«تكتيك الهروب إلى الأمام».. كيف بلع الزيدي وعوده على أعتاب «صندوق النقد»؟
يضع طلب العراق برنامجاً تمويلياً من صندوق النقد الدولي موقف رئيس الوزراء علي الزيدي، أمام تناقض مع تصريحاته الأخيرة بشأن تجنب الاقتراض.

ميدل ايست نيوز: يضع طلب العراق برنامجاً تمويلياً من صندوق النقد الدولي موقف رئيس الوزراء علي الزيدي، أمام تناقض مع تصريحاته الأخيرة بشأن تجنب الاقتراض، بعدما دافع عن خفض قيمة الدينار باعتباره خياراً لتفادي إغراق البلاد بمزيد من الديون، فيما يعيد التوجه الجديد طرح تساؤلات بشأن كفاية تعديل سعر الصرف لمعالجة الأزمة المالية، وسط مخاوف من شروط قد تضيف أعباء على المواطنين واعتراضات نيابية على التوسع في الوزارات والمناصب.
من رفض الديون إلى طلب التمويل!
ويقول عضو لجنة التخطيط والبرنامج الحكومي النيابية عبد الحمزة الخفاجي إن “اللجوء إلى القروض وما يترتب عليها من فوائد يضيف أعباء على الاقتصاد العراقي، ورغم تعهد رئيس الحكومة بعدم الذهاب نحو الاقتراض، فإن الخطوات الحكومية لا تمنحنا الثقة بوجود برنامج واضح لمعالجة الأزمة”.
ويضيف، أن “الحكومة تتحدث عن أزمة مالية، لكنها تتوسع في المناصب وتستحدث ثلاث وزارات من دون قوانين، ثم تعيد الموازنة لتضمين تخصيصاتها، فيما لا يستقيم القول إن هذه الوزارات لن تكلف أموالاً، لأنها تحتاج إلى وكلاء ومديرين وأبنية وأثاث ونفقات تشغيلية، بينما يفترض أن تتجه الدولة نحو الترشيق”.
وكان الزيدي قد عرض أمام البرلمان، في 8 تشرين الأول أكتوبر الجاري، ثلاثة خيارات قال إنها كانت مطروحة أمام الحكومة، تتمثل بالادخار الإجباري، وصرف الرواتب كل 45 يوماً، والاقتراض، مشيراً إلى أن الدين العام تجاوز 208 تريليونات دينار، وأن الحكومة تحتاج إلى توفير عشرة تريليونات دينار شهرياً، ومؤكداً رغبتها في تجنب المزيد من الديون.
وجاء ذلك بعد بدء تطبيق تعديل سعر الصرف في 7 تشرين الأول أكتوبر، بواقع 1500 دينار للدولار الذي يشتريه البنك المركزي من وزارة المالية، و1510 دنانير للمصارف، و1520 ديناراً للجمهور، في إجراء عزاه المركزي إلى الظروف الاقتصادية والمالية وتوصية مجلس الوزراء.
لكن مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا أكدت في (17 تشرين الأول أكتوبر 2026)، أن السلطات العراقية طلبت برنامجاً من الصندوق، معلنة الاستعداد لتقديم التمويل والدعم في مجال السياسات، من دون تحديد قيمة القرض أو شروطه أو موعد الاتفاق عليه، وهو إعلان يثبت تقديم الطلب، ولا يعني اكتمال اتفاق التمويل أو صرف أمواله.
الدولار وفجوة السعرين
من جهته، يقول الخبير الاقتصادي علي دعدوش، إن “البرنامج التمويلي قد يرتبط بتوحيد سعر الصرف، فتقليص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي شرط شائع في برامج الصندوق، وتعديل السعر إلى 1520 ديناراً يمثل خطوة أولى، لكن وصول الدولار في السوق الموازية إلى أكثر من 168 ألف دينار لكل مئة دولار يعني بقاء فجوة تقارب 10 بالمئة”.
