فورين أفيرز: الانسحاب من الشرق الأوسط.. درس خاطئ من الحرب؟

بعد عقود من التدخلات المكلفة، والتوقعات التي لم تتحقق، والانخراط العسكري المتكرر، اكتسبت الحجج المؤيدة للانسحاب من المنطقة زخمًا سياسيًا جديدًا عبر مختلف التيارات الأمريكية.

ميدل ايست نيوز: أعادت حرب إيران إحياء نقاش مألوف في واشنطن حول ضرورة تقليص الدور الأمريكي في الشرق الأوسط. فبعد عقود من التدخلات المكلفة، والتوقعات التي لم تتحقق، والانخراط العسكري المتكرر، اكتسبت الحجج المؤيدة للانسحاب من المنطقة زخمًا سياسيًا جديدًا عبر مختلف التيارات الأمريكية. لكن الحرب كشفت في الوقت نفسه مدى ارتباط الولايات المتحدة بالشرق الأوسط، من خلال أسواق الطاقة، والمخاطر النووية، والالتزامات الأمنية، والمنافسة الجيوسياسية الأوسع.

وحسب مقال لموقع “فورين أفيرز”، أفاد به موقع “ميرو” لا يقتصر التحدي الذي يواجه صانعي السياسات على تجنب خوض حملة عسكرية مكلفة أخرى، بل يشمل أيضًا كيفية التعامل مع منطقة تخلّف أزماتها تداعيات اقتصادية واستراتيجية عالمية. ورغم وجاهة الحجج التي يطرحها منتقدو السياسة الأمريكية السابقة، فإن الافتراض القائل إن فك الارتباط بالمنطقة سيحدّ من تعرض الولايات المتحدة لعدم الاستقرار الإقليمي يظل موضع تساؤل. فقد أبرزت الحرب حدود القوة العسكرية، إلى جانب التكاليف التي تنشأ عندما تتعارض المصالح الحيوية مع استراتيجية معيبة.

لذلك، لا يتمحور النقاش الحقيقي حول بقاء واشنطن في الشرق الأوسط أو مغادرته، بل حول إمكان نجاح نهج أكثر تركيزًا واستدامة، في وقت يهدد فيه كل من التدخل والانسحاب بإخفاق جديد.

لماذا يلقى الانسحاب من الشرق الأوسط تأييدًا؟

يمكن أن تصبح الشكوى الشهيرة لمايكل كورليوني في فيلم «العرّاب 3» شعارًا لكل رئيس أمريكي خلال العقود الثلاثة الماضية في ما يتعلق بالشرق الأوسط: «فقط عندما ظننت أنني خرجت، يعيدونني إلى الداخل».

وعد بيل كلينتون بالتركيز على الاقتصاد «مثل شعاع الليزر»، لكنه أمضى الجزء الأخير من رئاسته منشغلًا بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني ومحاولة احتواء العراق بقيادة صدام حسين.

أما جورج بوش الابن، فقد وصل إلى السلطة متعهدًا باتباع سياسة خارجية «متواضعة»، قبل أن ينتهي به الأمر إلى غزو أفغانستان والعراق واحتلالهما. وأعلن باراك أوباما عن «التحول نحو آسيا»، لكنه وجد نفسه متورطًا في تداعيات الربيع العربي، والحملة العسكرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ومفاوضات شاملة مع إيران. وسعى جو بايدن إلى تقليص أهمية الشرق الأوسط في السياسة الخارجية الأمريكية، لكن هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 استحوذ على جزء كبير من رئاسته. أما دونالد ترامب، الذي خاض حملته الانتخابية متعهدًا بإنهاء «الحروب التي لا تنتهي»، فقد انتهى به الأمر إلى المجازفة بخوض حرب متهورة ضد إيران، قد تحدد مسار ولايته الرئاسية الثانية.

منحت الحرب مع إيران زخمًا جديدًا للنقاش المستمر منذ سنوات حول سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. ففي مقال نشره مايكل فوش في مجلة «فورين أفيرز» في أغسطس/آب، وصف الحرب بأنها «كارثة ملحمية»، ودعا إلى انسحاب أمريكي طال انتظاره. ويرى أن على الولايات المتحدة سحب جميع قواعدها وقواتها من المنطقة، وإنهاء دورها بوصفها ضامنًا للنظام الإقليمي، بما يتيح لواشنطن التركيز على أولويات أهم في آسيا وأوروبا. وهذه حجة جدية تلقى صدى لدى كثير من الأمريكيين الذين شاهدوا بلادهم تنفق تريليونات الدولارات وتضحي بآلاف الأرواح في المنطقة من دون تحقيق نتائج تذكر.

إن تشخيص الإفراط في الالتزام الأمريكي بالشرق الأوسط صحيح، لكن وصفة «ترك المنطقة وشأنها»، أي التخلي عنها وتركها لمصيرها، ليست كذلك. فلم تثبت الحرب أن الولايات المتحدة لم تعد تملك مصالح في الشرق الأوسط، بل أظهرت، بصورة مؤلمة، أن لها مصالح فعلية فيه، وأن النهج الذي اتبعته واشنطن لتحقيقها على مدى جيل لم يعد قابلًا للاستمرار. والدرس المستفاد ليس التخلي عن المنطقة، بل إعادة النظر في نهج بات مكلفًا وغير مجدٍ.

بدلًا من ذلك، ينبغي للولايات المتحدة أن تدافع عن مجموعة أضيق من المصالح الأساسية، بالاعتماد على وجود عسكري أقل، ودبلوماسية أكثر فاعلية، وبدائل أوسع، وشركاء أكثر. فلا مضاعفة الجهود ولا الانسحاب الكامل يوفران مخرجًا من الحلقة المفرغة التي وقع فيها الرؤساء الأمريكيون المتعاقبون. وقد يكون اتباع مسار وسط أكثر واقعية وانضباطًا هو الخيار الأفضل.

إخفاقات السياسة الخارجية

ينبغي الإقرار بصحة كثير من الانتقادات الموجهة إلى السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة. فقد كلفت الحربان في أفغانستان والعراق ما لا يقل عن تريليوني دولار لكل منهما، فضلًا عن مقتل آلاف العسكريين الأمريكيين ومئات الآلاف من المدنيين المحليين. وألحقت الحربان ضررًا كبيرًا بصورة الولايات المتحدة عالميًا، وخلّفتا جيلًا من الأمريكيين يشكك في قدرة بلادهم على أن تكون قوة للخير في العالم. كما أن ربع قرن من عمليات مكافحة الإرهاب أسهم في الحد من التهديد الإرهابي العالمي، لكنه لم يجعل المنطقة أكثر حرية، بل زاد عدم الاستقرار في مناطق عديدة منها.

وأضافت الحرب مع إيران تداعيات جديدة كشفت عن مخاطر الغطرسة العسكرية الأمريكية، من بينها عشرات المليارات من الدولارات في النفقات العسكرية المباشرة، وآلاف القتلى والجرحى، وتحويل موارد عسكرية من مناطق حيوية أخرى، واستنزاف مخزونات الذخائر النادرة، وتوتر التحالفات، واستفادة روسيا على نحو غير متوقع من ارتفاع أسعار النفط، وتعزيز تشدد النظام الإيراني، وحدوث أكبر اضطراب في إمدادات النفط في تاريخ السوق العالمية.

كذلك، فإن منتقدي السياسة الأمريكية محقون في القول إن الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، الذي عُدّ طويلًا ضروريًا لردع الحروب وضمان تدفق الطاقة، تحول في جوانب عدة إلى عبء. فشبكة القواعد الكبيرة التي أنشأتها واشنطن بعد حرب الخليج عام 1991 أصبحت عرضة للطائرات المسيّرة الإيرانية والصواريخ الباليستية، ما يوفر لطهران أهدافًا عسكرية وأوراق ضغط بدلًا من ردعها عن شن هجمات.

كما أن وجود القوات الأمريكية المتقدمة يغري القادة في واشنطن باللجوء إلى الحلول العسكرية، في حين تخلق الحاجة إلى حماية تلك القوات حلقة مفرغة تصبح فيها التهديدات التي تواجهها أحد المبررات الرئيسية للإبقاء عليها في المنطقة. ويصيب المنتقدون أيضًا في الإشارة إلى أن الدعم الأمريكي للشركاء الإقليميين أتاح لهم في كثير من الأحيان التعامل معه باعتباره أمرًا مضمونًا، بل وإساءة استغلاله.

فعلى سبيل المثال، أسهم الدعم الأمريكي شبه غير المشروط لإسرائيل في خلق ما يُعرف بـ«الخطر الأخلاقي»، أي توفير ضمانة ضمنية تشجع إسرائيل على المجازفة، وتجر الولايات المتحدة إلى صراعات لم تخترها ولا تستطيع التحكم في مساراتها. كذلك، أدى اعتماد واشنطن على الشركاء الخليجيين في الحفاظ على وجودها الأمني إلى تقييد انتقاداتها للقمع، والتدخلات المزعزعة للاستقرار في دول مثل ليبيا والسودان واليمن.

نتيجة لذلك، يتجه الرأي العام والسياسة الداخلية في الولايات المتحدة نحو مزيد من ضبط النفس، إن لم يكن الانسحاب الكامل. إذ تُظهر استطلاعات الرأي أن أغلبية كبيرة من الأمريكيين لا ترى أن الحرب مع إيران تستحق خوضها. كما يزداد الناخبون في الحزبين الجمهوري والديمقراطي، ولا سيما الشباب، تشككًا في الشراكة الأمنية الأمريكية مع إسرائيل وفي «الحروب الأبدية» التي لا يبدو أنها تجعل الولايات المتحدة أكثر أمنًا أو تعالج القضايا التي تحظى بأولويتهم. ومن غير المرجح أن تصمد أي استراتيجية تتجاهل هذا التشكك أمام الانتخابات المقبلة، أو أن تحظى بالتمويل من الكونغرس الذي ستُفرزه تلك الانتخابات.

