«سياسة النهاية المفتوحة».. كيف تُبقي واشنطن باب الحرب مع إيران مفتوحًا؟

إن «سياسة النهاية المفتوحة» تعني مواصلة الحرب حتى اللحظة الأخيرة، لا الاستعداد للسلام. وبعبارة أخرى، هي أقرب إلى سياسة حرب منها إلى سياسة سلام.

ميدل ايست نيوز: تحذر صحيفة شرق الإيرانية في مقال من أن غموض أهداف واشنطن، وتغيّر مطالبها، وغياب ضمانات واضحة، قد يحوّل أي اتفاق إلى مجرد وقف مؤقت لإطلاق النار، وذلك في إطار ما تسميه «سياسة النهاية المفتوحة».

وكتب كيومرث أشطريان في افتتاحية الصحيفة اليوم:

1- يرتبط القرار بشأن الحرب الراهنة بمصير 90 مليون إيراني والأجيال المقبلة، بل إنه قد يحدد مصير العالم في بعض الحالات. لذلك، ينبغي مناقشة الحرب بأقصى درجات الحذر والتواضع، استنادًا إلى الأدلة، لتوفير أساس لاتخاذ قرارات تستند إلى اعتبارات قيمية.

يرى البعض ضرورة توخي الحذر في خوض الحرب، لكن لا ينبغي له أن يتصور أن أنصار المقاومة في مواجهة الولايات المتحدة غير مبالين بمصير إيران والإيرانيين، أو أنهم يريدون التضحية بكل شيء من أجل المبادئ والقيم. فقد يكون العكس هو الصحيح، وقد تكون المقاومة الخيار الوحيد المتاح، لأن تراجعًا محدودًا قد يفضي إلى سلسلة من التداعيات المدمرة. ففي بعض الأحيان، قد يكون الحذر في خوض الحرب، لا في تجنبها.

لكن العكس قد يكون صحيحًا أيضًا، فالداعي إلى التفاوض ليس بالضرورة من أنصار الاستسلام. وينبغي الابتعاد عن المزايدات والضجيج السياسي، والاستماع إلى مختلف الآراء لتحقيق التوازن. وهذا يعني التحسس من التهور، مع البقاء متيقظين للمخاطر الكامنة خلف خطاب ناعم يدّعي الدفاع عن السلام، لكنه ينظّر للهزيمة والاستسلام.

2- يتمثل أحد الحلول التحليلية في تجاوز الثنائية التي تقسم المواقف إلى مؤيد للحرب ومؤيد للسلام، والتمييز بدلًا من ذلك بين ثلاثة مواقف، لا موقفين:

أ- تأييد إنهاء الحرب بأي ثمن.

ب- تأييد التفاوض لإنهاء الحرب مع الحفاظ على الخطوط الحمراء.

ج- تأييد مواصلة المقاومة حتى التوصل إلى شروط أمنية وسياسية محددة.

ويكتسب التمييز المفاهيمي والتحليلي بين هذه المواقف الثلاثة أهمية كبيرة في صياغة سياسات الحرب. فالشخص الذي يفضل التفاوض لا يسعى بالضرورة إلى الاستسلام أو تقسيم البلاد، مثلما أن من يرى المقاومة ضرورة لا يتجاهل بالضرورة تكاليفها البشرية والاقتصادية.

وتكمن أهمية هذا التصنيف في أنه يخرج النقاش من الثنائية المبسطة بين «التشدد في الحرب» و«الدعوة إلى السلام»، ويقدم إطارًا تحليليًا واضحًا يمكن أن يساعد على بناء التفاهم والثقة بين القوى السياسية.

فإذا استُبعد خيار «إنهاء الحرب بأي ثمن»، نظرًا إلى افتقاره إلى حدود واضحة وما ينطوي عليه من مخاطر على الأمن القومي، أمكن توفير مساحة أكثر صحة للتحالف والحوار الوطني، وتهيئة الظروف للتوصل إلى توافق سياسي بشأن القرارات.

وفي هذا السياق، تستطيع القوى السياسية مناقشة إمكانية صياغة اتفاق تتضح فيه بما يكفي الأهداف النهائية، والالتزامات المتبادلة، وتسلسل التنفيذ، وآليات التحقق، والعواقب المترتبة على الإخلال بالالتزامات، بما يسمح ببناء توافق وطني حوله.

وهذا تحديدًا ما يمنع تحوّل «سياسة النهاية المفتوحة الأمريكية» إلى «سياسة نهاية مفتوحة إيرانية»، أو تفسيرها على هذا النحو. وهذه هي الرسالة الأهم في المقال.

ولا يُقصد بمفهوم «سياسة النهاية المفتوحة» مجرد تعبير بلاغي، بل هو مفهوم تحليلي يتضمن خمس سمات أساسية على الأقل: غموض الهدف النهائي، وقابلية المطالب للتغيير، وغياب معايير واضحة لإنهاء الحرب، وضعف آليات الضمان، والإبقاء على إمكانية استئناف الضغط العسكري.

وقد قال ترامب مؤخرًا إن الإيرانيين إما أن يقدموا لنا كل شيء أو لن يكون لهم وجود. وهذا ليس مجرد شعار انتخابي، بل يمثل شكلًا من «سياسة الحرب ذات النهاية المفتوحة».

3- يبرز سؤال مهم: هل يمكن إنهاء الحرب من خلال تقديم تنازلات للجانب الأمريكي؟ وإذا كان ذلك ممكنًا، فما طبيعة هذه التنازلات، وأين يقع الحد الأقصى الذي لا يمكن تجاوزه؟

وهل تحدد الولايات المتحدة أصلًا حدودًا لمطالبها، أم أنها ستواصل إبقاء موقفها ضمن معادلة «إما كل شيء أو الدمار»؟

يتعين على الذين يدعون إلى تقديم تنازلات لإنهاء الحرب أن يحددوا خطوطهم الحمراء بوضوح، والأهم من ذلك أن يوضحوا ما إذا كانت الولايات المتحدة ستقبل هذه التنازلات أصلًا، فضلًا عن تقديم ضمانات للالتزام بها.

ويثير افتراض أن الولايات المتحدة «تريد» إنهاء الحرب مع «الجمهورية الإسلامية الحالية» خلافًا جديًا. فبعض الإصلاحيين، وليس جميعهم، يتجاهلون هذا السؤال المهم أو يتغاضون عنه.

لقد انتهج ترامب، من خلال مواقفه الغامضة، «سياسة نهاية مفتوحة» في إدارة الأزمة. ويعني ذلك قبول إنهاء الحرب باتفاق محدود إذا اقتضت الظروف وكانت إيران في موقع أقوى، أو إطالة أمد الأزمة إلى أجل غير مسمى إذا لم تكن الظروف مواتية.

إن «سياسة النهاية المفتوحة» تعني مواصلة الحرب حتى اللحظة الأخيرة، لا الاستعداد للسلام. وبعبارة أخرى، هي أقرب إلى سياسة حرب منها إلى سياسة سلام.

وكان قبول الولايات المتحدة بمذكرة التفاهم في إسلام آباد مثالًا على هذه السياسة، إذ اقتصر الأمر على شرطين محددين بصورة قاطعة، هما فتح مضيق هرمز وبيع النفط الإيراني. أما بقية بنود المذكرة، فإما أُرجئت إلى «آليات» و«تفاهمات» لاحقة، أو تضمنت إشراك طرف ثالث، مثل إسرائيل أو الدول العربية، من دون التزام رسمي.

وينطبق الأمر نفسه على تأجيل معالجة النزاع النووي الإيراني في المذكرة إلى مراحل لاحقة من الرقابة والمفاوضات، وهو ما لا يعني أن الولايات المتحدة قبلت الشروط الإيرانية.

وتكشف إعادة قراءة بنود مذكرة تفاهم إسلام آباد من هذا المنظور أنها كانت في جوهرها شكلًا من «سياسة إبقاء الأزمة مفتوحة»، مع ترك نافذة الحرب مفتوحة أيضًا.

ومع ذلك، لا أنكر ضرورة التعامل مع المذكرة بطريقة تضمن، أولًا، عدم إهدار أي فرصة لإنهاء الحرب، وثانيًا، عدم تحميل إيران مسؤولية استئناف القتال.

وفي جميع الأحوال، ينبغي بحث ما إذا كانت إيران هي التي لا تحسم موقفها، أم أن الولايات المتحدة هي التي لا تعلن شروطها بوضوح.

وقد أدى استهداف ثلاث سفن بعد اتفاق إسلام آباد إلى تعزيز الاعتقاد لدى بعض الأطراف بأن إيران لا تقترح نهاية للحرب. لكن أليس هذا في الواقع نتيجة «سياسة النهاية المفتوحة» الأمريكية؟ فالولايات المتحدة ترى أن هذه السياسة تخدم مصالحها الاستراتيجية.

4- يتمثل جانب مهم آخر في التساؤل عما إذا كان النزاع بين إيران والولايات المتحدة سينتهي عند استيفاء ثلاثة شروط: وقف تخصيب اليورانيوم، وتسليم اليورانيوم المخصب، والتخلي عن دعم جماعات المقاومة في المنطقة.

في إطار «سياسة النهاية المفتوحة»، ينبغي التساؤل عما سيأتي بعد ذلك.

وتكمن النقطة الأساسية في أن هذه الشروط الثلاثة، حتى لو نُفذت، لن تحل للولايات المتحدة مسألة الطاقة والسيطرة على مصادر الطاقة الرئيسية في العالم، كما لن تضمن لإسرائيل تحقيق بيئة أمنية إقليمية خالية من التهديدات.

وتشير السياسة الأمريكية في فنزويلا إلى أن السيطرة على مصادر الطاقة العالمية تمثل مبدأ مهمًا في السياسة الأمريكية في العالم الراهن.

خلاصة القول، إن وضع تصور تحليلي لإنهاء الحرب يتطلب دقة نظرية ووحدة وطنية. فالتأييد للتفاوض من أجل إنهاء الحرب مع الحفاظ على الخطوط الحمراء، إلى جانب مواصلة المقاومة حتى تحقيق شروط أمنية محددة، يسيران في اتجاه واحد، ويتعارضان مع سياسة النهاية المفتوحة التي تنتهجها الولايات المتحدة في الحرب.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى