النفط يغرق في البحر: استهدافات للسفن تعمّق أزمة الإمدادات العالمية

يعيش سوق النفط والغاز العالمي حرب ناقلات مفصلية، حيث تشتعل السفن في البحار وتجف الأنابيب على اليابسة

ميدل ايست نيوز: من نيران أسطول الظل الروسي قبالة ليبيا إلى استهدافات إيران للمنشآت والناقلات، يعيش سوق النفط والغاز العالمي حرب ناقلات مفصلية، حيث تشتعل السفن في البحار وتجف الأنابيب على اليابسة، واضعةً القارات أمام خناق إمدادات غير مسبوق.

إذ بعد أيام من استهداف أوكرانيا ناقلة غاز روسية أمام السواحل الليبية، أعلن الحرس الثوري الإيراني عن اشتعال النيران بناقلة نفط أميركية أمس الخميس في مياه الخليج. وفيما تعيد عمليات الاستهداف العسكري للناقلات ذكريات ما يُعرف بـ “حرب الناقلات” التي امتدت بين عامي 1980 و1988 خلال الحرب الإيرانية العراقية، تشير المعارك التي انتقلت من البر إلى البحر إلى أزمة نفط وغاز عالمية قد تصبح خارج السيطرة، وتضع الدول المنتجة أمام تحديات اقتصادية غير محسوبة، والدول المستوردة وخاصة الأوروبية والآسيوية منها، في ورطة نقص الإمدادات.

وسبق أن تعرضت ست سفن نفطية لهجمات منذ بدء الحرب الإيرانية، بينها ناقلة النفط “ستينا إمبراتيف” التي ترفع العلم الأميركي لهجوم بقذيفتين أثناء رسوها في ميناء البحرين، بينما تعرضت سفينة مستأجرة من شركة أرامكو السعودية لهجوم بطائرة مسيّرة قبالة سواحل مسقط أثناء نقلها 500 ألف برميل من الوقود إلى ميناء سعودي، واستهدفت طهران ناقلة “أثي نوفا” النفطية في الثاني من مارس، التي ترفع علم هندوراس، بمسيّرتين انتحاريتين في مضيق هرمز، مما أدى لاشتعال النيران فيها.

وكذا، بين الأول والثاني من مارس، استهدفت إسرائيل ناقلة “سكايلايت” الإيرانية للكيميائيات، عبر طائرة مسيّرة قرب “خصب” في سلطنة عُمان، وتحديداً عند مدخل مضيق هرمز. فيما تم استهداف ناقلة “MKD Vyom” كانت ترفع علم جزر مارشال من جانب طهران، وهذه السفينة، وفق التقارير، مرتبطة ببرنامج أمن الناقلات التابع للإدارة البحرية الأميركية، وهو برنامج يهدف لضمان مرونة سلاسل توريد الوقود للولايات المتحدة، وكانت تحمل حوالي 60 ألف طن من المنتجات النفطية وكانت في طريقها من أمستردام إلى رأس تنورة.

وأعلن الحرس الثوري الإيراني في اليوم السادس للحرب، الخميس، أن أي سفينة تمر عبر مضيق هرمز ستكون تحت سيطرة طهران طوال فترة الحرب، ما يشكل تحدياً مباشراً لما أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب من احتمال تأمين سفن النفط والغاز في مضيق هرمز عبر بوارج حربية أميركية. لكن أطنان النفط والغاز الممنوعة من عبور المضيق لم تعد وحيدة في المعركة، وفيما كانت التحليلات تشير إلى أن روسيا ستكون الرابح الأكبر من الحرب الإيرانية عبر زيادة حجم صادرات النفط من خلال أسطول الظل، جاءت ضربة أوكرانية لناقلة الغاز الطبيعي المسال أمام السواحل الليبية لتعيد موسكو إلى نقطة الصفر في حسابات أرباحها.

وأكدت السلطات الليبية وقوع الهجوم على ناقلة “أركتيك ميتاغاز” التي كانت تحمل 61 ألف طن من الغاز الطبيعي المسال و”غرقت بالكامل” بين ليبيا ومالطا. وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن الهجوم “يزيد الوضع سوءاً في أسواق الطاقة العالمية، بما في ذلك أسواق الغاز”. وعلى الأثر، أعلنت هيئة الموانئ البحرية الأوكرانية في وقت متأخر من يوم الأربعاء أن طائرة مسيّرة روسية ألحقت أضراراً بسفينة مدنية ترفع علم بنما كانت تنقل الذرة بالقرب من ميناء تشورنومورسك الأوكراني في منطقة أوديسا على البحر الأسود. وتشحن أوكرانيا حوالي 90% من صادراتها عبر ميناء أوديسا.

وإن كان الاستهداف العسكري لناقلات الظل الروسية يُعتبر الأول، إلا أنه في مطلع مارس/ آذار تم وقف الناقلة “إيثيرا” للنفط، التي كانت ترفع علم دولة غينيا وتتبع لشبكة “أسطول الظل” الروسي المشتركة مع إيران، في عملية إنزال شاركت فيها القوات الخاصة البلجيكية والفرنسية للسيطرة على الناقلة في بحر الشمال قبالة السواحل البلجيكية.

وسبق أن نفذت أوكرانيا في الثاني من مارس هجوماً واسعاً بالمسيّرات استهدف البنية التحتية لأسطول الظل داخل ميناء نوفوروسيسك الروسي، ما أدى إلى تدمير ستة من أصل سبعة أرصفة تحميل نفط في محطة “Sheskharis” الاستراتيجية، وكذا تضررت ناقلات نفط كانت راسية هناك وسفن حربية كانت تؤمن الحماية لها. وقبل شهرين من بداية الحرب الإيرانية، تعرضت ناقلة النفط “قنديل” التابعة لأسطول الظل الروسي لهجوم أوكراني بالمسيّرات في البحر المتوسط في ديسمبر 2025، بين مالطا وجزيرة كريت، وبسبب الأضرار التي أصابتها، وأثناء محاولة سحبها أو الإبحار بها، جنحت السفينة على صخور جزيرة بوزكادا التركية في بحر إيجة، وأصبحت خارج الخدمة تماماً.

وترافقت حرب الناقلات مع وقف عمل مرافق الطاقة الأساسية في الخليج، حيث أوقفت قطر إنتاجها من الغاز الطبيعي المسال الاثنين، وأعلنت “قطر للطاقة” الأربعاء حالة القوة القاهرة على شحنات الغاز الطبيعي المسال بعد استهداف منشآتها في مجمع رأس لفان الضخم. ويمثل إنتاج قطر من الغاز الطبيعي المسال نحو 20% من الإمدادات العالمية، وقطر ثاني أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم بعد الولايات المتحدة، وتلعب دوراً محورياً في تلبية احتياجات أسواق الغاز الطبيعي المسال في آسيا وأوروبا. واستهدفت طائرات مسيّرة أيضاً منطقة مسيعيد الصناعية في جنوب قطر والتي تقع بعيداً عن حقول الغاز، لكنها تضم منشآت بتروكيميائية وصناعية. كذا استُهدفت مصفاة رأس تنورة العملاقة التابعة لشركة أرامكو السعودية، وتبلغ طاقتها الإنتاجية 550 ألف برميل يومياً.

وأعلن العراق أنه سيخفض إنتاجه إلى النصف بسبب إغلاق مضيق هرمز، مع احتمال وقف الإنتاج بالكامل. كذا، أغلقت شركة البترول الوطنية الكويتية الخميس مصفاة ميناء عبدالله التي تبلغ طاقتها الإنتاجية 454 ألف برميل يوميا بسبب الحرب.

وتؤشر هذه التحركات إلى تصاعد التهاب أسعار النفط والغاز عالمياً، وسط تراجع حجم الإمدادات، خاصة في السوق الآسيوية والأوروبية. إذ لا تُعتبر دول الاتحاد الأوروبي مستورداً أساسياً لنفط الخليج، إلا أنها تتأثر بالحرب من خلال ارتفاع الأسعار العالمية، إضافة إلى وقف خط “دروجبا” عن العمل بعدما كان يضخ ملايين البراميل من قلب روسيا إلى عمق أوروبا (ألمانيا، المجر، بولندا)، بعد انفجار بمحطة ضخ رئيسية تابعة لشركة PERN البولندية.

ومع بدء الحرب في 28 فبراير، أعلنت أوكرانيا توقف الضخ بالكامل، السبب المعلن “أضرار تقنية في محطات الكهرباء المشغلة للمضخات”، لكن الحقيقة هي قطع الدخل عن روسيا. وفيما تتزود دول أوروبية بالنفط الروسي الرخيص وفق العديد من التقارير الدولية، رغم العقوبات، قال بوتين الخميس: “الآن تفتح أسواق أخرى. وربما يكون من الأجدى لنا التوقف عن تزويد السوق الأوروبية في الوقت الراهن، والتوجه إلى تلك الأسواق التي تفتح أبوابها وترسيخ وجودنا فيها. سأوجه الحكومة بالتأكيد للعمل على هذه المسألة مع شركاتنا”. هكذا، اقترب خام برنت من حاجز 84 دولاراً للبرميل بعد قفزة قياسية بلغت 12% في ثلاثة أيام فقط، بينما لامس خام غرب تكساس مستوى 77 دولاراً.

واستأنفت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا رحلة صعودها الحاد أمس الخميس، لتقفز العقود الآجلة بنسبة 13% ملامسةً أعلى مستوياتها منذ ثلاث سنوات. وتأتي هذه القفزة لتكشف هشاشة السوق الأوروبي الذي استنزفه شتاءٌ قارس وطويل، مما قلص احتياطيات الوقود إلى مستويات حرجة لا تتجاوز 30%. ومع اقتراب الصيف، تجد القارة نفسها في سباق محموم لتأمين شحنات الغاز الطبيعي المسال وسط منافسة عالمية شرسة، تزداد حدتها مع تعثر وصول إمدادات الدول العربية إلى الأسواق.

وقال معهد الاقتصاد الألماني (آي.دبليو) في توقعات صدرت أمس الخميس، إن اقتصاد البلاد قد يتكبد خسائر بقيمة 40 مليار يورو (46.4 مليار دولار) بسبب حرب إيران خلال العامين المقبلين. وأشار إلى أن ارتفاع سعر خام برنت إلى 100 دولار للبرميل يمكن أن يكلف الاقتصاد الألماني خسارة في الناتج الاقتصادي تبلغ حوالي 40 مليار يورو على مدى عامين، وترتفع الخسارة إلى 80 مليار يورو في حال ارتفعت الأسعار إلى 150 دولارا للبرميل في عامي 2026 و2027.

ولم تكن آسيا بمنأى عن هذا الاضطراب، فالدول التي تعتمد كلياً على النفط الخليجي والغاز القطري بدأت تعاني من تناقص إمدادات غاز الطهي. وفي مشهد يعكس عمق الأزمة، اضطرت الهند، وهي من أكثر الأسواق تضرراً، للعودة إلى النفط الروسي رغم التهديدات الأميركية بفرض رسوم جمركية عقابية.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

17 + تسعة =

زر الذهاب إلى الأعلى