لماذا لا تستطيع واشنطن حسم الحرب مع إيران؟ تنازلات نووية أم وقف لإطلاق النار؟

تتمثل إحدى صعوبات تقييم قيمة التنازلات الإيرانية في أن ترامب وإدارته لم يحددا بوضوح أهدافهما من الحرب.

ميدل ايست نيوز: يرى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في ضوء ما يعتبره نجاحا لعملية البحرية الأميركية في مضيق هرمز، التي أدت إلى عرقلة معظم واردات إيران وصادراتها النفطية، مع استعادة جزء من تجارة النفط غير الإيراني عبر المضيق، أن الصراع مع إيران لا يمر، على ما يبدو، بحالة من الجمود.

لكن، حسب مقال رأي للكاتب والمحلل الأمريكي بول بيلار في موقع “ريسبونسيبيل ستيتكرافت“، الوضع الراهن فيما يتعلق بتدفق النفط وتوزيع الأعباء الاقتصادية أكثر تعقيدا في الواقع، ولا يمثل مكسبا أميركيا من جانب واحد. ومع ذلك، يبدو أن ترامب يعتقد أن مواصلة الضغط على إيران، عبر إجراءات من قبيل الحصار البحري، وهو عمل حربي، ستزيد النفوذ الأميركي وتفضي إلى نتيجة أفضل.

لطالما نظر ترامب إلى العالم باعتباره ساحة للعبة محصلتها صفر. فسواء تعلق الأمر بصراع عسكري أو اتفاقات تجارية أو صفقات عقارية، فإنه يرى أن معظم النتائج تنطوي على رابح وخاسر. كما أنه لا يعترف بالخطأ أبدا، وبالتأكيد لن يفعل ذلك علنا فيما يتعلق بالحرب الحالية. وهكذا يستمر الصراع بحثا عن نتيجة يستطيع ترامب تقديمها على أنها «انتصار».

أظهر كتاب ألّفته قبل أكثر من أربعة عقود أن أفضل طريقة لفهم نهايات الحروب هي اعتبارها تسويات يتم التوصل إليها عبر التفاوض. فحتى حالات الاستسلام التي توصف بأنها غير مشروطة لا تخلو تماما من الشروط، وتنطوي على تسويات يتعهد فيها الطرف المستسلم بعدم استخدام ما تبقى لديه من قدرة على المقاومة، مقابل أن يوقف الطرف الآخر هجومه. وقد طبّق باحثون آخرون في الآونة الأخيرة المفهوم نفسه على صراعات معاصرة. ومن الدروس المستفادة أن صياغة الاستراتيجية العسكرية الأميركية أساسا بلغة الانتصارات والهزائم تحجب القضايا المطروحة، ومدى تأثيرها في المصالح الأميركية، وما يلزم لإنهاء الحرب وإرساء سلام مستقر.

يمكن أن يتخذ ما سيعتبره ترامب «انتصارا» أحد شكلين أساسيين: إما أن يرضخ النظام الإيراني بطريقة ما ويقدم تنازلات تتجاوز بوضوح وبدرجة كبيرة كل ما عرضه سابقا، أو أن ينهار النظام. وثمة تعارض بين هذين الاحتمالين، لأن النظام الذي يعتقد أن الولايات المتحدة مصممة على تدميره لن تكون لديه أي حوافز لتقديم تنازلات، وسيرى أن مواصلة القتال هي الخيار الوحيد المتاح أمامه. ومع ذلك، فإن كلا الاحتمالين، حتى إذا نُظر إليه على حدة، يثير تساؤلات جوهرية.

لكي تؤدي التنازلات الإيرانية هذا الدور، ينبغي أن تحقق تقدما كبيرا في المصالح الأميركية، وأن تكون في الوقت نفسه تنازلات يمكن توقع تقديمها بصورة واقعية حتى من نظام إيراني يتعرض لضغوط شديدة. وتتمثل إحدى صعوبات تقييم قيمة التنازلات الإيرانية في أن ترامب وإدارته لم يحددا بوضوح أهدافهما من الحرب. فقد أعلنا مواقف مختلفة في أوقات متباينة، من بينها المطالبة بـ«الاستسلام غير المشروط»، وهو مطلب لا يمكن توقع قبوله بصورة واقعية من أي نظام إيراني.

يحظى البرنامج النووي الإيراني بأكبر قدر من الاهتمام في هذا السياق، وكان نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس الأقرب إلى تحديد مطلب واضح، عندما قال الأسبوع الماضي فقط إن إحراز السلام يتطلب خفضا «جوهريا» لمستوى تخصيب اليورانيوم في إيران. وتكمن صلة البرنامج النووي الإيراني بالمصالح الأميركية في احتمال امتلاك إيران سلاحا نوويا. ومن هذه الناحية، فإن مواصلة الحرب لن تكون مفيدة. فقد عطّلت الهجمات السابقة البرنامج النووي الإيراني إلى حد كبير، وأصبحت النوايا الآن لا تقل أهمية عن القدرات. ومن شأن استمرار استهداف إيران بهجمات تشنها قوة أجنبية أن يعزز الأصوات في طهران التي تدعو إلى امتلاك رادع نووي، في وقت يدور فيه بالفعل نقاش بشأن الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.

يقدم الاتفاق النووي الإيراني، المعروف رسميا باسم خطة العمل الشاملة المشتركة، مثالا على ما يتطلبه التوصل إلى اتفاق جاد بشأن القضايا النووية. وقد دخل الاتفاق حيز التنفيذ عام 2015، وأغلق فعليا جميع المسارات المحتملة أمام إيران لامتلاك سلاح نووي، إلى أن انسحب منه ترامب عام 2018، مصمما على تدمير ما اعتُبر على نطاق واسع أبرز إنجازات الرئيس باراك أوباما في السياسة الخارجية. ويتألف الاتفاق من 159 صفحة، وكان ثمرة مفاوضات صعبة ومفصلة استمرت عدة سنوات، وشارك فيها عدد كبير من خبراء الشؤون النووية وغيرهم من المتخصصين. وهذا ليس من النوع الذي يمكن لستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إنجازه خلال جولتين من المفاوضات.

ويتطلب أي اتفاق نووي جديد بين الولايات المتحدة وإيران مستوى مماثلا من التفصيل، لضمان أن تكون عمليات الخفض جوهرية وقابلة للتنفيذ والتحقق، من خلال عمليات التفتيش الدولية. أما جعل إتمام اتفاق شامل كهذا شرطا لإنهاء الحرب، بدلا من ربط وقف إطلاق النار بالتزام جاد بالدخول في مفاوضات لاحقة، فسيعني استمرار الحرب لأشهر، وربما لسنوات.

وجعلت إدارة ترامب مهمة التفاوض على اتفاق نووي جديد مع إيران أكثر صعوبة وتعقيدا، من خلال سعيها مؤخرا إلى إبرام اتفاق نووي مع السعودية. وقد أثار هذا الاتفاق، لأسباب مبررة، مخاوف خبراء منع الانتشار النووي، لأنه لا يشترط تطبيق أكثر أشكال التفتيش الدولي صرامة، كما يفتح الباب أمام تخصيب السعودية لليورانيوم، حتى مستوى 20%. ومن غير المرجح أن يقبل أي نظام إيراني بتقييد برنامجه النووي إلى مستوى أدنى مما ستتمتع به الدولة المنافسة له على الجانب الآخر من الخليج، بموافقة الولايات المتحدة ومساعدتها.

أما ما يُفترض أنه انتصار يتحقق عبر تغيير النظام، فأول ما ينبغي ملاحظته أن ترامب سبق أن ادعى تحقيق هذا التغيير، عقب مقتل عدد من كبار القادة الإيرانيين في الأيام الأولى للحرب. لكن ما حدث بعد ذلك يقدم درسا في ضرورة توخي الحذر فيما يتمناه المرء: فقد ازدادت قوة المتشددين الإيرانيين مقارنة بما كانت عليه عندما كان المرشد الأعلى علي خامنئي على قيد الحياة. ومن شأن تغيير آخر في القيادة خلال الحرب أن يدفع إيران إلى مزيد من التشدد، وربما إلى إقامة دكتاتورية عسكرية تُسكت ما تبقى من الأصوات المعتدلة داخل النظام.

وحتى إذا جاء تغيير القيادة في اتجاه يبدو أكثر ملاءمة للولايات المتحدة، فإن تحقيق مكاسب للمصالح الأميركية يتطلب أن يكون الطرف الذي يتحدث باسم إيران قادرا على التفاوض بشأن اتفاقات قابلة للاستمرار والالتزام بها. وستضطر أي حكومة مستقبلية إلى التعامل داخليا مع فصائل إيرانية تتبنى رؤى مختلفة، ولن تختفي هذه الفصائل بمجرد تغيير القيادة. لكن القدرة على التأثير في تلك الفصائل لا تتركز بالضرورة في أيدي الشخصيات التي قد تبدو أيديولوجياتها وتوجهاتها الأكثر تقاربا مع الولايات المتحدة.

وفي هذا السياق، شكّل مقتل علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، في غارة جوية إسرائيلية بعد أسبوعين من اندلاع الحرب، خسارة. فقد كان لاريجاني من الشخصيات التي نشأت في كنف نظام خامنئي، لكنه كان أيضا براغماتيا يمتلك الخبرة السياسية والعلاقات التي تتيح له تقديم التزامات موثوقة باسم مجمل بنية السلطة في طهران.

وفي ظل المصاعب الاقتصادية التي يعانيها الإيرانيون، لا يمكن استبعاد اندلاع انتفاضة شعبية تقود إلى تحول سياسي أوسع نطاقا. لكن من الضروري تسجيل عدة ملاحظات بشأن هذا الاحتمال المتعلق بتغيير النظام.

أولا، شهد تاريخ الجمهورية الإسلامية عدة انتفاضات شعبية، لكنها لم تؤد إلى تغيير النظام.

ثانيا، لا توجد حاليا حركة معارضة متماسكة تضاهي الحركة التي قادها روح الله الخميني خلال الثورة التي أطاحت بالشاه عام 1979.

ثالثا، تزداد احتمالات اندلاع انتفاضة شعبية صعوبة في ظل استمرار الحرب، التي أسهمت في تعزيز ظاهرة الالتفاف حول العلم بين الإيرانيين. ومن الطبيعي أن ينظر هؤلاء إلى الهجمات العسكرية والاقتصادية الأميركية باعتبارها استهدافا لإيران ككل، وليس للنظام وحده.

رابعا، وارتباطا بالنقطة السابقة، ستخلّف الحرب استياء واسعا ومستمرّا تجاه الولايات المتحدة بسبب المعاناة التي ألحقتها بالإيرانيين. وسيزداد هذا الاستياء كلما طال أمد الحرب، ولن يكون في وسع أي نظام جديد تجاهل هذه المشاعر.

خامسا، ستُظهر سياسات أي قيادة جديدة أن السياسة الإيرانية في الماضي استندت، بقدر ما استندت إلى التوجه الأيديولوجي للنظام القائم، إلى المخاوف الأمنية الإيرانية والنزعة القومية.

والخلاصة أن الولايات المتحدة ينبغي ألا تراهن على تقديم تنازلات كبيرة ومسبقة من جانب إيران، أو على تغيير النظام، باعتبار أي منهما مدخلا لإنهاء الحرب. ويتمثل المخرج الأكثر قابلية للتحقق في اتفاق أولي ومحدود لوقف إطلاق النار، يؤجل معظم المفاوضات الجوهرية إلى مرحلة لاحقة، على غرار مذكرة التفاهم التي اتفق عليها الطرفان في يونيو/حزيران، ولكن من دون الصياغات الملتبسة المتعلقة بمضيق هرمز، التي أدت إلى انهيار المذكرة.

وسيكون على رئيس يبحث عن «انتصار» أن يعتمد على قدرته الخطابية لتصوير وقف إطلاق النار هذا، إلى جانب الدمار الذي لحق بالقوات الإيرانية، باعتباره انتصارا.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سبعة + 12 =

زر الذهاب إلى الأعلى