مقال للرئيس التركي السابق عبد الله غول: لحظة الفرصة المتاحة أمام إيران

لا ينبغي لإيران أن تخلط بين المكاسب قصيرة الأجل والانتصارات طويلة الأمد

اقرأ في هذا المقال
  • العدوان الأحادي على إيران افتقر إلى الشرعية الدولية، وأدى إلى زعزعة استقرار الشرق الأوسط بأسره
  • بعدما كان خصوم واشنطن من القوى العظمى الأخرى، مثل الصين وروسيا، انضمت إيران الآن إلى هذه الصورة
  • لم تعد الولايات المتحدة تُنظر إليها باعتبارها شريكا أمنيا يمكن الاعتماد عليه
  • قد تدفع نشوة تحدي خصوم أقوى منها قادة إيران إلى تبني نهج متشدد إلى أقصى الحدود في طرح مطالبهم، لكن ذلك سيكون ذا نتائج عكسية
  • ينبغي أن تكون الأولوية القصوى لتخفيف العقوبات وتحسين الظروف المعيشية للإيرانيين
  • على طهران أن تدرك أن اعتمادها على حلفائها من القوى والجهات الفاعلة الإقليمية لم يحقق لها نتائج إيجابية، بل دفع الدول العربية نحو خصوم إيران
  • مواصلة الأعمال العدائية ضد إيران لن تؤدي إلا إلى تعريض المكاسب الاستراتيجية الإيرانية للخطر
  • يتمثل التحدي أمام جميع الأطراف في التوفيق بين مخاوف النظام الإيراني وحق الإيرانيين في العيش بأمان وازدهار وسلام

ميدل ايست نيوز: في 28 فبراير، صدمت الولايات المتحدة وإسرائيل العالم بشن ضربات في أنحاء إيران واغتيال المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي. وسرعان ما ارتفعت حصيلة الضحايا المدنيين، ومن بينهم 150 مدنيا، معظمهم من الأطفال، قُتلوا عندما أصابت صواريخ أميركية مدرسة ابتدائية. وردت إيران باستهداف إسرائيل والقواعد الأميركية في أنحاء المنطقة، والحد من حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز.

وكتب الرئيس التركي السابق عبد الله غول في مقال بمجلة “Project Syndicate” أن العدوان الأحادي على إيران افتقر إلى الشرعية الدولية، وأدى إلى زعزعة استقرار الشرق الأوسط بأسره. وتعرضت الدول العربية لهجمات إيرانية ردّية بسبب استضافتها قواعد أميركية، فيما تكبدت دول العالم تكاليف اقتصادية باهظة نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة. كما لحقت بدول الخليج أضرار على مستوى سمعتها، ولا سيما فيما يتعلق بالسلامة والأمن.

ثم نشرت صحيفة «نيويورك تايمز»، في 7 أبريل، تقريرا مفصلا عن كيفية إقناع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الرئيس الأميركي دونالد ترامب بمهاجمة إيران، وهو قرار يستدعي الآن التوقف عنده من زاويتين.

أولا، يكشف هذا القرار مدى سهولة جرّ الولايات المتحدة إلى حرب. فمن المفترض أن تمتلك قوة عظمى نووية آليات لاتخاذ القرار تتسم بمتانة استثنائية، عندما يتعلق الأمر بقضايا الحرب والسلام.

ثانيا، يبدو أن الانتصار الأميركي في فنزويلا ولّد ثقة مفرطة بالنفس قادت إلى المواجهة مع إيران. فقد اعتقدت إدارة ترامب أنها لا تُقهر عند استخدام القوة العسكرية، لكن الأمور اتضح أنها أكثر تعقيدا وصعوبة بكثير في إيران. وعندما أدرك الأميركيون أن التشابه الوحيد بين البلدين يكمن في امتلاكهما احتياطيات نفطية، كان الأوان قد فات. وقد ألحق انطباع انغماس الولايات المتحدة في صراع مع إيران ضررا بالغا بصورتها. فبعدما كان خصوم واشنطن من القوى العظمى الأخرى، مثل الصين وروسيا، انضمت إيران الآن إلى هذه الصورة.

في غضون ذلك، تكبدت دول الخليج أضرارا نتيجة التحركات الأميركية. وكانت الثقة قد تضررت بالفعل عام 2019، عندما أخفقت الولايات المتحدة في الوفاء بالتزاماتها بوصفها ضامنا أمنيا، عقب الهجمات التي استهدفت منشآت النفط السعودية. أما الآن، فقد تحولت الأصول الأميركية التي تستضيفها دول الخليج إلى مصدر تهديد بدلا من أن تكون مصدرا للأمن. ولم تعد الولايات المتحدة تُنظر إليها باعتبارها شريكا أمنيا يمكن الاعتماد عليه.

ولا شك في أن دول الخليج ستسعى إلى تنويع شراكاتها، ليس في مجال الدفاع فحسب، بل أيضا في مجالات أخرى، مثل التجارة، الأمر الذي سيؤدي إلى مزيد من التراجع في الهيمنة الأميركية على المنطقة. ومن المرجح أن تكون الصين أكبر المستفيدين من هذا التحول، ولا سيما بعد دورها في تيسير التقارب الإيراني السعودي عام 2023.

وعلى الرغم من الخسائر التي تكبدتها إيران، فقد أثبتت قدرتها على الرد ومقاومة الهجمات الأميركية والإسرائيلية. ولم تقع الاضطرابات الداخلية أو عملية تغيير النظام التي توقعها كثيرون في الغرب. بل على العكس، دافعت إيران عن نفسها، فيما توحد شعبها في مواجهة العدوان الخارجي.

ومع ذلك، يتعين على إيران أن تتصرف بحذر. فلا ينبغي لها أن تخلط بين المكاسب قصيرة الأجل والانتصارات طويلة الأمد. وقد تدفع نشوة تحدي خصوم أقوى منها قادة إيران إلى تبني نهج متشدد إلى أقصى الحدود في طرح مطالبهم، لكن ذلك سيكون ذا نتائج عكسية. وبدلا من ذلك، ينبغي للقيادة الإيرانية اغتنام اللحظة الراهنة والبناء على ما حققته.

وثمة قضيتان رئيسيتان تستحقان دراسة أعمق: النظام السياسي الداخلي في إيران وأوضاع المواطنين المعيشية، والنظام الإقليمي الأوسع الذي يتيح فرصا كبيرة للتعاون بما يحقق المصالح المتبادلة.

وحتى لو بدا أن إيران قادرة على مواصلة هذا الصراع فترة أطول بكثير، فعلى قادتها أن يأخذوا في الحسبان كلفة الاستمرار فيه. فالمسؤولية الأساسية لأي حكومة هي ضمان رفاه شعبها. وفي ظل الخسائر الفادحة التي تتكبدها الدولة والمواطنون على حد سواء، ينبغي أن تكون الأولوية القصوى لتخفيف العقوبات وتحسين الظروف المعيشية للإيرانيين. فضلا عن ذلك، فإن النفوذ الاستراتيجي الذي اكتسبته إيران على مضيق هرمز ليس دائما، إذ يجري العمل على تطوير مسارات بديلة.

كما يتعين على القادة الإيرانيين التفكير في مستقبل العلاقات مع دول الخليج. فمنذ فترة طويلة، تسعى إسرائيل إلى دفع السعودية للانضمام إلى الولايات المتحدة في مواجهة إيران، لكن المملكة أحجمت عن ذلك بحكمة. وينبغي للقادة الإيرانيين إدراك أهمية هذا الموقف. وعليهم أيضا أن يدركوا أن اعتمادهم على حلفائهم من القوى والجهات الفاعلة الإقليمية لم يحقق لهم نتائج إيجابية، بل دفع الدول العربية نحو خصوم إيران.

وفي وقت تعيد فيه دول الخليج النظر في مدى اعتمادها على الولايات المتحدة، فإن مواصلة الأعمال العدائية ضدها لن تؤدي إلا إلى تعريض المكاسب الاستراتيجية الإيرانية للخطر، ودفع الدول العربية إلى العودة إلى الترتيبات السابقة. ولكي تصل المنطقة إلى توازن جديد، يتعين على إيران والسعودية تطبيع علاقاتهما. وستشكل هذه الخطوة وحدها تقدما كبيرا، لأنها ستتيح للبلدين التوقف عن النظر إلى بعضهما بوصفهما تهديدا دائما.

وفضلا عن ذلك، فإن تطبيع العلاقات بين الدول الإسلامية في المنطقة من شأنه أن يتيح إحراز تقدم في القضية الفلسطينية. وهنا، يتعين على إيران أن تراجع سجلها في هذا المجال. فهل تستطيع أن تقول بصدق إن نهجها تجاه فلسطين أسهم في تحقيق نتائج إيجابية؟ إن الخطاب الإيراني، إن كان قد أدى إلى شيء، فقد وفر لإسرائيل ذريعة لفعل ما تشاء، مستندة إلى مساعدات عسكرية أميركية غير محدودة.

وينبغي لإيران أن تتجنب تبني مواقف متشددة إلى أقصى الحدود. إذ يمكنها تحقيق تخفيف العقوبات، وإنهاء الحصار، وإحراز تقدم نحو إعادة الاندماج في المجتمع الدولي، من دون أن تضطر إلى الاستسلام. لكن نافذة الفرصة آخذة في الانغلاق. فبعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية في نوفمبر، ستشعر إدارة ترامب بقدر أقل من الإلحاح للتوصل إلى اتفاق. بل قد تسعى إلى الانتقام بسبب الخسارة المرجحة للجمهوريين في صناديق الاقتراع.

لكن، مثلما يتعين على إيران التحرك سريعا قبل أن يتراجع موقفها التفاوضي، ينبغي للأطراف الأخرى أن تأخذ مخاوفها وتصوراتها للتهديدات في الحسبان. فعقود من العداء تجاه إيران لم تؤد إلا إلى تشديد موقفها. ويتمثل التحدي أمام جميع الأطراف في التوفيق بين مخاوف النظام الإيراني وحق الإيرانيين في العيش بأمان وازدهار وسلام.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

19 − 10 =

زر الذهاب إلى الأعلى