الصحافة الإيرانية: حرب إيران تغیر خريطة الطاقة في العالم

تحولت الحرب الأميركية على إيران، المستمرة منذ ثمانية أشهر، من مواجهة عسكرية بين البلدين إلى أزمة هيكلية في شبكة تجارة الطاقة العالمية؛ إذ بدأت الأزمة باضطراب الملاحة في مضيق هرمز، ثم ازدادت تعقيدًا مع اتساع التهديدات لتشمل مضيق باب المندب.

ميدل ايست نيوز: تحولت الحرب الأميركية على إيران، المستمرة منذ ثمانية أشهر، من مواجهة عسكرية بين البلدين إلى أزمة هيكلية في شبكة تجارة الطاقة العالمية؛ إذ بدأت الأزمة باضطراب الملاحة في مضيق هرمز، ثم ازدادت تعقيدًا مع اتساع التهديدات لتشمل مضيق باب المندب. ويكشف هذا التطور كيف أصبحت جغرافيا الحرب أحد العوامل الرئيسية المحددة لمسار الاقتصاد العالمي.

تقول صحيفة دنياي اقتصاد، إن أهمية هذا التحول تكمن في أن سوق الطاقة لا يعتمد على حجم إنتاج النفط فحسب، بل أيضًا على إمكانية نقله بأمان. فالنفط المستخرج من الآبار لا يستطيع أداء دوره المعتاد في الاقتصاد ما لم يصل عبر طرق آمنة إلى المصافي والأسواق المستهلكة. وهذا تحديدًا ما تستهدفه الحرب الأميركية على إيران، عبر ضرب حلقة الوصل هذه.

هرمز.. من شريان للطاقة إلى أداة للضغط العسكري

يُعد مضيق هرمز، الواقع عند مدخل الخليج، أحد أكثر الممرات حساسية في تجارة الطاقة العالمية. وقبل اندلاع الحرب التي استمرت 40 يومًا، كان نحو 21 مليون برميل من النفط يمر عبره يوميًا، متجهًا إلى الأسواق، ولا سيما الآسيوية.

وأدى تصاعد الهجمات الإيرانية على ناقلات النفط والسفن التجارية في المنطقة إلى تقييد صادرات النفط عبر الخليج، التي تراوحت خلال الأشهر السبعة الماضية بين 4 ملايين و14 مليون برميل يوميًا. كما ارتفعت تكاليف العبور البحري ومخاطره. ووفقًا لشبكة «سي إن إن»، سجلت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية 12 هجومًا على سفن داخل مضيق هرمز أو بالقرب منه خلال الأسبوع المنتهي في 16 أكتوبر. كذلك، يشير غرق سفينتي شحن في هجومين منفصلين إلى أن التهديدات تجاوزت مستوى التحذيرات الأمنية.

ومع ذلك، لا يقتصر المشهد على إغلاق الممر بالكامل. فقد حاول الجيش الأميركي الحفاظ على تدفق الصادرات النفطية من خلال المساعدة في نقل ناقلات النفط عبر مسارات تُعرف باسم «العبور المظلم»، تتحرك خلالها السفن بعد إيقاف أجهزة الإرسال الخاصة بتحديد هويتها، وتنقل النفط إلى سفن تنتظر في خليج عُمان.

في المقابل، حدّ الحصار البحري الأميركي من قدرة إيران على تمرير ناقلاتها النفطية عبر هذا الممر المائي. وأوجد هذا الوضع تناقضًا استراتيجيًا؛ إذ تسعى واشنطن إلى الحفاظ على تدفق الطاقة إلى حلفائها واستمرار الإمدادات إلى الأسواق العالمية، بينما تعمل في الوقت نفسه على تقييد الصادرات الإيرانية. أما طهران، فتحاول رفع الكلفة الاقتصادية والسياسية للحرب على خصومها والمستهلكين في العالم عبر زيادة الضغط على حركة الملاحة.

وهكذا، أصبح أمن الملاحة البحرية جزءًا من معادلة الردع نفسها.

باب المندب.. امتداد الأزمة إلى البحر الأحمر

ازدادت خطورة الأزمة عندما امتدت المواجهات إلى مضيق باب المندب، عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. ويوفر هذا الممر، عبر البحر الأحمر وقناة السويس، طريقًا حيويًا للربط بين آسيا وأوروبا، كما يكتسب أهمية في نقل النفط السعودي من موانئ البحر الأحمر.

وبحسب «سي إن إن»، تصاعدت المواجهة بين السعودية والحوثيين في اليمن، وهاجمت الجماعة ناقلات نفط سعودية كانت تعبر مضيق باب المندب. كما تشير الهجمات الدامية الأخيرة على مطار الرياض الدولي الرئيسي إلى اتساع نطاق المواجهة.

وقبل تصاعد تهديدات الحوثيين، كانت صادرات النفط الخام عبر ميناء ينبع السعودي تبلغ، في ذروة نشاطه، نحو 4.5 ملايين برميل يوميًا، يمر قرابة ثلاثة ملايين برميل منها عبر باب المندب. لكن ريتشارد برونز، من مؤسسة «إنرجي أسبكتس» المتخصصة في أبحاث الطاقة، قال إن هذه التدفقات تراجعت بشدة بعد تصاعد التهديدات خلال الصيف.

ونتيجة لذلك، وجدت السعودية نفسها أمام وضع بالغ الصعوبة؛ إذ بات طريقها الرئيسي لتصدير النفط عبر الخليج تحت ضغط الحرب، فيما تعرض مسارها البديل عبر البحر الأحمر لخطر الهجمات أيضًا. وكشفت الضربة التي استهدفت بطائرة مسيّرة خط الأنابيب السعودي شرق–غرب في سبتمبر، والذي ينقل النفط إلى موانئ البحر الأحمر، عن حجم هذه الهشاشة بصورة أوضح.

كلفة الأزمة

تتحمل الدول الآسيوية، بوصفها أكبر مستوردي النفط السعودي، الجزء الأكبر من الضغوط المباشرة الناجمة عن الأزمة. ولجأت بعض الحكومات إلى خفض استهلاك الوقود، فيما استخدمت الصين احتياطياتها الاستراتيجية للحد من آثار اضطراب الإمدادات.

لكن هذه الإجراءات لا تتجاوز دور التدابير الوقائية المؤقتة، ولا تستطيع بمفردها معالجة مشكلة انعدام الأمن في طرق نقل الطاقة. وحذّر يوهانس راوبال، كبير محللي النفط الخام في شركة «كبلر»، من أن هذا التطور قد يزيد شح المعروض في السوق ويدفع الأسعار إلى الارتفاع مجددًا.

وفي ظل هذه الظروف، ستتكبد حتى الدول غير المشاركة مباشرة في الحرب خسائر نتيجة ارتفاع تكاليف النقل والوقود والإنتاج الصناعي.

أما التداعيات الأهم، فتتمثل في تغير نظرة الحكومات إلى أمن الطاقة. فقد قال غيورغ زاخمان، الباحث الأول في معهد «بروغل» للأبحاث الاقتصادية، لـ«سي إن إن»، إن الدول المستوردة للنفط باتت تدرك بصورة متزايدة ضرورة خفض استهلاكها منه على نحو هيكلي.

ويمكن للاستثمار في مصادر الطاقة البديلة، وتنويع مصادر الإمداد، وإنشاء خطوط أنابيب جديدة أن يقلل الاعتماد على الممرات البحرية الحيوية المعرضة للخطر.

فمصير الحرب لا يتحدد في ميادين القتال وحدها. وقد تحول مضيقا هرمز وباب المندب إلى نقطتين تتشابك فيهما حسابات أمن الطاقة والاستراتيجيات العسكرية ومستقبل التجارة العالمية. وربما لا يكون الطرف الرابح في نهاية المطاف هو الدولة الأكثر قدرة على تعطيل التجارة، بل الدولة التي تنجح في التخلص من اعتمادها على هذه الممرات الهشة بأقل كلفة ممكنة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
بواسطة
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إحدى عشر − عشرة =

زر الذهاب إلى الأعلى