هندسة البقاء: كيف أعادت إيران ضبط “ساعة النفط” لمواجهة الحصار؟

يرى خبراء أن ما تتجاهله واشنطن في حساباتها هو خبرة إيران الطويلة مع العقوبات. فقد طورت صناعة النفط نفسها للتعامل مع سيناريوهات مشابهة.

ميدل ايست نيوز: لم تكن صناعة النفط الإيرانية بعيدة يوماً عن العمل تحت الضغط؛ إذ راكمت خلال سنوات العقوبات خبرة تشغيلية واسعة جعلتها من أكثر القطاعات قدرة على التكيف في سوق الطاقة. وخلافاً للانطباع السائد الذي يربط بين الحصار النفطي والتوقف الفوري للصادرات، تفيد المعطيات الميدانية وتقارير وسائل إعلام دولية، بينها فوكس نيوز ورويترز وبلومبرغ، بأن المنظومة النفطية الإيرانية لا تقف على حافة الانهيار، بل أعادت ضبط آلياتها التشغيلية بما يتلاءم مع المتغيرات الجديدة.

تقول صحيفة دنياي اقتصاد الإيرانية، إن هذا التكيف لا يعني أن الضغوط بلا تأثير، بل يشير إلى أن مفاعيل الحصار تتسم بالتدرج والتعقيد وتتحقق بوتيرة أبطأ بكثير مما تفترضه السيناريوهات التقليدية، ولا سيما في ظل إعلان الصين، أكبر مستورد للنفط الإيراني، حظر امتثال شركاتها للعقوبات الأمريكية المفروضة على المصافي المرتبطة بالنفط الإيراني.

وهنا، لا يتوقف التصدير بل يتغير شكله ومساراته. إذ تستمر الشحنات عبر عمليات النقل من سفينة إلى أخرى، وباستخدام مسارات بحرية غير واضحة تخفي نقاط الانطلاق والوصول. كما يمكن تحويل جزء من أسطول ناقلات النفط إلى خزانات عائمة لتوفير مساحة تخزين مؤقتة عند امتلاء الخزانات البرية. أما الإنتاج فلن يتوقف بشكل مفاجئ، بل يُخفض تدريجياً وبشكل مدروس لتجنب الضغط على المكامن الجوفية. كما تستوعب المصافي المحلية جزءاً من الفائض، رغم محدودية قدرتها. هذه الإجراءات لا تلغي أثر الحصار لكنها تحوله إلى عملية استنزاف تدريجي، ما ينتج عنه «استمرارية تحت الضغط»؛ نظام يتأثر على المدى الطويل لكنه يحافظ على كفاءته في المدى القصير.

واقع سوق النفط

في ظل الحديث عن إغلاق مضيق هرمز وتشديد الضغوط الأمريكية، عاد التصور القائل بإمكانية وقف صادرات دولة ما بشكل فوري وكأنه ضغطة زر. لكن واقع سوق النفط أكثر تعقيداً ومتانة من هذا التصور المبسط. حتى في حالة حصار بحري شديد، لا يحدث انهيار فوري للنظام النفطي الإيراني، بل تتطور العملية تدريجياً: يزداد الضغط، وتقل المرونة، ويدخل النظام في مرحلة تقييد متصاعدة. هذا الفرق بين «الاضطراب المفاجئ» و«الضغط التدريجي» حاسم للأسواق؛ فالأول يسبب رد فعل سريع في الأسعار، بينما الثاني يخلق حالة من الغموض الممتد الذي يصعب التنبؤ به.

جزيرة خارك، التي تُعد القلب الرئيسي لصادرات النفط الإيراني، تدير نحو 90% من الشحنات، بما يعادل 1.5 إلى 2 مليون برميل يومياً. وتلعب هذه الجزيرة دور صمام أمان بفضل قدرتها التخزينية التي تصل إلى 30 مليون برميل، ما يسمح باستمرار الإنتاج عند تقلب الصادرات. لكن في حالة الحصار، قد يتحول هذا الامتياز إلى عبء، إذ يؤدي تعذر تحميل أو تحريك الناقلات بانتظام إلى تراكم سريع للمخزونات. ومع ذلك، لا يتوقف النظام فوراً، بل يدخل مرحلة «الازدحام التشغيلي» حيث تتقلص خيارات نقل كل برميل جديد تدريجياً.

مسألة التخزين

تُصمم الأنظمة النفطية بطبقات متعددة من المرونة تشمل الخزانات وخطوط الأنابيب والتخزين العائم، لذلك لا تؤدي الاضطرابات عادة إلى انهيار فوري. في سيناريو الحصار، قد تستمر الصادرات بشكل محدود وغير منتظم في البداية، مع عبور بعض الشحنات عبر مسارات غير شفافة، وتأجيل أخرى، وتكدس جزء منها في الخزانات. لكن مع امتلاء هذه الخزانات تدريجياً، تتراجع مرونة النظام، وتتحول الأولوية من «تحسين التصدير» إلى «منع الوصول إلى السعة القصوى». وهذه هي المرحلة الصامتة من الأزمة؛ ضغط مستمر دون صدمة مفاجئة، لكنه أكثر تأثيراً على القرار.

لا تقتصر القيود على السطح، فالمكامن النفطية تخضع لقواعدها الخاصة أيضاً. إذ إن التوقف المفاجئ للإنتاج، خصوصاً في الحقول الناضجة، قد يؤدي إلى انخفاض الضغط داخل المكامن وتراجع معدلات الاستخلاص على المدى الطويل. لذلك يجب أن يتم خفض الإنتاج تدريجياً وبحذر. بعض الحقول يمكن إيقافها مؤقتاً، بينما يجب أن يستمر بعضها الآخر لتجنب أضرار دائمة، ما يحد من مرونة القرار السياسي.

ويرى خبراء أن ما تتجاهله واشنطن في حساباتها هو خبرة إيران الطويلة مع العقوبات. فقد طورت صناعة النفط نفسها للتعامل مع سيناريوهات مشابهة، فهي تعتمد حالياً على مزيج من خفض الإنتاج التدريجي، واستخدام المخزونات، وتغيير مسارات التصدير. وفي الوقت نفسه، توفر الصين، أكبر مستورد للنفط الإيراني، نوعاً من «صمام الأمان» عبر عدم التزامها بالعقوبات، ما يمنع الحصار الأمريكي من تحقيق هدفه الأساسي المتمثل في قطع الإيرادات النفطية الإيرانية بالكامل.

وتشير التقديرات إلى أن عشرات الملايين من براميل النفط الإيراني ما زالت قيد التداول أو التخزين في البحر، وحتى مع انخفاض الصادرات تمكنت إيران من الحفاظ على تدفق إمداداتها حتى الآن. وفي المحصلة، يُعد الموقف الصيني الرافض للعقوبات الأمريكية نقطة تحول في التوازن الجيوسياسي للطاقة، إذ إنه يقلص فعالية العقوبات ويؤكد أن تعاون كبار المشترين قادر على تغيير موازين القوى في سوق النفط العالمية. ورغم أن الحصار الأمريكي يفرض ضغوطاً كبيرة على قطاع النفط الإيراني، إلا أن آليات التكيف الإيرانية والدعم الضمني الصيني حالت دون تحوله إلى أداة حاسمة، لتبقى النتيجة سوقاً يستمر فيها تدفق النفط الإيراني ولكن عبر مسارات أكثر تعقيداً وكلفة وأقل وضوحاً.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان × واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى