بحر قزوين: الجبهة المنسية في حرب إيران.. من هرمز إلى أنزلي

على حدوده الشمالية، تطل إيران على بحر قزوين، الذي تبلغ مساحته 143 ألف ميل مربع، وهو بحجم البحر الأسود تقريبًا. وعلى سواحله تقع قوى إقليمية مثل روسيا وأذربيجان وكازاخستان.

ميدل ايست نيوز: منذ اندلاع الحرب الإيرانية، تركز معظم الاهتمام الدولي على مياه إيران الجنوبية، وتحديدًا مضيق هرمز، الذي يمر عبره في الظروف الطبيعية نحو 25% من نفط العالم و20% من الغاز الطبيعي عالميًا. وقد أدى الحصار البحري المزدوج الذي فرضته إيران والولايات المتحدة إلى خنق حركة الملاحة البحرية، ما تسبب في أزمة طاقة عالمية.

ومع ذلك، فإن الخليج ومضيقه ليسا المسطحين المائيين الوحيدين اللذين وضعتهما الحرب في خطر. فعلى حدوده الشمالية، تطل إيران على بحر قزوين، الذي تبلغ مساحته 143 ألف ميل مربع، وهو بحجم البحر الأسود تقريبًا. وعلى سواحله تقع قوى إقليمية مثل روسيا وأذربيجان وكازاخستان. وعلى مدى سنوات، عبرت التجارة البحرية وخطوط أنابيب النفط بحر قزوين بين أوروبا وآسيا، ما جعله مركزًا مهمًا للتجارة.

وبصفته حوضًا غنيًا بالطاقة يقع عند تقاطع ثلاث مناطق توتر—الشرق الأوسط، وأوروبا الشرقية، وآسيا الوسطى—شهد بحر قزوين وصول الصراع إلى سواحله. فقد أدى القصف الأمريكي والإسرائيلي لـطهران إلى اقتراب النشاط العسكري من المجال الجوي لبحر قزوين، على بعد 67 ميلًا فقط.

كما استهدفت الغارات الجوية الموانئ الإيرانية على هذا البحر. ففي 19 مارس، نفذت القوات الإسرائيلية ضربات على بندر أنزلي، وهو ميناء رئيسي للبحرية الإيرانية التقليدية، ما أدى إلى تدمير جزء كبير من الأسطول الإيراني في بحر قزوين. كما استهدفت سلسلة غارات أخرى، في 1 أبريل، البنية التحتية للميناء.

ويُعد بندر أنزلي أكبر ميناء على بحر قزوين، وممرًا رئيسيًا للتجارة بين إيران وآسيا الوسطى. وفي الظروف العادية، كانت 90% من التجارة الإيرانية تمر عبر الخليج العربي، لكن الحرب أغلقت 95% من حركة الملاحة فيه. لذلك أصبحت الطرق غير العربية وغير الخليجية—مثل بحر قزوين—ضرورية لوصول السلع الإيرانية إلى الأسواق العالمية. ويؤثر استهداف بندر أنزلي سلبًا على هذه المسارات البديلة.

وأهم تجارة متأثرة هي بين إيران وروسيا، حيث تعود علاقتهما عبر بحر قزوين إلى ما قبل الحرب لكنها شهدت نموًا ملحوظًا. فقد بلغ حجم التجارة الثنائية 4.8 مليار دولار في عام 2024، بزيادة 16% خلال عام واحد، مدفوعًا بالآلات والسلع الصناعية الروسية التي تحتاجها إيران بسبب العقوبات الغربية. ومن المتوقع أن يتجاوز حجم الشحن بين البلدين 10 ملايين طن في عام 2026.

وقد تعهدت روسيا بدعم إيران خلال الحرب الجارية، ويشمل هذا الدعم بشكل أساسي تزويدها بطائرات مسيّرة هجومية من طراز “شاهد”، التي استخدمتها طهران بفعالية كصواريخ لضرب أهداف في إسرائيل ودول عربية وأصول عسكرية أمريكية، لتصبح من أكثر أدواتها فاعلية في الحرب.

وتُصنّع روسيا هذه الطائرات في الشمال بمدينة ييلابوغا، ثم تُنقل عبر نهر الفولغا من ميناء أستراخان إلى إيران، حيث ترسو السفن في بندر أنزلي. ويساعد استخدام سفن غير مسجلة ووثائق شحن مزيفة—المعروفة بـ”الأسطول الظل”—في نقل هذه الأسلحة عبر بحر قزوين، إلى جانب شحنات أخرى من الأسلحة والذخائر.

وقد وجهت الهجمات على بندر أنزلي رسالة إلى روسيا بضرورة وقف دعمها لإيران، إلا أنه من غير الواضح ما إذا كانت موسكو قد استوعبت هذه الرسالة. فقد أدان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الضربات، قائلًا: “يجب أن يظل بحر قزوين منطقة سلام وتعاون”، فيما صرّح المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف بأن روسيا ستنظر “بسلبية شديدة” لأي عمل عسكري مستقبلي في البحر.

حصة أذربيجان في بحر قزوين

تُعد أذربيجان القوة الإقليمية الأخرى المهمة في بحر قزوين، حيث تمتلك حدودًا برية بطول 400 ميل مع إيران. ويغلب الطابع الشيعي على سكان البلدين، كما يعيش نحو 20 مليون أذري في شمال غرب إيران. إضافة إلى ذلك، تُعد إيران الطريق البري الوحيد الذي يربط أذربيجان بجيبها المعزول ناخيتشيفان، المنفصل عن أراضيها بسبب أرمينيا.

وقد أصبح هذا الإقليم نقطة توتر في 5 مارس، عندما استهدفت طائرات مسيّرة إيرانية مطارًا ومدرسة في ناخيتشيفان. وردت أذربيجان بسحب دبلوماسييها من إيران والاستعداد لاتخاذ إجراءات انتقامية. كما وجّه الرئيس إلهام علييف رسائل إلى الأذريين في إيران، ما أثار حساسية لدى طهران التي تخشى النزعات القومية الأذرية. وقد نفت إيران تورطها، وسرعان ما عادت العلاقات إلى طبيعتها.

ورغم علاقاتها مع إيران، ترتبط أذربيجان بعلاقات وثيقة مع إسرائيل، التي تصفها بـ”الشراكة القوية”. وفي ظل مقاطعة النفط من بعض جيرانها، تستورد إسرائيل ما يصل إلى 40% من نفطها من أذربيجان، مقابل تزويدها بمعظم الأسلحة التي تستخدمها القوات الأذرية. كما ساهم هذا التعاون في تعزيز علاقات باكو مع الولايات المتحدة، التي تسعى لضمها إلى اتفاقيات إبراهيم.

ويشكل هذا التوازن تحديًا لأذربيجان، إذ لطالما انتقدت إيران علاقاتها العسكرية مع إسرائيل، معتبرة أنها تهدد أمنها. وخلال الحرب، أرسلت أذربيجان مساعدات إنسانية إلى إيران، في خطوة حساسة لتجنب دعم القوات الإيرانية بشكل مباشر، ما قد يثير استياء إسرائيل.

رسميًا، تلتزم أذربيجان الحياد وترفض استخدام أراضيها لأي عمليات عسكرية، لكنها لعبت دورًا مهمًا في استقبال الفارين من النزاع.

كما استخدمت أذربيجان نفوذها لدى إسرائيل للمطالبة بعدم استهداف شمال غرب إيران لحماية السكان الأذريين، خاصة بعد استهداف مدينة تبريز القريبة من حدودها.

وفي المقابل، استفادت أذربيجان اقتصاديًا من موقعها في بحر قزوين، إذ يُتوقع أن تحقق نحو 200 مليون دولار إضافية من ارتفاع أسعار النفط، بينما ارتفعت التجارة عبر بحر قزوين بنسبة 500%. كما يُرجح أن يستفيد ميناء باكو بشكل كبير كمركز لوجستي مع تحويل مسارات التجارة عبر القوقاز.

وقد يصبح ميناء باكو الطريق الآمن الوحيد لوصول التجارة إلى إيران، في ظل استهداف موانئها الشمالية مثل بندر أنزلي، بينما تستمر التجارة البرية بين البلدين.

وبفضل علاقاتها الجيدة مع الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، تُعد أذربيجان من الدول القليلة التي تحتفظ بعلاقات قوية مع جميع أطراف النزاع، ما يمنحها قدرة محتملة على التأثير في مسار الحرب أو على الأقل في أمن بحر قزوين.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
National Interest

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سبعة + 13 =

زر الذهاب إلى الأعلى