المصالح الأمريكية لا تزال قائمة

إن الاعتراف بإخفاق السياسة الأمريكية لا يعني بالضرورة اختفاء المصالح الأمريكية من الشرق الأوسط. فقد تراجعت بالفعل أهمية بعض الدوافع الرئيسية للانخراط الأمريكي السابق في المنطقة، مثل المنافسة مع الاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة، واعتماد الولايات المتحدة الكبير على النفط المستورد، والتهديدات التي شكلها تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية في ذروة قوتهما، وحاجة إسرائيل، التي كانت أضعف عسكريًا، إلى الحماية من الجيوش العربية المعادية. لكن المصالح الأمريكية المتبقية لا تزال حقيقية، وقد أوضحت الحرب مع إيران ذلك بجلاء.

لنأخذ أهمية استمرار إمدادات الطاقة مثالًا. فقد أصبحت الولايات المتحدة مصدرًا صافيًا للنفط والغاز، ولم تعد تستورد سوى كميات محدودة من النفط الخام من الخليج، ما دفع كثيرين إلى الاعتقاد بأن طاقة المنطقة لم تعد تهم الأمريكيين كثيرًا. لكن مفهوم «استقلال الطاقة» الأمريكي مبالغ فيه إلى حد كبير. فالنفط سلعة متداولة عالميًا، ويخضع لسعر عالمي موحد إلى حد بعيد. وكما أظهرت الحرب مع إيران، فإن انقطاع الإمدادات في أي مكان يرفع أسعار الوقود على الأمريكيين، فيما يؤثر تباطؤ النمو في آسيا وأوروبا سلبًا على الاقتصاد الأمريكي أيضًا.

كذلك، لا يتخلى العالم عن الوقود الأحفوري بالسرعة التي كان يأملها كثيرون. فعلى الرغم من التوسع الفعلي في مصادر الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الكهرومائية، بلغ الاستهلاك العالمي للنفط والفحم مؤخرًا مستويات قياسية. ولا تزال أنواع الوقود الأحفوري توفر نحو 80 في المئة من الطاقة العالمية، مقارنة بنحو 85 في المئة في أوائل التسعينيات. كما يسهم الانتشار المتزايد لمراكز البيانات كثيفة الاستهلاك للطاقة في رفع الطلب.

وقد شكلت الحرب مع إيران تذكيرًا قاسيًا بهذه الحقائق. إذ ردت إيران على الضربات الأمريكية والإسرائيلية بمهاجمة البنية التحتية للطاقة في المنطقة وتعطيل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا في العالم، وما يقارب خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال، فضلًا عن الأسمدة والمنتجات النفطية المكررة وغيرها من السلع الحيوية.

وارتفعت أسعار النفط، ما أدى إلى زيادة أسعار البنزين في الولايات المتحدة بأكثر من 40 في المئة، والديزل بأكثر من 70 في المئة، وأسهم في تصاعد التضخم وارتفاع أسعار الفائدة. وحتى الآن، حالت ثلاثة عوامل دون تفاقم الأضرار: انخفاض واردات الصين من النفط بدرجة فاقت التوقعات، بفضل مخزوناتها وتوسعها في استخدام مصادر الطاقة المتجددة؛ والإفراج عن كميات من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية؛ واستخدام خطوط الأنابيب السعودية والإماراتية التي تتيح نقل النفط بعيدًا عن مضيق هرمز.

وعند التفكير في ما إذا كانت الولايات المتحدة لا تزال بحاجة إلى الاهتمام بتدفق النفط من الشرق الأوسط، يجدر التذكير بأن انخفاض الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي بنسبة واحد في المئة سنويًا بسبب صدمة في إمدادات النفط قد يكلف البلاد أكثر من 300 مليار دولار من الإنتاج المفقود. أما انخفاض الناتج العالمي بنسبة مماثلة، فقد يكلف الاقتصاد العالمي أكثر من تريليون دولار. وهذه تداعيات لا يمكن لأي أمريكي تجاهلها.

الطاقة والإرهاب والردع

يمثل منع انتشار الأسلحة النووية مصلحة أمريكية دائمة أخرى. ويرى بعض الباحثين أن امتلاك إيران سلاحًا نوويًا قد يجعل ردعها ممكنًا، بل إن انتشار الأسلحة النووية قد يسهم في استقرار المنطقة، كما حدث خلال الحرب الباردة.

في المقابل، يرى آخرون أن إيران قد تتخلى عن الخيار النووي إذا تراجع خطر التدخل العسكري الأمريكي أو اختفى، وبالتالي لا داعي للقلق من امتلاكها القنبلة. والاحتمالان واردان، لكن من غير المرجح أن يغامر أي رئيس أمريكي بالمراهنة على أحدهما، ولسبب وجيه. فإذا امتلكت إيران أسلحة نووية، فقد تشعر بقدرة أكبر على مواصلة دعم الجماعات المسلحة الحليفة لها، وتوسيع تدخلها في شؤون جيرانها، وتصعيد صراعها مع إسرائيل، اعتمادًا على أن ترسانتها النووية ستردع أي محاولة للإطاحة بالنظام ردًا على ذلك.

وإذا حصلت إيران على القنبلة، فمن المرجح أن تسعى دول إقليمية أخرى إلى امتلاكها. فقد صرّح ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بأن بلاده ستضطر إلى امتلاك سلاح نووي إذا حصلت إيران عليه. ويأتي ذلك في ظل اتفاقية دفاع مشترك وقعتها السعودية مع باكستان النووية عام 2025، واتفاقات وتفاهمات دفاعية مع تركيا وباكستان في عام 2026. كما قال وزير الخارجية التركي في وقت سابق من العام نفسه إن بلاده ستدرس اتخاذ خطوة مماثلة.

إن وجود عدة قوى نووية متنافسة في الشرق الأوسط سيجعل المنطقة أكثر خطورة بكثير مما هي عليه اليوم، ويرفع احتمالات وقوع حادث نووي أو استخدام الأسلحة النووية. وقد يفترض أنصار الانسحاب الأمريكي أن واشنطن تستطيع التعايش مع امتلاك إيران القنبلة، كما تتعايش مع الترسانتين النوويتين الباكستانية والكورية الشمالية. وربما تستطيع ذلك، لكن معظم الأمريكيين يفضلون على الأرجح ألا يضطروا إلى اختبار هذا الاحتمال.

كذلك، تراجع خطر الإرهاب لكنه لم يختفِ. فقد أدت عقود من العمل الاستخباراتي والضغط العسكري إلى القضاء على قيادات في تنظيم القاعدة وإنهاء سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على أراضٍ واسعة. ولم تنفذ أي جماعة إرهابية أجنبية هجومًا واسع النطاق من حيث عدد الضحايا على الأراضي الأمريكية منذ هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001. وهذا يعني أن بإمكان واشنطن، بل ينبغي لها، تخصيص موارد أقل بكثير لمكافحة الإرهاب مقارنة بما أنفقته خلال «الحرب العالمية على الإرهاب».

ومع ذلك، لا يزال تنظيم الدولة الإسلامية وفروعه قادرين على تنفيذ هجمات دامية، كما أظهرت هجماته قرب موسكو وفي مدينة كرمان الإيرانية عام 2024. ويواصل التنظيم أيضًا إلهام منفذين لهجمات، من بينهم الشخص الذي دهس حشودًا بشاحنة في شارع بوربون بمدينة نيو أورلينز في يناير/كانون الثاني 2025، والمنفذون الذين قتلوا 15 شخصًا في شاطئ بوندي بأستراليا في وقت لاحق من العام نفسه.

كما فرّ مئات من أعضاء التنظيم أو أُطلق سراحهم من السجون السورية وسط الفوضى التي رافقت المرحلة الانتقالية عقب سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024. لذلك، ستظل هناك حاجة إلى مهمة محدودة لمكافحة الإرهاب، وإلى استمرار التعاون في هذا المجال مع الشركاء الإقليميين.

وأخيرًا، للولايات المتحدة مصالح إيجابية في المنطقة، لا تقتصر على تجنب التهديدات. إذ تمتلك دول مجلس التعاون الخليجي صناديق ثروة سيادية تتجاوز قيمتها خمسة تريليونات دولار، وتحتفظ بأصول أمريكية تصل قيمتها إلى تريليوني دولار، بما في ذلك سندات الخزانة التي تساعد على إبقاء تكاليف الاقتراض الأمريكي منخفضة.

وتنفق دول المجلس، التي يتجاوز ناتجها المحلي الإجمالي المشترك تريليوني دولار، مئات المليارات من الدولارات أيضًا على مراكز البيانات التي تُنشأ بالتعاون مع شركات أمريكية، ما يعزز اندماجها في منظومة التكنولوجيا الأمريكية بدلًا من نظيرتها الصينية. ومع توسعها في برامج الطاقة النووية المدنية ومشروعات البنية التحتية الأخرى، يُرجح أن تتعاون مع الشركات الأمريكية، وهو ما ينبغي للأمريكيين أن يأملوا في استمراره.

ولا تكفي هذه الروابط الاقتصادية وحدها لتبرير وجود عسكري أمريكي كبير أو شراكات أمنية واستخباراتية واسعة النطاق، لكنها تزيد كلفة عدم الاستقرار الإقليمي والتحول الجيوسياسي نحو بكين، وهما نتيجتان قد يسهم الانسحاب الأمريكي في تسريعهما.

مخاطر الانسحاب من الشرق الأوسط

تستند حجة الانسحاب من الشرق الأوسط إلى سلسلة من الافتراضات المتفائلة. فوفقًا لهذا التصور، ستتمكن المنطقة من تحقيق توازنها الخاص في غياب الولايات المتحدة، وستجد دول الخليج سبلًا للتعايش مع إيران بدلًا من الانخراط في منافسة أو صراع عنيف معها، كما ستتخلى طهران عن الأسلحة النووية بعد زوال التهديد الذي تشكله واشنطن.

ويفترض هذا التصور أيضًا أن إسرائيل ستصبح أكثر حذرًا إذا فقدت الدعم الأمريكي، من دون أن تصبح ضعيفة إلى حد يعرضها للهجوم، وأن الدول الإقليمية ستحرص على استمرار تدفق النفط، وألا تظهر ملاذات جديدة للجماعات الإرهابية، وألا تستغل أي قوة خارجية الفراغ الناجم عن الانسحاب الأمريكي.

قد يصح بعض هذه الافتراضات، لكنها مجتمعة تشكل مقامرة تقوم على الأمل أكثر مما تستند إلى التجربة. فهي تفترض أن مستقبل الشرق الأوسط سيكون أكثر استقرارًا من ماضيه، وأن الاضطرابات والصراعات فيه لن تنعكس على الولايات المتحدة.

ولنفكر في كيفية استجابة الدول الأكثر تأثرًا بالانسحاب الأمريكي. فمن غير المرجح أن تتكيف دول الخليج العربية، التي لن تعود قادرة على الاعتماد على الحماية الأمريكية، مع طهران ببساطة. والأرجح أن تتخذ موقفًا احترازيًا عبر تعميق علاقاتها الدفاعية مع باكستان وتركيا والصين، فيما قد تقترب السعودية من السعي إلى امتلاك سلاح نووي خاص بها. وقد تشعر إسرائيل بمزيد من الانكشاف، ما يدفعها إلى شن ضربات استباقية، بينما قد تجد إيران والجماعات المسلحة المتحالفة معها حافزًا أكبر للرد إذا غابت الولايات المتحدة عن أي مواجهة.

وقد تستنتج إيران أيضًا أن الطريق إلى امتلاك القنبلة النووية أصبح مفتوحًا أخيرًا، بعد عقود استثمرت خلالها الأموال والجهود والرمزية الوطنية في برنامج تخصيب اليورانيوم. وحتى لو لم تعد للولايات المتحدة قواعد عسكرية أو قوات متمركزة في المنطقة، فلن يكون بوسع الأمريكيين تجنب تداعيات سباقات التسلح والتنافس الأمني والصراعات المحتملة التي قد تنجم عن ذلك.

كذلك، فإن فكرة أن الانسحاب الأمريكي سيمنح واشنطن نفوذًا أكبر في قضايا مثل حقوق الإنسان تنطوي على حدود واضحة. فوقف العلاقات الأمنية ومبيعات الأسلحة والتعاون الاستخباراتي مع دول الشرق الأوسط قد يتيح للولايات المتحدة انتقادها علنًا بصورة أكبر، لكنه قد يضعف نفوذها أيضًا، إذ قد تشعر الدول التي كانت شريكة لها بأنها لم تعد تملك ما تخسره. وقد تشعر واشنطن بالارتياح لإبعاد نفسها عن المنطقة، من دون أن تكون قادرة على التأثير في العواقب المترتبة على ذلك.

وتشير التجارب التاريخية أيضًا إلى أن الانسحاب قد يؤدي إلى نتائج غير مقصودة. فعندما سحبت الولايات المتحدة قواتها من العراق عام 2011، لم يؤد ذلك إلى الاستقرار، بل تلاه صعود تنظيم الدولة الإسلامية، الذي سيطر على مناطق في العراق وسوريا تعادل مساحتها تقريبًا مساحة بريطانيا العظمى، وقتل أمريكيين وآخرين، ودبّر هجمات خارج المنطقة. واضطرت واشنطن نتيجة لذلك إلى العودة وخوض حملة جوية وبرية استمرت سنوات.

إذا قررت إدارة أمريكية مستقبلية تفكيك الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، وإنهاء الشراكات الأمنية والاستخباراتية طويلة الأمد، واستبعاد سيناريوهات الشرق الأوسط من خطط الطوارئ في وزارة الدفاع، فلن يؤدي ذلك بالضرورة إلى إلغاء الحاجة إلى التدخل الأمريكي عند اندلاع الأزمة المقبلة. لكنه سيحد من الخيارات المتاحة أمام واشنطن عندما يحين ذلك الوقت.

انخراط أكثر ذكاءً

لا يعني رفض الانسحاب من الشرق الأوسط التمسك بالأساليب الفاشلة التي اتبعتها الولايات المتحدة في الماضي. فبعض مؤيدي الحرب مع إيران يرون أن المطلوب الآن هو التحلي بالعزيمة لإنهاء المهمة، وفق ما قاله السيناتور الجمهوري عن ولاية أركنساس توم كوتون في يوليو/تموز. ويدعو هذا التوجه إلى إعادة فتح مضيق هرمز بالقوة، ومواصلة ضرب إيران حتى تستسلم أو يسقط نظامها، والإبقاء على القواعد الأمريكية في المنطقة، ضمن ميزانية دفاعية تبلغ 1.5 تريليون دولار، وهو المبلغ الذي طلبته إدارة ترامب.

ومن شأن هذا النهج أن يكرر الخطأ الجوهري الكامن وراء إخفاقات أمريكية سابقة عديدة، وهو الاعتقاد بأن القوة العسكرية قادرة على حل مشكلات المنطقة بصورة دائمة إذا أظهرت واشنطن التزامًا كافيًا. كما أن هذا التوجه لا يحظى بدعم يُذكر لدى الرأي العام أو في الكونغرس. والمطلوب بدلًا من ذلك هو نهج يحمي مجموعة أقل طموحًا، لكنها أكثر واقعية، من المصالح الأمريكية، وبتكلفة يستطيع الأمريكيون تحملها.

وتبدأ هذه المقاربة بالتخلي عن وهم تغيير المنطقة بالقوة. فهناك فرق بين استخدام القوة العسكرية لردع العدوان، وهو ما نجحت الولايات المتحدة في تحقيقه إلى حد كبير لعقود، وبين استخدامها لتحقيق أهداف غير واقعية، مثل تغيير الأنظمة، كما حاولت واشنطن في العراق عام 2003 ومرة أخرى في إيران هذا العام. وإذا لم يكن هذا الدرس واضحًا في السابق، فينبغي أن يكون واضحًا الآن.

ثانيًا، ينبغي للولايات المتحدة إعادة هيكلة وجودها العسكري في المنطقة، الذي يضم حاليًا أكثر من 50 ألف جندي موزعين على أكثر من عشر قواعد عسكرية كبيرة، وهو حجم يفوق بكثير وجودها العسكري فيها قبل حرب الخليج عام 1991. فقد أظهرت الحرب مع إيران أن هذه القواعد معرضة بشدة لهجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ، إلى درجة أنها تمنح طهران، في بعض الحالات، نفوذًا أكبر مما تمنحه لواشنطن. وقد تعرضت قواعد عدة لأضرار جسيمة في الأسابيع الأولى من الحرب، ما يجعل إنفاق مليارات الدولارات لإعادة بنائها بالشكل السابق خيارًا غير منطقي.

لكن بإمكان الولايات المتحدة إعادة تنظيم وجودها العسكري من دون التخلي عن قدرتها على التحرك. فعلى سبيل المثال، يمكن لواشنطن استبدال المنشآت الكبيرة والمعرضة للهجوم بشبكة من المواقع الأصغر حجمًا، والأكثر تشتتًا وقدرة على الدفاع عن نفسها، والبعيدة عن مصادر التهديد الأكثر احتمالًا. ويمكنها تجهيز هذه المواقع بملاجئ تحت الأرض للأفراد، ومرافق محمية لتخزين الوقود والذخائر، وأنظمة متعددة الطبقات للدفاع الجوي والصاروخي، إلى جانب إعداد المعدات اللازمة لتعزيزها بسرعة. ومن شأن ذلك تقليل الأهداف المركزة التي يمكن لإيران أو غيرها من الخصوم استهدافها، مع الحفاظ على القدرة على تنفيذ العمليات عند الحاجة.

كما يمكن لواشنطن دراسة نقل بعض وظائف القيادة والتنسيق إلى داخل الولايات المتحدة أو إلى مواقع آمنة خارج المنطقة، بما في ذلك أوروبا وجزيرة دييغو غارسيا، وتطوير قدرتها على تنفيذ العمليات البحرية انطلاقًا من البحر. ويمكنها أيضًا الاعتماد على اتفاقات تتيح لها استخدام قواعد في الأردن ودول الخليج، لتكملة المنشآت التي تحتفظ بها في المنطقة عند الضرورة.

لقد جعل التطور التكنولوجي المنشآت العسكرية الكبيرة أكثر عرضة للهجمات، لكنه أتاح للولايات المتحدة أيضًا نقل وظائف القيادة من البحرين أو قطر إلى ولاية كارولاينا الجنوبية، وتنفيذ ضربات جوية ضد إيران باستخدام قاذفات استراتيجية تنطلق من ولاية ميزوري، وإدارة حصار بحري بالاعتماد بدرجة كبيرة على حاملات الطائرات والسفن الأخرى في البحر.

مسار للخروج من الحلقة المفرغة

لحماية مصالحها في الشرق الأوسط من دون الانجرار إلى الحرب، ينبغي للولايات المتحدة أيضًا العودة إلى الدبلوماسية بوصفها أداة رئيسية لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي. ولن يكون ذلك سهلًا، نظرًا إلى شكوك طهران في استعداد واشنطن للالتزام بأي اتفاق جديد، بعدما انسحب ترامب من الاتفاق النووي لعام 2015، ثم شن هجومين على إيران بينما كانت المفاوضات جارية.

لكن بعد انتهاء الحرب، قد يجد النظام الإيراني، الذي سيكون أضعف وأكثر عزلة ويسعى إلى إعادة بناء اقتصاده وتجنب حروب متكررة واحتواء الاضطرابات الداخلية، نفسه مضطرًا إلى البحث عن صيغة للتعايش مع جيرانه والقوى الغربية. وسيتطلب ذلك فرض قيود قابلة للتحقق على برنامجه النووي.

وعلى من يقولون إن الدبلوماسية المدعومة بالضغط، من خلال العقوبات والحوافز وتحالف واسع وتهديد موثوق باستخدام القوة، لم تعد خيارًا مجديًا، أن يأخذوا البدائل في الحسبان: إما قصف إيران كل بضع سنوات، وإما القبول بامتلاكها سلاحًا نوويًا. فعلى الرغم من أوجه القصور في الاتفاق النووي لعام 2015، كان أكثر فاعلية في تقييد البرنامج النووي الإيراني ومراقبته من الحرب الحالية، التي تركت إيران بحوافز أكبر للسعي إلى امتلاك أسلحة نووية، وبكمية من اليورانيوم المخصب تكفي لصنع عشرة أسلحة من هذا النوع، فضلًا عن تراكم المعرفة النووية وغياب المفتشين على الأرض.

ومن غير المرجح التوصل إلى اتفاق مماثل في المستقبل القريب، ما يجعل الحفاظ على الردع أمرًا ضروريًا. لكن الردع ينبغي أن يكون جزءًا من أي تسوية طويلة الأمد، لا بديلًا عن الحل الدبلوماسي.

ولتقليل مخاطر الصراع مستقبلًا، ينبغي لواشنطن أيضًا العمل مع شركائها على الحد من تعرض إمدادات الطاقة العالمية للاضطرابات في مضيق هرمز. فالولايات المتحدة تمرر حاليًا كميات كبيرة من النفط الخام عبر المضيق، وإن كانت لا تعتمد عليه بالقدر نفسه في نقل المنتجات النفطية المكررة. ويتطلب ضمان استمرار الملاحة توفير حماية عسكرية مكلفة لناقلات النفط التي تعبر بالقرب من المواقع الإيرانية، فيما تتوقف بعض السفن عن بث إشارات التعريف الخاصة بها. كما يواجه المصدرون تكاليف شحن وتأمين مرتفعة للغاية، فضلًا عن خطر التعرض للهجمات.

وهذا الوضع غير قابل للاستمرار، وقد بدأت بالفعل محاولات لتجاوز المضيق. فقد أعادت السعودية والإمارات توجيه نحو خمسة ملايين برميل يوميًا بعيدًا عنه، وتخططان لزيادة قدرة خطوط الأنابيب بما لا يقل عن أربعة ملايين برميل إضافية. كما تستكشف شركات الطاقة الأمريكية وغيرها خيارات أخرى، من بينها إنشاء خط أنابيب يربط العراق بالساحل السوري على البحر المتوسط. وسيكون إنشاء هذه الأنابيب وحمايتها مكلفًا، لكنه أقل تكلفة بكثير من محاولة إبقاء المضيق مفتوحًا بالقوة أو مواجهة نقص متكرر في الإمدادات وارتفاع حاد في الأسعار.

وفي الوقت نفسه، ينبغي للولايات المتحدة بذل جهود أكبر لتقليل اعتماد اقتصادها على النفط، وهو تحول لن يكون مرجحًا في ظل رئاسة ترامب، كما ينبغي لها الاستفادة من تجارب الدول الأخرى. فمنذ اندلاع الحرب، سارعت دول عدة إلى تنفيذ مشروعات للطاقة المتجددة، فيما خفضت الصين وارداتها النفطية بشدة وزادت اعتمادها على الطاقة المتجددة، بما في ذلك عبر التوسع الكبير في استخدام المركبات الكهربائية. وإذا لم يكن تغير المناخ وحده كافيًا لبناء دعم سياسي لهذا التحول الضروري، فينبغي أن تكون الحرب مع إيران دافعًا إضافيًا إليه.

وحتى مع استمرار انخراطها في الشرق الأوسط والتزامها بأمنه، ينبغي لواشنطن إنهاء دعمها غير المشروط لإسرائيل. فثقة الحكومة الإسرائيلية بأن الولايات المتحدة ستساندها مهما فعلت، بما في ذلك شن حرب على إيران، واغتيال خصومها في عواصم أجنبية، والتسبب في خسائر بشرية واسعة وظروف كارثية في غزة، تعرض واشنطن لخطر الانجرار إلى حروب لا ترغب في خوضها.

