الصحافة الإيرانية: دول الخليج ومعادلة الحرب بين إيران والولايات المتحدة

إن اندلاع الحرب أو عدمه لا يرتبط بقرار أميركي منفرد، بل يتوقف على مجموعة من المتغيرات الإقليمية والدولية، التي يحتل فيها دور الفاعلين الإقليميين، ولا سيما الدول العربية في منطقة الخليج، أهمية خاصة.

ميدل ايست نيوز: خلال الأسابيع الماضية، ومع الارتفاع الملحوظ في الأنشطة العسكرية للولايات المتحدة حول إيران، عاد سيناريو المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران إلى صدارة التحليلات الأمنية والسياسية في المنطقة. وتُظهر التحركات الميدانية للجيش الأميركي، ونقل المعدات، والرسائل الصريحة الصادرة عن المسؤولين الأميركيين، أن خيار استخدام القوة العسكرية بات مطروحاً بجدية ضمن سلّة قرارات البيت الأبيض، ولا يمكن اعتباره مجرد أداة للضغط النفسي. ومع ذلك، فإن اندلاع الحرب أو عدمه لا يرتبط بقرار أميركي منفرد، بل يتوقف على مجموعة من المتغيرات الإقليمية والدولية، التي يحتل فيها دور الفاعلين الإقليميين، ولا سيما الدول العربية في منطقة الخليج، أهمية خاصة. وعلى خلاف التصورات الشائعة في بعض التحليلات داخل إيران، فإن البيئة الإقليمية الراهنة لا تشكّل بالضرورة عامل ردع أمام أي عمل عسكري أميركي ضد إيران.

وقال الخبير في الشؤون الاقتصادية، علي رضا سلطاني، في مقال لصحيفة شرق الإيرانية، إنه يمكن القول إن الوضع الحالي لا يشهد معارضة جدية ومنظمة لمثل هذا التحرك داخل الدول الإقليمية، بل إن بعض السيناريوهات تشير إلى إمكانية أن يحظى هذا التحرك بدعم سياسي، وربما تسهيل عملي أيضاً. هذه الحقيقة تستدعي مراجعة جدية للتصورات التقليدية حول مصالح وسلوك الدول العربية في الخليج تجاه إيران. ففي 14 يناير الماضي، لعبت إسرائيل وبعض الدول العربية في جنوب الخليج دوراً في تأجيل أي عمل عسكري أميركي ضد إيران، غير أن هذا الموقف لم يكن نابعاً من معارضة استراتيجية لمبدأ العمل العسكري ذاته، بل من عدم جاهزية تلك الدول لمواجهة تداعياته المباشرة، ولا سيما الرد الإيراني المحتمل. ومن ثمّ، لا يمكن اعتبار هذا السلوك معارضة مبدئية ودائمة لأي عمل عسكري أميركي.

والواقع أن إيران لا ينبغي أن تبني حساباتها الاستراتيجية على افتراض دور ردعي خاص للدول الإقليمية في منع هجوم عسكري أميركي. فإسرائيل، بوصفها طرفاً يمتلك عداءً بنيوياً وصريحاً لإيران، كانت دائماً داعمة لمواجهة عسكرية واسعة مع طهران، وقد لعبت دوراً متقدماً في الحرب التي استمرت 12 يوماً. وإلى جانب إسرائيل، فإن الدول العربية في الخليج، وإن كانت تستخدم خطاباً أكثر حذراً، ليست بعيدة في تصورها الاستراتيجي عن الرغبة في تغيير الوضع السياسي في إيران وتقليص المخاطر الجيوسياسية في المنطقة عبر إنهاء حالة الصراع الدائم بين إيران والولايات المتحدة. تشكل هذه النقطة مدخلاً لنقد تصور قديم في تحليل السياسة الإقليمية. فلطالما ساد في بعض الأوساط التحليلية الإيرانية اعتقاد بأن الدول العربية في الخليج تستفيد من استمرار إيران في حالة عدم استقرار، وتحت الضغط، وفي الصراع مع الغرب والولايات المتحدة، لأن ذلك يعزز موقعها الاقتصادي والسياسي في المنطقة. وربما كان هذا الرأي قابلاً للدفاع عنه نسبياً في العقود الماضية، لكنه لم يعد منسجماً مع الواقع الاستراتيجي الراهن في المنطقة.

