بيوت العراق… تصاميم عصرية أنيقة بملامح تراثية محلية

مع تسارع البناء في المدن الحديثة، باتت ملامح الطراز التراثي العصري تظهر في مدن العراق، إذ تتجاور النوافذ الخشبية المزخرفة مع الواجهات الزجاجية الأنيقة لتصنع لوحة معمارية تمثل "البيت العراقي الجديد".

ميدل ايست نيوز: مع تسارع البناء في المدن الحديثة، باتت ملامح الطراز التراثي العصري تظهر في مدن العراق، إذ تتجاور النوافذ الخشبية المزخرفة مع الواجهات الزجاجية الأنيقة لتصنع لوحة معمارية تمثل “البيت العراقي الجديد”، وليست هذه النزعة حكراً على ذوي الذوق الفني أو محبي التراث فحسب، بل تحوّلت إلى ظاهرة متنامية.

ويؤكد المهندس المعماري محمد نمير لـ”العربي الجديد”، أن نهضة عمرانية يشهدها العراق جراء تحسّن الوضع الأمني والاستقرار، ويصف النشاط في مختلف المدن بأنه “ثورة عمرانية تمنح المعماريين فرصة حقيقية وكبيرة للظهور وإثبات جدارتهم”، ويضيف: “تتغيّر الصورة العمرانية في العراق نحو توظيف العناصر التراثية في تصاميم المباني ومنها المنازل، حتى تلك ذات المساحات الصغيرة التي لا تتجاوز 50 متراً مربعاً”.
ويشير نمير إلى أن “التصاميم الحديثة تميل إلى استعادة الأشكال التي كانت سائدة قبل أكثر من ثلاثة عقود، ويُطلق عليها اسم جفقيم، وهي نوع من الطابوق الخاص بتغليف الواجهات الخارجية بألوان الأحمر والأصفر الداكن والبني. ويعكس هذا التوجه يعكس الرغبة الجامحة في العودة إلى الهوية المعمارية العراقية الأصيلة”.
بدوره، يرى المهندس المعماري وليد العطواني أن المزج بين الحداثة والتراث “أصبح علامة ذوق ورغبة في الانتماء”، ويلفت في حديثه لـ”العربي الجديد” إلى أنه “لاحظ خلال السنوات الأخيرة أن عدداً كبيراً من الأشخاص يطلبون أن تتضمن منازلهم عناصر من العمارة البغدادية القديمة، مثل الأقواس والشناشيل والقباب الصغيرة، بأسلوب يتماشى مع متطلبات الراحة الحديثة، لذا أصبح التراث لغة تصميمية لا يمكن تجاهلها، ونحن لا ننسخ الماضي بل نستلهمه ونقدّمه بروح جديدة. وحين يرى شخص كيف يمكن أن يغيّر قوس بسيط أو زخرفة خشبية شكل المكان كلياً يدرك أن الجمال الحقيقي لا يأتي من المبالغة، بل من العودة إلى الجذور”.
ولأنّ العمارة لا تكتمل من دون من ينفذها على الأرض، يروي صاحب إحدى شركات المقاولات في بغداد، حيدر الجاف، أن “زبائن كثيرين يأتون بأفكار حديثة تماماً، لكن بمجرد أن نعرض عليهم نماذج فيها لمسات تراثية يغيّرون رأيهم فوراً. كأنّ شيئاً في داخلهم يتوق إلى هذا الجمال القديم. وهذا الاتجاه ليس موجة عابرة، بل بات خياراً اقتصادياً أيضاً، لأنّ العناصر التراثية تنفذ غالباً بمواد محلية أقل كلفة وأكثر انسجاماً مع المناخ العراقي”.
ومع توسّع المدن وارتفاع المباني التي غادرت معالمها التراث المحلي، بدا أن عراقيين كثيرين يحنّون إلى هوية عمرانية تشبههم، وبينما يعمل مهندسون ومقاولون على إعادة صياغة البيت العراقي الحديث يظهر صوت آخر أكثر عمقاً لمتخصّصين في التراث يرون أن البيوت القديمة في العراق لم تكن مجرد مبانٍ، بل فلسفة حياة، بحسب ما يقول الباحث في التراث العراقي ستار البغدادي الذي يُلقي محاضرات في ندوات ثقافية حول أهمية التمسك بطراز المباني التراثية، من خلال إدخالها في التصاميم الحديثة، ويضيف في حديثه لـ”العربي الجديد”: “في البيوت التراثية، كان الضوء يدخل بذكاء والهواء يدور بانسجام، والممرات تُبنى لتجمع الناس وليس لتفصلهم. الجمال فيها لم يكن زخرفة، بل طريقة عيش، لذا حين نُطالب بإعادة عناصرها في البيوت الحديثة لا نُزيّن فحسب، بل نُحيي قيماً تنسجم مع طبيعة الإنسان والبيئة”.
ويشدد البغدادي على أهمية أن تحافظ التصاميم الحديثة على ما يسميه “الروح المحلية”، يضيف: “حين نُهمل التراث المعماري نفقد جزءاً من ذاكرتنا الجماعية. البيت الحديث الذي يحتفظ بملامح عراقية يربط الأجيال ببعضها، ويمنح الناس شعوراً بالاستقرار والانتماء”.
فعلياً يأمل كثيرون ممن يبحثون عن خرائط منازل تحمل طابعاً تراثياً، في أن يسكنوا في بيوت تُعيد إليهم رائحة الطفولة وصدى الأزقة القديمة، بملامح تراثية تنبض بالأقواس والزخارف والشناشيل. وهذه العودة ليست مجرد حنين، بل بحث عن هوية معمارية تمزج بين روح الماضي وأناقة الحاضر.
ويقول محمد الصالحي من سكان الكرادة في بغداد الذي أمضى طفولته ومراهقته وشبابه في حي شعبي جانب الكرخ، لـ”العربي الجديد”: “منازل حيّنا بنيت منذ مطلع القرن العشرين، وأنا أحنّ لها لذا طلبت من شركة مقاولات تصميماً يحمل لمسات تراثية تميّز الخارج والداخل”. يتابع: “الحنين إلى التراث ليس مجرّد ترف بصري. كان التصميم الأول لمنزلي على الطراز الأوروبي، لكنّني طلبت من المهندس أن يضيف شناشيل حديثة تُشبه تلك التي كانت في حيّنا القديم. وحين اكتمل البناء، شعرت بأن البيت صار يحكي عن بغداد بروح جديدة. لم يعد مجرد مكان للسكن، بل قطعة من الذاكرة”.
وتروي هالة عبد الجليل تجربة مماثلة، وتقول لـ”العربي الجديد” إن منزلها الذي يحتوي على أقواس داخلية بغدادية وشرفات نصف، يشعرها بأنه “أكثر دفئاً، وأكثر عراقية”.
تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ستة + أربعة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى