الصحافة الإيرانية: هل يقود تغيير العقيدة النووية إلى مأزق دولي أشد من العقوبات؟

ينبغي أن يُناقش تغيير العقيدة النووية الإيرانية على المستوى الوطني والتاريخي، مع تجنب تحويل هذا النقاش إلى قضية حزبية.

ميدل ايست نيوز: ينبغي أن يُناقش تغيير العقيدة النووية الإيرانية على المستوى الوطني والتاريخي، مع تجنب تحويل هذا النقاش إلى قضية حزبية. كما يجب ألا يتحول البحث العلمي إلى محرّمات أو محظورات أمام الباحثين.

وكتب كيومرث اشتريان، أستاذ العلوم السياسية، في افتتاحية صحيفة شرق، إن معضلة الاستدلال تكمن في القرارات النووية في وجود حجة قوية ومقنعة مقابلة لكل حجة أخرى. وسأحاول هنا طرح الآفاق ووجهات النظر المتعارضة بشأن السلاح النووي، مع إدراكي لحجم المخاطر التي قد تترتب على إساءة استخدام مثل هذه النقاشات أو إساءة فهمها، وما يمكن أن تفتحه من أبواب أمام الأهواء وسوء الإدارة.

وقد أشرت في كتابات سابقة إلى أنه في ظل تأكيدنا على حرمة إنتاج السلاح النووي، ينبغي اليوم دراسة مدى فاعلية هذه الاستراتيجية، وما إذا كانت آثارها السياسية والعسكرية والإعلامية قد انقلبت إلى نتائج عكسية. فهل يؤدي عدم تغيير عقيدتنا النووية إلى تعريضنا لمزيد من التهديدات؟ وفي المقابل، ألا يمكن أن يُدخلنا هذا التغيير في مأزق أعمق من الجرح النووي الممتد منذ 20 عاماً؟ وهل ستعارض الصين وروسيا هذا التوجه؟ جميع هذه الأسئلة قابلة للنقاش، ولا يمكن تجاوزها ببساطة.

وقد تناولت هذا الموضوع في مقال نشرته في أغسطس/آب 2022، والنقاش المطروح اليوم هو مراجعة لذلك الطرح، نستعرض خلالها الحجج المؤيدة والمعارضة.

1. مخاوف من انتشار السلاح النووي في الشرق الأوسط

يشعر البعض بالقلق من انتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط، وتحديداً في الدول العربية. فالقنبلة النووية سلاح يفرض، قبل أي شيء آخر، مسؤولية دولية كبيرة. ويرى بعضهم أنه رغم الأبراج الشاهقة والقصور الفاخرة والمخازن المليئة بالثروات، لا تزال هذه الدول تتبنى في سياساتها نوعاً من الافتقار المتأصل إلى المسؤولية، ولا تمتلك الأهلية الدولية اللازمة لامتلاك أسلحة نووية.

وفي ظل مثل هذه الأنظمة، قد تتسرب الثروة والقوة الرسمية إلى طبقات ذات طابع داعشي، بما يؤدي إلى تأجيج أشكال جديدة من انعدام الأمن. فامتلاك إيران قنبلة نووية قد يبرر امتلاك الدول العربية قنابل مماثلة. ومن يضمن لنا ألا نشهد مستقبلاً ظهور قنبلة نووية بأيدي تنظيمات داعشية، من دون أن تتحمل الأنظمة السياسية في تلك الدول مسؤولية دولية عن ذلك؟

في المقابل، يرد أصحاب الرأي المعارض لهذا الطرح بأن الموساد ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) يمتلكان بالفعل القدرة على تنفيذ مثل هذه العمليات، وأن تغيير العقيدة النووية الإيرانية لن يُحدث أي اختلاف في هذا الشأن.

وتتمثل حجة أخرى في أن الانتقال من برنامج نووي تديره دولة إلى امتلاك سلاح نووي لدى منظمة إرهابية يتطلب توافر مراحل وشروط متعددة، من بينها الوصول إلى المواد النووية، والقدرة على حفظها والسيطرة عليها، وامتلاك الإمكانات التقنية اللازمة، وتجاوز الحواجز الأمنية. غير أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية تعتبر خطر وصول المجرمين أو الإرهابيين إلى المواد النووية تهديداً جدياً.

2. مخاطر مواجهة الصين وروسيا وتشديد العقوبات الدولية

تتمثل حجة أخرى لدى معارضي تحوّل إيران إلى دولة نووية في احتمال أن يؤدي امتلاكها السلاح النووي إلى إثارة معارضة الصين وروسيا، وتقييد وصولها إلى التكنولوجيا والاستثمارات الأجنبية بصورة أكبر، وتعقيد علاقاتها التجارية مع العديد من الدول، بل وربما دفع دول المنطقة إلى إعادة ترتيب تعاونها العسكري ضمن تحالفات جديدة.

فضلاً عن ذلك، فإن امتلاك السلاح النووي سيقابل بـ«عقاب دولي» قاسٍ، ولن تكون إيران قادرة على تحمل تكاليفه، وستجد نفسها مجدداً عالقة في الحلقة المفرغة للعقوبات، وربما في وضع أسوأ من كوريا الشمالية. وهذه حجة تستند إلى تجارب سابقة.

في المقابل، يطرح أنصار تغيير العقيدة النووية سؤالاً: ألم نتخلص حتى الآن من قيود العقوبات؟ وهل يعني تعقيد النظام القانوني والدستوري في الولايات المتحدة أننا لن نبقى عالقين في هذه العقوبات لسنوات طويلة أخرى؟

3. احتمال استخدام الولايات المتحدة وإسرائيل السلاح النووي ضد إيران

تتمثل حجة مؤيدي تغيير العقيدة النووية في أن احتمال استخدام الولايات المتحدة وإسرائيل القنبلة النووية في حربهما ضد إيران لم يعد أمراً مستبعداً أو بعيداً عن التصور.

فعندما طرحت هذا النقاش في عام 2022، كان احتمال شن هجوم نووي على إيران يبدو بعيداً للغاية، لكن هذا الموضوع بات يُطرح اليوم حتى في الولايات المتحدة وإسرائيل على المستوى الإعلامي.

وفي الولايات المتحدة أيضاً، أُثيرت مخاوف بشأن احتمال استخدام السلاح النووي ضد إيران، غير أن الرئيس الأمريكي قال في تصريحات علنية إنه لا يرى ضرورة لاستخدامه، كما استبعد هذا الخيار رداً على سؤال بشأن اللجوء إليه. ومع ذلك، فإن وصول مثل هذه القضية إلى وسائل الإعلام يعني أنها طُرحت داخل دوائر الحكم. فمجرد تداولها إعلامياً يشير إلى أنها حاضرة في منظومة صنع القرار لديهم، ليس بسبب اقتراب إيران من تصنيع قنبلة نووية، بل بسبب إخفاقهم في هزيمة إيران خلال الحربين الأخيرتين.

وبناءً على ذلك، تكتسب الحجة القائلة إن القنبلة النووية الإيرانية ستكون ذات طبيعة ردعية نووية، لا ردعية في مواجهة الحروب التقليدية، مزيداً من القوة. وبعبارة أكثر دقة، فإن الهدف من القنبلة النووية ليس منع اندلاع حرب تقليدية، بل الحيلولة دون التعرض لهجوم نووي.

فالتجربة أثبتت أن امتلاك القنبلة النووية لا يمنع اندلاع الحروب غير النووية، وتقدم روسيا وإسرائيل مثالين واضحين على ذلك. وهذا هو منطق الردع النووي: إذ يجب أن يقتنع الطرف المقابل بأن مهاجمة دولة تمتلك السلاح النووي قد تترتب عليها تكاليف باهظة للغاية.

4. هل يشكل المجتمع الدولي ضمانة لمنع هجوم نووي على إيران؟

تتمثل حجة أخرى لدى مؤيدي تغيير العقيدة النووية في التساؤل عن حجم المعارضة الدولية الجدية التي قد تواجه استخدام القنبلة النووية لإخضاع إيران: ماذا عن أوروبا؟ والدول العربية؟ والصين؟ وروسيا؟

لنفترض، لا سمح الله، أن الولايات المتحدة أو إسرائيل شنتا هجوماً نووياً على إيران. فما أقصى ما قد يحدث في اليوم التالي للهجوم؟ ربما تصدر عدة بيانات إدانة، وتُنظم بعض المظاهرات في عدد من الدول. فهل سيكون هناك ما هو أكثر من ذلك؟

ومن هذا المنطلق، فإن العامل الوحيد الذي قد يمنع توجيه هجوم نووي على إيران هو امتلاكها قدرة الردع النووي، ولذلك لا ينبغي التعويل على المجتمع الدولي في هذا الشأن.

ووفقاً لهذه الرؤية، إذا كان طمع الأعداء في تدمير إيران نووياً وتفكيكها سيجد طريقه إلى التنفيذ الفعلي، فينبغي إعادة النظر في سياسة «تجنب السلاح النووي».

إن استخدام الولايات المتحدة القنابل النووية في هيروشيما وناغازاكي لم يكن له دور عسكري في حسم الحرب، لأن اليابان كانت في طريقها إلى الاستسلام. لكن الأهمية الوظيفية للقنبلة النووية الأمريكية تمثلت، على وجه الخصوص، في ترسيخ قوتها العالمية وتثبيت نفوذها في مختلف أنحاء العالم خلال القرن العشرين.

وللقنبلة النووية وظيفتان متداخلتان: فهي أداة للحفاظ على الوضع القائم، وأداة للهيمنة في الوقت نفسه؛ أي إنها تُستخدم لحماية توازن القوى وترسيخ السيطرة على العالم.

في المقابل، يمكن القول إن التأثير الفعلي للقصف على قرار اليابان من جهة، والدوافع العسكرية والسياسية للحكومة الأمريكية، أو التداعيات طويلة الأمد لاستخدام السلاح النووي على النظام الدولي، من جهة أخرى، هي قضايا مترابطة، لكنها ليست متطابقة.

5. امتلاك السلاح النووي يتطلب دبلوماسية نووية

تكشف الحجج المتعارضة المذكورة نقطة مهمة، وهي أن القنبلة النووية ليست مجرد «عملية عسكرية»، بل إنها تتطلب، قبل ذلك وبدرجة أكبر، نوعاً من «الدبلوماسية النووية» التي تتيح بناء الثقة اللازمة لحماية المصالح الاستراتيجية للأطراف الأخرى.

ويجب أن يدرك الطرف المقابل أنكم تفهمون طبيعة النادي الذي تنضمون إليه، وأن هدفه الحفاظ على الوضع القائم في النظام الدولي. كما ينبغي أن توضحوا أنكم تقبلون النظام الدولي القائم، مع الحفاظ على مصالحكم، وأنكم تريدون البقاء ضمن هذا النظام، ولكن «كما أنتم».

ويتطلب ذلك قدرات ومهارات دبلوماسية عالية. إذ يجب أن تكونوا قادرين على إقناع الآخرين بأنكم لا تنوون خداعهم. وهذه هي طبيعة القنبلة الإيرانية، شأنها شأن الأسلحة النووية لدى الآخرين.

وليس من السهل إقناع الطرف المقابل بأنه «يدرك أنكم تفهمون طبيعة الصفقة الكبرى التي تدخلون فيها». فالدبلوماسية النووية لا تقتصر على تقديم التوضيحات للآخرين، بل تشمل أيضاً إدارة الالتزامات، وبناء الثقة، والحد من سوء الفهم، وتنظيم العلاقة بين الأمن القومي وأمن الدول الأخرى.

وهذا يتطلب نوعاً خاصاً من الدبلوماسية القائمة على الإقناع، غير أن قدرة الجهاز الدبلوماسي الإيراني على الاضطلاع بهذه المهمة تستحق التأمل. فالمشكلة لا تكمن في غياب الخبراء المتمرسين، بل في أن هذا الجهاز فقد تدريجياً ثقته بنفسه لأسباب مختلفة.

6. ضرورة إبقاء باب النقاش مفتوحاً

إن باب النقاش مفتوح، فنحن أمام ظاهرة معقدة ومتعددة الأبعاد ومليئة بالتناقضات. ونحن بحاجة إلى إبقاء باب الحوار المتخصص مفتوحاً بشأنها.

فهذا النقاش ليس قضية حزبية في الأساس، بل إن توسيع آفاق النظر إليه من شأنه أن يمنح مواقفنا المؤيدة للسلاح النووي أو المعارضة له عمقاً أكبر.

وتتمثل المسألة الرئيسية في الحجج غير المتناظرة. ففي مثل هذه الحالات، لا يمكن الرد على حجة ما بالاستناد إلى الأساس نفسه الذي قامت عليه، إذ غالباً ما تظهر حجة أخرى، تستند إلى أساس مختلف وغير متناظر، لتقويض حجج الطرفين.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة × 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى