من الجلسة الهادئة إلى الملفات الساخنة.. البرلمان العراقي الجديد أمام اختبارات مبكرة

يدخل مجلس النواب الجديد، دورته الحالية مثقلاً بإرث تشريعي ثقيل، يتمثل بقوانين لم تحسم، وأزمات مالية متراكمة، وتحديات سياسية داخلية وخارجية.

ميدل ايست نيوز: بعد جلسته الأولى يوم أمس الاثنين، يدخل مجلس النواب الجديد، دورته الحالية مثقلاً بإرث تشريعي ثقيل، يتمثل بقوانين لم تحسم، وأزمات مالية متراكمة، وتحديات سياسية داخلية وخارجية، ما يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول قدرة المجلس على أداء دوره الرقابي والتشريعي في ظل برلمان يضم كتلاً سياسية متباينة التوجهات، بعضها يحمل امتدادات أمنية وسياسية خارج قبة المجلس.

وفي جلسة وُصفت بالهادئة من حيث الإجراءات، انتخب مجلس النواب العراقي القيادي في حزب تقدم هيبت الحلبوسي رئيساً للمجلس، فيما جرى انتخاب النائب عن عصائب أهل الحق عدنان فيحان نائباً أول لرئيس البرلمان، وسط تفاهمات سياسية سبقت الجلسة، في المقابل، تعثّر حسم منصب النائب الثاني، بعد اشتداد المنافسة بين مرشح الحزب الديمقراطي الكردستاني شاخوان عبدالله ومرشح كتلة الموقف ريبوار كريم، ما دفع رئاسة المجلس إلى تأجيل البت بالمنصب في ظل غياب توافق سياسي كافٍ داخل القاعة.

التوقعات من البرلمان الجديد

وفي هذا السياق، يقول النائب عن منظمة بدر مختار الموسوي، إن “الانطباع الأول عن جلسة البرلمان الجديدة لا يبعث على الاطمئنان، في ظل بروز خلافات سياسية واضحة داخل المجلس، بعضها ظهر إلى العلن خلال الجلسة، فيما لا تزال خلافات أخرى غير معلنة، ما سينعكس سلباً على أداء المؤسسة التشريعية خلال دورتها الحالية”.

ويوضح الموسوي، أن “البرلمان يواجه تحديات كبيرة تتعلق بحزمة من القوانين الأساسية، وفي مقدمتها قانون الموازنة العامة، إلى جانب قوانين جرى ترحيلها من الدورة السابقة، بعضها يمس الواقع المعيشي للمواطن بشكل مباشر، وأخرى ترتبط بالملفات الاقتصادية والخدمية”.

ويؤكد أن “المرحلة المقبلة تتطلب من رئاسة مجلس النواب والقوى السياسية تجاوز الخلافات الضيقة، والعمل على تفعيل الدورين التشريعي والرقابي للمجلس، بما ينسجم مع حجم التحديات المطروحة وتطلعات الشارع العراقي”، مشدداً على أن “نجاح البرلمان في هذه الدورة مرهون بقدرته على إنتاج تشريعات مهمة وممارسة رقابة حقيقية تعزز ثقة المواطنين بالمؤسسة البرلمانية”.

ملفات ضاغطة

يجد البرلمان الجديد نفسه أمام حزمة ملفات ضاغطة تتطلب تعاطياً تشريعياً دقيقاً، في مقدمتها ملف الفصائل المسلحة التي أعلنت، في الآونة الأخيرة، موافقتها على مبدأ نزع السلاح، وهو تطور يضع المؤسسة التشريعية أمام مسؤولية تنظيم هذه العملية ضمن إطار قانوني واضح.

ويشير مراقبون إلى أن هذا الملف قد يستدعي تشريع قانون خاص أو إدخال تعديلات قانونية تنظم آليات حصر السلاح بيد الدولة، وتحدد طبيعة الدمج أو التفكيك، وصلاحيات الجهات المنفذة، بما يضمن عدم تحول الخطوة إلى إجراء شكلي أو خاضع للاجتهادات السياسية.

ومع وصول هيبت الحلبوسي إلى رئاسة مجلس النواب، وانتخاب عدنان فيحان نائباً أول، تبدو هيئة رئاسة المجلس في مرحلتها الأولى أقرب إلى الانسجام السياسي، بحكم التفاهمات التي سبقت الجلسة الأولى، وتقاطعات المصالح بين القوى الداعمة للطرفين، ما قد يسهل إدارة الجلسات، وإن كان مرهوناً بمدى قدرة الرئاسة على تحييد الخلافات السياسية الأوسع وعدم انتقالها إلى داخل هيئة الرئاسة نفسها.

من جانبه، لا يبدي الأكاديمي والباحث في الشأن السياسي غالب الدعمي، تفاؤلاً كبيراً، حيث يقول إن “البرلمان الحالي سيواجه تحديات كبيرة ومعقدة، وليس هناك سقف زمني واضح لحسم هذه التحديات، في ظل الأوضاع السياسية والاقتصادية الراهنة”.

ويضيف الدعمي، أن “هذا البرلمان، على غرار البرلمانات السابقة، قد يعاني من مشكلات متعددة، وقد يواجه حالة من الرفض الجماهيري، ولاسيما في ظل تفاقم الأزمة المالية، إن بقيت دون حلول حقيقية وملموسة، ما سينعكس بشكل مباشر على أداء الحكومة والسلطة التشريعية”.

ويوضح أن “نجاح الحكومة والبرلمان في تجاوز الأزمات الحالية مرهون بعدم اللجوء إلى المساس برواتب الموظفين أو تحميلهم أعباء إضافية، وإن حصل ذلك سيجعل هذه الحكومة شبيهة بحكومة عادل عبد المهدي”، محذراً من “تكرار الأخطاء السابقة، الذي سيقود إلى تعقيد الأزمات بدل معالجتها”.

إرث تشريعي ثقيل

ومع وصول نحو 100 نائب يمثلون كتلًا سياسية مرتبطة بفصائل مسلحة، يُتوقع أن يعود الجدل حول قانون الحشد الشعبي إلى الواجهة من جديد، سواء من حيث توقيت طرحه أو طبيعة مواده وصلاحياته، في ظل الضغط الدولي تجاه حسم هذه الملفات، وإبداء عدد من الفصائل استعدادها لمسار نزع السلاح.

وإلى جانب الملفات المطروحة، يواجه البرلمان الجديد إرثاً ثقيلاً من القوانين المؤجلة التي لم تُحسم خلال الدورات السابقة، وفي مقدمتها قانون المجلس الاتحادي المنصوص عليه دستورياً، والذي يُنظر إليه بوصفه ركناً أساسياً لاستكمال بنية النظام الاتحادي وتنظيم العلاقة بين المركز والمحافظات والأقاليم.

في المقابل، يؤكد النائب السابق، عن الحزب الديمقراطي الكردستاني محما خليل أن “البرلمان الجديد يواجه تحديات كبيرة ومعقدة على المستويين التشريعي والرقابي، إذ لا تختلف هذه الدورة كثيراً عن الدورات السابقة من حيث طبيعة الإشكالات التي تعيق عمل المؤسسة التشريعية، ولا سيما في ظل الانقسامات السياسية وآليات العمل داخل مجلس النواب”.

ويبين خليل، أن “الانتخابات الأخيرة جرت في ظروف صعبة، وأن القانون الانتخابي الحالي أفرز وصول عدد من النواب بآليات لا تعكس بالضرورة مبدأ التمثيل العادل، ما تسبب بغياب شخصيات وكفاءات عراقية كان يمكن أن تضيف زخماً نوعياً للعمل التشريعي والرقابي، وهو خلل سينعكس على قدرة البرلمان في مناقشة وحسم القوانين التي تمثل استحقاقات دستورية أساسية”.

ويشير إلى أن “الدورات البرلمانية السابقة أخفقت في إقرار عدد من القوانين المهمة المرتبطة ببنية النظام السياسي والمؤسسي، من بينها قانون النفط والغاز، وقانون المحكمة الاتحادية، وتعديلات مناسبة لقانون الانتخابات، إضافة إلى ملفات تشريعية أخرى ظلت عالقة بسبب الخلافات السياسية وتغليب المصالح الحزبية على متطلبات العمل البرلماني”.

مأزق اقتصادي

وفي الجانب الاقتصادي، تبرز مجموعة قوانين لم تغادر دائرة النقاش النظري، من بينها قانون الخدمة المدنية الموحد، وقانون الإدارة المالية والدين العام، في ظل تصاعد الضغوط على الموازنة العامة واستمرار التفاوت في الرواتب والامتيازات الوظيفية، فضلاً عن قانون النفط والغاز، وسلّم الرواتب وغيرها.

بدوره، يرى الباحث في الشأن الاقتصادي مصطفى حنتوشأن “هناك مجموعة قوانين اقتصادية مهمة ما تزال تنتظر في أروقة البرلمان، وفي مقدمتها قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص، في ظل امتلاك الدولة أصولاً وممتلكات تُقدر قيمتها بأكثر من 100 مليار دولار، تعود لوزارات عدة من بينها وزارة الصناعة، دون قدرة حقيقية على استثمارها”.

ويرى أن “من بين القوانين الأخرى التي تحتاج إلى تحديث وتشريع فعلي قانون سوق الأوراق المالية، بما يواكب تطورات الاقتصاد ويعيد تفعيل هذا القطاع، إلى جانب قانون تخصيص الواردات الحكومية الذي يتطلب تعديلات جوهرية لتنظيم الإيرادات وتحسين إدارتها، كما يمثل ملف الموازنة العامة في صدارة الأولويات”، مشيراً إلى “ضرورة الذهاب نحو موازنة البرامج لا موازنة البنود التي لم تحقق نتائج ملموسة”.

ويجد أن “البرلمان مطالب بتشريع قوانين تدعم بناء اقتصاد سليم وتعزز دور القطاع الخاص ليكون رافداً مكملاً للقطاع العام في توفير فرص العمل، “مشدداً على أن “الدور الحقيقي للبرلمان يتمثل في التشريع والرقابة والتمثيل الحقيقي للمواطنين”.

يذكر أن الانتخابات التشريعية الأخيرة في العراق جرت يوم 11 تشرين الثاني نوفمبر الماضي، بنسبة مشاركة بلغت نحو 56 بالمئة، حسبما أفادت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، وذلك على الرغم من مقاطعة التيار الوطني الشيعي بزعامة مقتدى الصدر، والعديد من القوى المدنية.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العالم الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

10 + ثمانية عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى