الصحافة الإيرانية: غياب الخطة في مواجهة واشنطن.. هل تدفع إيران ثمن اللاقرار؟

إن انعدام وجود خطة متكاملة للمقاومة عند المواجهة مع الولايات المتحدة والسياسة الاقتصادية المكمّلة وحتى استراتيجية خروج من المواقع عالية الكلفة، ستتسبب في استهلاك موارد إيران من دون تحقيق مكاسب مستدامة.

ميدل ايست نيوز: منذ بداية الثورة الإسلامية انتقلت المواجهة بين إيران والولايات المتحدة تدريجياً من صدام غير مباشر وسياسي إلى مواجهات أكثر مباشرة؛ من حرب الناقلات وإسقاط طائرة ركاب مدنية إلى احتلال أفغانستان والعراق. غير أن نقطة الضعف الأساسية في هذا المسار تمثلت في غياب «الخطة».

وقال موقع اقتصاد نيوز نقلاً عن صحيفة “جمهوري إسلامي”، إن السياسة الخارجية الإيرانية ظلت لسنوات معلّقة بين حلمين متناقضين: حلم العبور الهجومي للنظام العالمي، وحلم التكيّف العقلاني مع قواعده. لا الأول حُسم كخيار نهائي، ولا الثاني تُرجم إلى إرادة حقيقية.

في المشهد السياسي الإيراني، تقف رؤيتان أساسيتان في مواجهة بعضهما البعض. ففريق يرى أن السبيل الوحيد للخروج من المأزق هو تبني موقف أكثر هجومية، وربما الذهاب نحو امتلاك سلاح نووي. في المقابل، يرى فريق آخر ضرورة التخلي عن وهم تقويض النظام العالمي والتكيّف مع قواعده، مهما كانت مجحفة.

لكن الإشكالية لا تكمن في هذا الانقسام بحد ذاته، بل في أن منظومة الحكم عالقة بين هذين الخيارين؛ فلم تتخذ قراراً حاسماً بتجاوز النظام القائم، ولم تنجح في التكيّف معه بإرادة موحّدة. والنتيجة حالة تعليق تدفع ثمنها البلاد والمجتمع.

تتجلى هذه الحالة بأوضح صورها في ملف الولايات المتحدة، الذي يُعد من أكثر القضايا الاستراتيجية تعقيداً وجذرية في نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ولا يمكن فهمه عبر إجابات مختصرة أو شعاراتية أو تحليلات أحادية البعد. فالولايات المتحدة ليست مجرد دولة، ولا مجرد عدو، بل كيان يتمتع بخصائص جيوسياسية وتاريخية ومؤسسية وبنيوية خاصة، منحتها موقعاً متميزاً في النظام الدولي، وجعلتها في الوقت نفسه قضية في السياسة الخارجية والداخلية الإيرانية.

لا يمكن حذفها من المعادلات أو تجاهلها. وحتى لو سُلّم بفكرة التراجع النسبي للولايات المتحدة، فإن وتيرة هذا التراجع لا تنسجم مع الاحتياجات العاجلة لإيران، كما أن انهيار أو إضعاف الولايات المتحدة لا يعني بالضرورة استقراراً عالمياً أو إقليمياً.

ومنذ بداية الثورة الإسلامية، تطورت المواجهة بين إيران والولايات المتحدة تدريجياً من صدام غير مباشر إلى مواجهات أكثر مباشرة، من حرب الناقلات وإسقاط طائرة مدنية إلى احتلال أفغانستان والعراق. إلا أن الخلل الجوهري في هذا المسار كان غياب «الخطة»: فلا خطة متكاملة للمقاومة، ولا سياسة اقتصادية مكمّلة، ولا حتى استراتيجية خروج من المواقع عالية الكلفة. صحيح أن المقاومة كانت في كثير من المراحل أمراً لا مفر منه، لكن من دون خريطة طريق، ستستهلك موارد إيران من دون تحقيق مكاسب مستدامة.

هذا الغياب للخطة انعكس في العجز عن تحويل الإنجازات الميدانية والأمنية إلى مكاسب سياسية ودبلوماسية دائمة. فالتاريخ يعلّمنا أن حتى الانتصار في الحرب، إذا لم يفضِ إلى سلام ذكي، قد ينتهي بالتفريط بالإنجازات. وكان بإمكان إيران في محطات مختلفة خفض مستوى المواجهة مع الولايات المتحدة إلى مستويات أقل كلفة، غير أن الذهنية والقدرات المؤسسية اللازمة لهذا التحول لم تكن متوفرة.

ومن جهة أخرى، يبرز سؤال طبيعة الولايات المتحدة التي تواجهها إيران. فصناعة العدو داخل البنية الأميركية عملية ممنهجة، وجزء من منطق الاقتصاد السياسي لآلة عسكرية أمنية ضخمة. وفي هذا السياق، لا تواجه إيران الاقتصاد الأميركي بقدر ما تواجه تفوقه الأمني والعسكري. فانتقال الولايات المتحدة من سياسات خفية إلى إجراءات عسكرية علنية يشير إلى كسر أحد المحرّمات وتغيير مستوى الصراع، وهو ما ينبغي أن يؤخذ بجدية في حسابات صناع القرار في طهران.

وفي هذا الإطار، ساهم خطآن تحليليان في تعقيد المشهد أكثر: الأول، الأسطرة الحماسية للمواجهة مع الولايات المتحدة، والثاني، الإفراط في الاتكال على القانون الدولي.

فالقانون الدولي، في أفضل حالاته، ليس سوى واجهة تجميلية للنظام العالمي، وليس بديلاً عن سياسة خارجية حقيقية. والدبلوماسية من دون سياسة خارجية مدوّنة ومتكاملة، لا تملك القدرة على إحداث تغيير ذي معنى.

أما الخروج من حالة التعليق، فيرتكز على محورين أساسيين: الأول، ضرورة تحقيق إجماع وطني حول مبدأ تغيير المسار، وهو تغيير لا يمكن أن يتحقق من دون وفاق داخلي. والثاني، القبول بحقيقة أن الدبلوماسية عملية طويلة الأمد وتتطلب قدراً كبيراً من الصبر.

مع ذلك، يمكن تصور خطوات عملية، من بينها تعزيز الاستعداد للتفاوض، وتهيئة الأرضية الدبلوماسية لتبادل الإشارات المتبادلة، وتحسين التعاون مع الوكالة الدولية، وتفعيل قنوات الاتصال الرسمية وغير الرسمية على مختلف المستويات. صحيح أن هناك عوائق مثل تقلبات السياسة الأميركية، والدور التخريبي للكيان الصهيوني، وتعقيدات المشهد الإقليمي، إلا أن في المقابل توجد توجهات دولية داعمة للاستقرار، من الصين إلى اللاعبين المرتبطين بملف الطاقة، يمكن أن تشكل فرصة لإعادة تعريف مسار إيران.

وإذا أردنا تقديم صورة دقيقة للوضع الراهن، فلا بد من الإقرار بأن المشكلة الأساسية في سياستنا الخارجية ليست غياب الخيارات، بل العجز عن الاختيار. فالاختيار، خصوصاً على المستوى الاستراتيجي، يستلزم دائماً دفع كلفة ما، لكن حالة اللاقرار تبقى الخيار الأعلى كلفة. والنتيجة هي تآكل تدريجي وعميق ومستمر في القوة الوطنية.

إعادة النظر في المسار السابق تمثل علامة نضج مؤسسي. غير أن ما يعرقل هذه المراجعة هو التعلق بالاستثمارات السابقة، والخشية من تقويض الروايات الرسمية، والخوف من فتح سلسلة من الأسئلة الجوهرية التي لا يسهل الإجابة عنها. هذه الآليات نفسها هي التي تدفع إلى تكرار اللجوء إلى حلول آنية وسريعة بدلاً من الإصلاحات البنيوية؛ حلول قد تبدو قرارات في ظاهرها، لكنها عاجزة عن إخراج البلاد من أزماتها.

والنقطة الجوهرية أن النجاح غير ممكن من دون حوار حقيقي داخل المنظومة، ومن دون إشراك النخب والكوادر الحريصة على مستقبل النظام. فلا يمكن أن تكون السياسة الخارجية نتاج دائرة مغلقة من صناع القرار المنشغلين بالدفاع عن الماضي أكثر من التفكير في المستقبل. طالما بقيت آليات صنع القرار عاجزة عن استيعاب التغذية الراجعة السلبية والبيانات الواقعية، ستظل السياسة الخارجية رد فعلية وظرفية وعالية الكلفة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سبعة − 1 =

زر الذهاب إلى الأعلى