فالدول العربية دخلت خلال العقود الأخيرة مرحلة جديدة من التنمية. والاستثمارات الضخمة في البنى التحتية الاقتصادية والمالية واللوجستية والسياحية والتكنولوجية، حولت هذه الدول من اقتصادات تعتمد على النفط فقط إلى فاعلين نشطين في الاقتصاد العالمي. وقد بلغ مستوى التنمية فيها درجة من الاستقرار تجعل إدراج إيران ضمن مسار التنمية الإقليمية عاملاً لا يضر بنموها، بل قد يعززه أيضاً. وإضافة إلى ذلك، فإن استمرار هذا النموذج التنموي يتطلب بشكل ملحّ الاستقرار السياسي والأمن الإقليمي وتقليص المخاطر الجيوسياسية. وفي هذا السياق، لم يعد استمرار إيران غير المستقرة والمنخرطة في مواجهة مع الولايات المتحدة، بما يلقي بظلال أزمة دائمة على المنطقة، ميزة لهذه الدول، بل أصبح عائقاً أمام مشاريعها التنموية.

ومن هذا المنطلق يمكن فهم استراتيجية السلام وتطبيع العلاقات مع إسرائيل، العدو التاريخي الرمزي للعالم العربي. فالدول العربية في الخليج، بقبولها التكاليف السياسية لهذا التطبيع، تسعى عملياً إلى إزالة أحد أهم مصادر عدم الاستقرار المزمن في المنطقة. يعكس هذا التوجه أن أولويتها الأساسية ليست الاستفادة من عدم استقرار الآخرين، بل ترسيخ نظام إقليمي قابل للتنبؤ يضمن استمرار النمو الاقتصادي. وفي هذا الإطار الجديد، ينبغي إعادة تعريف موقع إيران أيضاً. فالمطلوب بالنسبة للدول العربية في المنطقة ليس مجرد «إيران قوية»، بل «إيران تشكّل مصدراً دائماً للمخاطر»؛ إيران في حالة مواجهة مستمرة مع الولايات المتحدة والغرب وتعيد إنتاج حالة عدم اليقين الجيوسياسي في المنطقة. ومن ثمّ، تفضّل هذه الدول وجود إيران مستقرة وغير متوترة مع الغرب. وبعبارة أخرى، بالنسبة إلى العديد من العواصم العربية، لا تحتل طبيعة النظام السياسي في إيران أهمية أساسية، بل تكمن الأهمية في دور إيران ضمن معادلة الأمن الإقليمي.

وبالطبع، لا يعني ذلك تجاهل الجهود الدبلوماسية لبعض دول المنطقة؛ فدول مثل عُمان وقطر حاولت خلال السنوات الأخيرة لعب دور الوسيط بين إيران والولايات المتحدة والحفاظ على قنوات الحوار مفتوحة. غير أن هذه الجهود لا تنبع بقدر ما من تقارب استراتيجي مع إيران، بل من اعتبارات أمنية واقتصادية. فكل من عُمان وقطر تدركان جيداً أن اندلاع حرب واسعة في الخليج، حتى لو كانت ضد إيران، سيحمل لهما تكاليف مباشرة وغير مباشرة. ولذلك، فإن تعزيز الدبلوماسية بالنسبة لهما يمثل أداة لإدارة المخاطر، لا التزاماً استراتيجياً بمنع أي عمل عسكري أميركي.

نهايةً، لا بد من الإشارة إلى متغير مهم لكنه محدود: دور إيران في كبح إسرائيل. فإيران هي الفاعل الإقليمي الوحيد الذي يمتلك الدافع والقدرة على مواجهة السياسات التوسعية الإسرائيلية. وإضعاف هذا الدور أو القضاء عليه قد يؤدي إلى تفرد إسرائيل بالهيمنة في المنطقة، وهو أمر قد يثير قلق بعض الدول العربية على المستوى النظري. غير أن الضغوط السياسية والاقتصادية الأميركية، وتنفيذ مشاريع مثل «اتفاقيات إبراهيم»، واعتماد الدول العربية أمنياً على واشنطن، جعلت هذا المتغير غير قادر على التأثير الحاسم في سياساتها الكبرى. ولذلك، وعلى خلاف بعض التصورات الشائعة، لم تعد الدول العربية في الخليج تسعى إلى استمرار إيران غير المستقرة والمنخرطة في صراع مع الغرب.

فالمنطق التنموي الجديد لديها جعل الاستقرار الإقليمي أولوية استراتيجية. وفي هذا الإطار، فإن عملاً عسكرياً أميركياً محدوداً ومدروساً ضد إيران، إذا أدى إلى تقليص المخاطر الجيوسياسية، لن يواجه بالضرورة معارضة جدية من هذه الدول، بل قد يقابل بالصمت أو حتى بدعم ضمني. وبالنسبة إلى إيران، فإن فهم هذا التحول في النموذج الإقليمي يمثل ضرورة حيوية لإجراء تقييم واقعي لتوازن القوى والخيارات المتاحة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشرين + عشرين =

زر الذهاب إلى الأعلى