعة الأزمات الدولية أن الترتيبات المتعلقة بالبحر الأحمر ومجموعة «آر 4»، التي تضم السعودية وتركيا ومصر وباكستان، تمثل جزءا من بنية أمنية أكثر تنوعا في محيط البحر الأحمر.

وتشكل الصين خيارا تكميليا آخر. وترى «ريسبونسيبل ستيت كرافت» أن ضغوط الحرب قد تدفع الرياض وبكين إلى توثيق علاقاتهما، لكن ذلك لا يعني الاستغناء الكامل عن الولايات المتحدة، بل يعكس قدرة الصين على أداء دور مكمل في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والدبلوماسية، بالنظر إلى علاقاتها المتزامنة مع إيران ودول الخليج.

وبذلك، يمكن للسعودية بناء منظومة أمنية متعددة المستويات، تبقى فيها الولايات المتحدة المصدر الرئيسي للدعم العسكري، فيما تشكل باكستان وتركيا شريكين إقليميين، وتؤدي الصين دور الشريك الاقتصادي والدبلوماسي.

فرصة دبلوماسية أمام إيران

قد تتيح هذه الظروف لإيران فرصة لإعادة صياغة علاقاتها مع الرياض. وتتمثل المصلحة المشتركة بين البلدين في ضرورة منع امتداد الحرب إلى منشآت الطاقة وطرق الملاحة والاقتصاد الإقليمي. ومن هذا المنطلق، يمكن أن يشكل الحوار بشأن أمن الخليج والبحر الأحمر، وحماية البنية التحتية للطاقة، وعدم استهداف المنشآت المدنية، وإدارة الأزمات، مجالا للمصالح المشتركة إلى جانب استمرار التنافس الجيوسياسي.

وتزداد أهمية هذا النهج في وقت تعيد فيه السعودية تقييم حدود الضمانات الأمنية الأمريكية. فقد تواصل الرياض الاعتماد على واشنطن، لكن تجربة الهجمات التي طالت أراضيها وبنيتها التحتية أظهرت أن القدرة الردعية للحليف الخارجي لا تعني بالضرورة قدرته على منع الشريك الإقليمي من تحمل جميع تكاليف الحرب.

في المحصلة، ينبغي فهم السلوك السعودي في إطار سياسة متعددة المسارات، تشمل الحفاظ على التحالف مع الولايات المتحدة، وتطوير ترتيبات أمنية إقليمية، ومنع استنزاف البلاد في حرب اليمن، وحماية برامج التنمية الاقتصادية، وتوسيع العلاقات مع الصين وغيرها من القوى. ولا يعني هذا التوجه بالضرورة الابتعاد عن واشنطن، بقدر ما يعكس محاولة للحد من مخاطر الاعتماد الكامل عليها.

وبالنسبة إلى إيران، تتمثل الرسالة الأهم في أن الفجوة بين «التعهد الأمني الأمريكي» و«الأمن الفعلي للسعودية» قد تتيح مجالا للتحرك الدبلوماسي. فقد عززت الأزمة الأخيرة دوافع الرياض إلى تنويع شراكاتها الأمنية والحفاظ على قنوات التواصل مع طهران. وفي ظل هذه الظروف، بات الأمن المستدام للخليج والبحر الأحمر يعتمد، أكثر من أي وقت مضى، على آليات إقليمية وحوار بين القوى الرئيسية في المنطقة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

17 − 15 =

زر الذهاب إلى الأعلى