وينبغي للولايات المتحدة، في الحد الأدنى، تطبيق قوانينها الحالية التي تربط المساعدات العسكرية ومبيعات الأسلحة باحترام حقوق الإنسان وضمان وصول المساعدات الإنسانية. وبموجب هذه القوانين، يمكن لواشنطن بيع الأسلحة التي تحتاج إليها إسرائيل لردع العدوان والدفاع عن نفسها إذا تعرضت لهجوم، مع تجنب التواطؤ في النزاعات أو دعم سلوك تعارضه الولايات المتحدة. وينطبق المنطق نفسه على الشركاء الخليجيين الذين أسهموا في تأجيج النزاعات في إفريقيا واليمن. وتكون الشروط أكثر فاعلية عندما تحافظ الولايات المتحدة على مستوى من الانخراط يجعل شركاءها حريصين على عدم خسارتها.

وأخيرًا، ينبغي للولايات المتحدة تعزيز التعاون مع حلفائها حول العالم، بدلًا من إبعادهم عنها بالتصرف بصورة أحادية. فمن المفهوم أن الحلفاء الأوروبيين والآسيويين رفضوا الانضمام إلى حرب ضد إيران رأوا أنها غير حكيمة، ولم تُستشر حكوماتهم بشأنها. ويختلف ذلك بوضوح عن مشاركتهم في تحالف حرب الخليج عام 1991، والحملة ضد تنظيم الدولة الإسلامية بعد عام 2014، والتحالف البحري ضد الحوثيين في البحر الأحمر خلال عامي 2023 و2024، والجهود الدبلوماسية التي أفضت إلى الاتفاق النووي لعام 2015.

وتتقاسم هذه الدول مع الولايات المتحدة مصالح أساسية، تشمل أمن الطاقة ومنع الانتشار النووي ومكافحة الإرهاب، ويمكنها المساهمة عبر الاستثمار والعقوبات والدبلوماسية ومبيعات الأسلحة والقوات العسكرية، إذا تعاملت معها واشنطن بوصفها شريكًا لا مجرد متفرج. وإضافة إلى ذلك، إذا أرادت الولايات المتحدة تقليل اعتمادها على القواعد الدائمة في الشرق الأوسط، فستحتاج على الأرجح إلى الاعتماد بدرجة أكبر على قواعدها في أوروبا. ولن يكون ذلك سهلًا إذا واصلت واشنطن ممارسة الضغوط على حلفائها الأوروبيين وتهديدهم بإعادة النظر في عضويتها في حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وقد يتساءل المشككون في هذا النهج عن سبب الاعتقاد بأنه سينجح، في حين أخفقت محاولات رؤساء سابقين عدة لإعادة توجيه السياسة الأمريكية بعيدًا عن الشرق الأوسط. وهذا سؤال مشروع، فلا توجد ضمانات للنجاح. فقد يعجز هذا المسار الوسطي عن تجنيب الولايات المتحدة تكاليف الانخراط ومخاطره، من دون أن ينجح في الوقت نفسه في تجنب عواقب ضبط النفس، وهو أسوأ الاحتمالات.

لكن ثمة أسبابًا تدعو إلى الاعتقاد بإمكان نجاحه. فقد كشفت الحرب مع إيران، بصورة مؤلمة، حدود القوة العسكرية، وهشاشة نموذج القواعد الأمريكية التقليدي، وتكلفة الاعتماد المفرط على مضيق هرمز، وعواقب الانحياز غير المشروط إلى إسرائيل. وتوفر هذه التطورات مجتمعة فرصة للبدء باتباع نهج مختلف. كما أن تراجع استعداد الرأي العام الأمريكي لتحمل حرب أخرى مفتوحة في الشرق الأوسط قد يدفع الرؤساء المقبلين إلى التفكير مليًا قبل الانجرار مجددًا إلى صراعات تغريهم فيها القوة العسكرية بالسعي إلى تحقيق أهداف غير واقعية. وستتيح انتخابات عام 2028 فرصة مهمة لمناقشة المسار الأنسب للمضي قدمًا.

ومن حق الأمريكيين الشعور بالإحباط إزاء نتائج سياسة بلادهم في الشرق الأوسط. فقد أخفقت عقود من الجهود وإنفاق تريليونات الدولارات في تحقيق الاستقرار أو الديمقراطية أو السلام في المنطقة. كما تسببت الحرب الأخيرة في أزمة بمضيق هرمز لم تكن قائمة قبل اندلاعها، وزادت خطر انتشار الأسلحة النووية الذي كان من المفترض أن تسهم في الحد منه.

لكن الانسحاب الكامل، رغم ما ينطوي عليه من جاذبية، سيكون مقامرة لا ضرورة لها. وينبغي أن يكون هدف الولايات المتحدة ليس التخلي عن الشرق الأوسط، بل حماية مصالحها فيه من خلال نهج أكثر ذكاءً وواقعية.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة × 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى