«مكالمة ما قبل العاصفة».. مصير الفصائل مجهول والسوداني على الحافة

شكّل الاتصال الهاتفي بين رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، ووزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، محطة جديدة في سلسلة الاتصالات العراقية الأمريكية التي تترك أثرها الواضح على توازنات المرحلة.

ميدل ايست نيوز: شكّل الاتصال الهاتفي بين رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، ووزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، محطة جديدة في سلسلة الاتصالات العراقية الأمريكية التي تترك أثرها الواضح على توازنات المرحلة، إذ جاء في سياق من التحركات المتسارعة التي تشهدها المنطقة ليعيد ملف الفصائل المسلحة إلى الواجهة من جديد، وسط مؤشرات على أن واشنطن تميل إلى التشدد في مطالبها، فيما يحاول السوداني تجنّب أي مواجهة مفتوحة قد تنعكس على وضعه السياسي والانتخابي.

وتضمّن الاتصال الهاتفي، نقاشاً حول التعاون الأمني، وملف الفصائل المسلحة، فيما حرص بيان بغداد على الإشارة إلى دعوة رئيس الوزراء لواشنطن بعدم اتخاذ قرارات منفردة في الشأن الأمني، وضرورة التشاور المسبق مع الحكومة العراقية، وهو ما اعتُبر مؤشراً على أن السوداني تلقى إنذاراً أمريكياً قاسياً، وربما تهديداً بعمل عسكري محدود، ما جعله يردّ بلغة دبلوماسية حذرة لتجنب التصعيد.

يذكر أن مكالمة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، مع رئيس الوزراء محمد شياع السوداني أمس الأول الاثنين، جاءت بعد يومين فقط، من تعيين رجل الأعمال الأمريكي من أصول عراقية مارك سافايا، مبعوثاً خاصاً إلى العراق، فيما سبقتها بأيام مصافحة علنية جمعت السوداني بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال قمة شرم الشيخ المنعقدة في 15 تشرين الأول أكتوبر الحالي.

في حين، سبقت تلك الأحداث مجتمعة، عملية إطلاق سراح الباحثة الإسرائيلية الروسية إليزابيث تسوركوف، من قبضة فصائل عراقية، بتاريخ 10 أيلول سبتمبر الماضي، في سلسلة وقائع مترابطة تؤشر تصاعد الانخراط الأمريكي المباشر في الملف العراقي.

العراق الحلقة الأهم

وفي هذا السياق، يقرأ عضو الحزب الجمهوري الأمريكي توم حرب، ذلك التسلسل الزمني والتحركات الأمريكية الأخيرة بأنها “تأتي ضمن رؤية أوسع لإعادة ضبط التوازن في المنطقة بعد سنوات من النفوذ الإيراني المتصاعد”.

ويضيف حرب، أن “الإدارة الأمريكية تنظر إلى العراق باعتباره الحلقة الأهم في معادلة الاستقرار الإقليمي، وأن أي تسوية في المنطقة لن تكون ممكنة دون معالجة ملف الفصائل المسلحة الموالية لطهران”، مؤكداً أن “على الحكومة العراقية التعامل بجدية مع هذه الفرصة، لأن تطمين الشركات والمستثمرين الدوليين يتطلب بيئة آمنة ومستقرة، وهو ما لا يمكن تحقيقه بوجود جماعات مسلحة خارجة عن سيطرة الدولة”.

وتؤشر وتيرة التحرك الأمريكي الأخيرة في العراق تغيراً لافتاً في أسلوب التعاطي مع الملف العراقي، ورغبة في إدارة الملفات بصورة أكثر تأثيراً وسرعة، ما يثير تساؤلات لدى المراقبين حول طبيعة المرحلة المقبلة، واحتمال حصول تطورات مفاجئة على المستويين السياسي والأمني.

المسلحون أمام تحول سياسي

من جانبه، يرى الباحث السياسي نبيل العزاوي، أن “واشنطن تولي اهتماماً متزايداً لملف الفصائل المسلحة، وتعتبره العقبة الأبرز أمام أي نشاط استثماري أو اقتصادي واسع في العراق، إذ ترى أن وجود جماعات مسلحة خارج سيطرة الدولة يعرقل بيئة العمل ويقوّض ثقة الشركات الدولية”.

ويوضح العزاوي، أن “هذا الإدراك ليس غائباً عن الحكومة العراقية التي بدأت فعلياً بفتح قنوات حوار معلنة، وأخرى غير معلنة مع بعض الفصائل، بهدف إيجاد مساحة تفاهم مشترك تتيح تقليص التوتر وتهيئة الظروف اللازمة لتوسيع التعاون، إذ أن بعض الفصائل قد تتجه في المرحلة المقبلة إلى العمل السياسي أو الاندماج التدريجي في المؤسسات الأمنية الرسمية، بما يخفف من حدة الاستقطاب ويعزز فرص الاستقرار”.

ويتزايد الاعتقاد داخل الأوساط العراقية بأن واشنطن بدأت فعلياً بتهيئة المشهد لما بعد الانتخابات المقررة نهاية العام، في ظل مؤشرات على تراجع النفوذ الإيراني وتعرض طهران لضغوط غير مسبوقة على أكثر من محور إقليمي، إذ أوحت الإجراءات الأخيرة بأن الإدارة الأمريكية تسعى إلى إعادة هندسة التوازنات داخل الساحة العراقية بما يتناسب مع رؤيتها للمرحلة المقبلة.

وفي هذا الصدد، كان السوداني قد دعا، أمس الأول الاثنين، الفصائل المسلحة إلى نزع سلاحها والانخراط في المؤسسات الأمنية تمهيداً للانتقال نحو العمل السياسي، في وقت طالته اتهامات من قبل مناوئيه بالسعي للبقاء في المنصب عبر التقارب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، واستثمار التفاهمات مع قوى سياسية متعددة لضمان دعمها في السباق الانتخابي المقبل.

ويرى مراقبون أن واشنطن تراهن على تشكيل حكومة أكثر انسجاماً مع توجهاتها، قادرة على ضبط السلاح المنفلت والانفتاح على الشراكات الغربية، في مقابل تراجع قدرة طهران على فرض خياراتها أو حماية حلفائها التقليديين داخل العراق.

ضغوط أمريكية وتفاهمات خفية 

من جانبه، يؤكد الخبير الأمني عدنان الكناني، أن “ما يجري بين بغداد وواشنطن لا يقوم على اتفاقيات رسمية بقدر ما يستند إلى تفاهمات غير معلنة تُدار خلف الكواليس منذ عام 2008″، موضحاً أن “جميع الحكومات المتعاقبة، تعاملت مع الجانب الأمريكي وفق مبدأ الأمر الواقع، بعيداً عن الأطر القانونية المعلنة”.

ويوضح الكناني، أن “اللقاءات والاتصالات التي تُعلن للرأي العام، ما هي إلا غطاء لجلسات أعمق تتلقى فيها بغداد التوجيهات وتُبلغ بالخطوط الحمراء دون قدرة فعلية على الرفض، وهو يفسر الغموض الذي يحيط بالتحركات الأمريكية الأخيرة، ويعكس طبيعة الضغوط التي تواجهها الحكومة الحالية”، مؤكداً أن “الوقوف بوجه واشنطن سيكون مكلفاً جداً على العراق، وأي محاولة لمقاومة هذا المسار قد تضع البلاد في مواجهة سياسية واقتصادية وأمنية مفتوحة شبيهة بما جرى في دول المنطقة”.

ويستعد العراق لإجراء سادس انتخابات برلمانية بعد عام 2003، والمقررة في شهر تشرين الثاني نوفمبر 2025، في أجواء مختلفة عن جميع الدورات السابقة، إذ تأتي وسط تصاعد الجدل حول ملف “سلاح الفصائل المسلحة” وضرورة حصره بيد الدولة، بالتزامن مع مقاطعة التيار الصدري للانتخابات بوصفه أحد أبرز القوى السياسية المؤثرة.

في المقابل، يؤكد المحلل السياسي نزار حيدر، أن “واشنطن تريد حسم ملف الفصائل المسلحة، إذ أن تحييدها السابق لم يكن نتيجة قرارات أو تفاهمات داخلية اتخذتها حكومة السوداني، بل جاء بفعل الإجراءات الأمريكية الصارمة خلال السنوات الماضية، والتي شملت عمليات استهداف وتصفية لعدد من قادة تلك الفصائل في العاصمة بغداد”.

ويشير حيدر، وهو مدير لمركز الإعلام في واشنطن، إلى أن “الولايات المتحدة، من خلال موقفها الحازم، هي التي أجبرت الفصائل على فك ارتباطها بما كان يُعرف بمحور المقاومة ووحدة الساحات، في حين اكتفت الحكومة العراقية بالمراقبة ولم تُقدِم على مبادرة وطنية مستقلة لحسم الملف”.

ويضيف، أن “السوداني كان قادراً على تسخير هذا التحول لصالح مشروع وطني سيادي، يقوم على التفاهم المنضبط مع الفصائل ضمن إطار سياسي واضح، لكنه فضّل تجنّب المواجهة المباشرة والاكتفاء بثمار الضغوط الأمريكية، التي حدّت من اندفاع الفصائل نحو المشاركة في الحرب السورية نهاية العام الماضي، بعد أن لوّحت بعواقب قاسية”.

وكثيراً ما يشوب اتصالات السوداني وروبيو، الكثير من اللغط، بسبب اختلاف الروايتين الرسميتين العراقية والأمريكية، حول معطيات كل مكالمة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العالم الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

15 + ستة =

زر الذهاب إلى الأعلى