ويردف دعدوش، أن “عائدات النفط تُحصل بالدولار وتُسجل في الموازنة بالدينار، ولذلك يزيد رفع سعر الدولار الإيراد الاسمي للخزينة، لكنه يرفع في المقابل كلفة الاستيراد والضغوط التضخمية”، مرجحاً ارتباط التمويل بإطار أوضح لإدارة الاحتياطيات وتخصيص العملة، مع تأكيده أن ذلك يبقى افتراضاً إلى حين نشر وثائق البرنامج.
ويحذر من أن “أصحاب الدخل الثابت أول المتضررين من تراجع القوة الشرائية، وأي شروط تمس الدعم والأجور ستكون صعبة التنفيذ من دون بديل اجتماعي موجّه”، مبيناً أن التمويل قد يسد فجوة مالية، لكنه لا يعالج الاعتماد على النفط، فيما تضيف فوائد القرض وأقساطه التزامات على الموارد العامة.
ما هي شروط صندوق النقد؟
وفي العادة، تتضمن برامج الإقراض المشروطة اتفاقاً على إجراءات اقتصادية وأهداف قابلة للقياس، قد تشمل العجز والاحتياطيات والاقتراض، إلى جانب إصلاحات إدارية ومالية، وترتبط دفعات التمويل في كثير من هذه البرامج بمراجعات دورية للتنفيذ، مع اختلاف المتطلبات بحسب أداة التمويل وظروف البلد، ولا توجد حزمة واحدة تنطبق على جميع القروض.
وفي مشاوراته السابقة مع العراق عام 2025، أوصى الصندوق بضبط فاتورة الأجور والحد من التوظيف الإلزامي، وتعزيز الإيرادات غير النفطية، وتحسين جباية الكهرباء، ثم تعديل التعرفة مع حماية محدودي الدخل.
بدوره، يقول الباحث الاقتصادي نبيل العلي، إن “العراق خسر إيرادات تتجاوز ثلاثين مليار دولار منذ اندلاع الحرب أواخر شباط الماضي، وتراجعت احتياطياته بنحو 25 مليار دولار، ما انعكس على الاقتصاد والناتج المحلي، وجعل اللجوء إلى الصندوق مسألة طبيعية لمواجهة هذه الظروف”.
ويضيف العلي، أن “مساعدة الدول خلال الأزمات تدخل ضمن عمل صندوق النقد، والعراق عضو فيه ومن حقه طلب التمويل”، معتبراً أن “الاقتراض يمكن أن يسند الاحتياطيات التي تعرضت لضغوط نتيجة فقدان الإيرادات، وأن أسعار الصرف المحلية تخضع لعوامل داخلية وخارجية متعددة، ولا ترتبط تلقائياً بطلب القرض”.
وسبق إعلان جورجيفا اجتماع لوزير المالية فالح ساري مع مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في الصندوق جهاد أزعور، بحضور محافظ البنك المركزي، في 14 تشرين الأول، تناول الضغوط المالية والسياسات النقدية والمالية، وأعلنت الوزارة استعداد الصندوق لدعم العراق في مواجهة أزمته الناجمة عن التوترات الإقليمية، من دون إعلان تفاصيل تمويلية.
ويُصنف العراق ضمن الدول متوسطة الدخل، فيما تشير التقديرات الواردة إلى أن ديونه الخارجية الواجبة السداد تبلغ نحو 13 مليار دولار، بعد استبعاد ديون حقبة النظام السابق المعلقة وغير المطالب بها، مقابل نحو 54 مليار دولار تمثل إجمالي الدين الخارجي المسجل، بما يتضمنه من التزامات تاريخية.
وتتحدث تقديرات اقتصادية عن إمكانية حصول العراق على تمويل بقيمة 5.4 مليارات دولار، لكن قيمة البرنامج المرتقب لم تُعلن رسمياً، كما لم تُحدد فائدته أو آجال سداده، إذ تختلف كلفة الاقتراض من الصندوق بحسب أداة التمويل ومدته والرسوم المطبقة، ولا يمكن اعتماد نسبة 1.25 بالمئة بوصفها فائدة ثابتة للقرض المحتمل، أو الجزم بكلفة اقتراض العراق من الأسواق من دون تحديد الأداة وتاريخ إصدارها.



