الصحافة الإيرانية: هل تستطيع الصين فك عقدة الحرب؟

إن الخطة الصينية المكونة من أربعة بنود، رغم طابعها العام وافتقارها إلى تفاصيل تنفيذية دقيقة، تقدم إطاراً فلسفياً واضحاً ينسجم مع مبادئ السياسة الخارجية لبكين القائمة على «الأمن المشترك» و«التنمية المشتركة».

ميدل ايست نيوز: شهدت الاتصالات الدبلوماسية بين إيران والصين خلال الأشهر الأخيرة، ولا سيما بعد اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، دخول مرحلة جديدة. وتُعد الصين أكبر مشترٍ للنفط الإيراني وفاعلاً رئيسياً في مبادرة الحزام والطريق، وقد سعت دائماً إلى تقديم نفسها كوسيط محايد.

وقالت وكالة خبرأونلاين الإيرانية في تقرير، إنه من شأن الزيارة المرتقبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين أن تمهّد لدور صيني أكثر فاعلية في الأزمة الجارية في الشرق الأوسط، التي بدأت مع الهجمات الإسرائيلية الأمريكية على إيران.

وأعلن ترامب أن ملف إيران سيكون على جدول مباحثاته في بكين. ومنذ بداية الحرب، دعت الصين إلى وقف التصعيد وحل القضايا عبر الحوار والدبلوماسية، لكنها لم تنخرط حتى الآن في أي دور مباشر داخل الحرب. وكان أبرز تحرك صيني خلال الأشهر الماضية تقديم خطة من أربع نقاط لتحقيق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط والخليج الفارسي.

أما وقف إطلاق النار المؤقت، الذي تحقق بوساطة باكستان ودعم سياسي من الصين، فيواجه حالياً تحديات جدية. وفي المقابل، يشكل المقترح الإيراني المكون من 14 بنداً لتحقيق سلام دائم، والذي قُدم في أواخر أبريل عبر باكستان إلى الولايات المتحدة، محور التحركات الدبلوماسية الراهنة. وقد أعيد إرسال المقترح إلى واشنطن مطلع الأسبوع الجاري بعد عدة تنقلات بين الأطراف، إلا أن الرئيس الأمريكي رفضه فوراً.

وتشير المعطيات الحالية إلى نشاط دبلوماسي مكثف، في وقت رحّب فيه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خلال لقائه نظيره الصيني في بكين بالمبادرة الصينية ذات النقاط الأربع لتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط.

ويتضمن المقترح الإيراني إنهاء الحرب خلال 30 يوماً، وضمان عدم الاعتداء العسكري، وانسحاب القوات الأمريكية من محيط إيران، ورفع الحصار البحري، وتحرير الأصول المجمدة، ودفع تعويضات الحرب، ورفع العقوبات، وإنهاء الاشتباكات في لبنان، وإنشاء آلية جديدة لتنظيم حركة مضيق هرمز. وقد وصفه ترامب بأنه غير مقبول.

وتبرز أهمية هذه التطورات في السياسة الخارجية والاقتصاد الإيراني بشكل كبير، إذ إن نجاح هذا المقترح أو فشله قد يحدد مسار إنهاء الحرب، وإعادة فتح مضيق هرمز، وتخفيف العقوبات، وإحياء صادرات النفط الإيرانية. وفي ظل الضغوط الناتجة عن الحصار البحري والهجمات، قد يوفّر أي اتفاق دبلوماسي متنفساً اقتصادياً حيوياً.

ويرى المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية أن الصين تلعب دوراً محورياً في الضغط على إيران نحو المرونة. بينما يعتبر معهد كارنيغي أن الفرصة متاحة لتخفيف التوتر رغم وجود عقبات كبرى تتعلق بالملف النووي والإقليمي، في حين تصف مراكز بحث إسرائيلية مثل معهد دراسات الأمن القومي (INSS) المقترح بأنه «غير متوازن» لصالح إيران، بينما تركز مراكز صينية وعربية على ضرورة الضمانات المتبادلة ودور بكين كضامن للسلام.

ويبقى السؤال الأساسي حول مدى قدرة المحادثات الإيرانية-الصينية والمقترح الإيراني المكون من 14 بنداً على فك عقدة الحرب، وما هي انعكاساته على العلاقات التجارية والاقتصاد الخارجي الإيراني.

وفي الإجابة، يُشار إلى أن المقترح الإيراني لإنهاء الحرب مع الولايات المتحدة، الذي قُدم عبر الوساطة الباكستانية، يُعد من أبرز المبادرات الدبلوماسية لطهران. وقد جاء رداً على مقترح أمريكي من 9 بنود ركّز أساساً على تمديد وقف إطلاق النار لمدة شهرين، بينما شددت المبادرة الإيرانية على إنهاء الحرب بالكامل خلال 30 يوماً.

وتعتمد الوثيقة، المكونة من صفحة واحدة تضم 14 بنداً رئيسياً، على نهج من مرحلتين: المرحلة الأولى تركز على إنهاء فوري للقتال ورفع القيود الاقتصادية والعسكرية، فيما تتناول المرحلة الثانية قضايا أكثر تعقيداً مثل البرنامج النووي والأمن الإقليمي. وتهدف الخطة إلى إنشاء إطار شامل لسلام دائم يشمل ضمانات أمنية ورفع العقوبات وإعادة الإعمار الاقتصادي، على أن تُناقش تفاصيلها استناداً إلى مصادر غربية وعربية لاحقاً.

تفاصيل الخطة الصينية ذات الأربع نقاط للسلام والاستقرار في الشرق الأوسط

تُعد الخطة الصينية ذات الأربع نقاط للسلام والاستقرار في الشرق الأوسط، التي قدّمها الرئيس الصيني شي جين بينغ في 14 أبريل 2026 خلال لقائه مع الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، في بكين، إحدى أبرز المبادرات الدبلوماسية لبكين خلال أزمة الحرب بين إيران والولايات المتحدة. وقد صيغت هذه الخطة استناداً إلى تقارير وكالة شينخوا الرسمية وتغطيات موسعة لوسائل إعلام مثل الجزيرة ورويترز، وطرحت بوصفها رداً على التصعيد المتزايد بعد الحرب المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

ترتكز المقاربة الصينية في هذه المبادرة الرباعية على حل الأزمات الإقليمية على مبادئ «التعايش السلمي»، و«السيادة الوطنية»، و«سيادة القانون الدولي»، و«التنسيق بين الأمن والتنمية»، وقد صيغت في أربعة بنود عامة: البند الأول: الالتزام بمبدأ التعايش السلمي الإقليمي، البند الثاني: الاحترام الكامل لسيادة الدول الإقليمية وأمنها ووحدة أراضيها، البند الثالث: الالتزام بسيادة القانون الدولي ومنع العودة إلى قانون الغاب، البند الرابع: التنسيق بين الأمن والتنمية.

وبصورة عامة، فإن الخطة الصينية المكونة من أربعة بنود، رغم طابعها العام وافتقارها إلى تفاصيل تنفيذية دقيقة، تقدم إطاراً فلسفياً واضحاً ينسجم مع مبادئ السياسة الخارجية لبكين القائمة على «الأمن المشترك» و«التنمية المشتركة». وقد طُرحت هذه الخطة في وقت وصلت فيه المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في إسلام آباد إلى طريق مسدود، ما دفع الصين إلى محاولة تعزيز دورها كقوة وسيطة عبر هذه المبادرة الدبلوماسية. غير أن نجاحها يعتمد على تحولها إلى وثيقة تفاوضية ملزمة وحصولها على دعم الولايات المتحدة.

اقتصادياً فإن المقترح الإيراني المكون من 14 بنداً والدعم الصيني له يمكن أن يشكلا نقطة تحول في تخفيف الضغوط العقابية وإحياء صادرات الطاقة الإيرانية. إذ إن الطلب الإيراني برفع الحصار البحري وإنشاء آلية جديدة لإدارة مضيق هرمز يؤثر مباشرة في تدفق صادرات النفط. وبالنظر إلى أن أكثر من 90% من صادرات النفط الإيرانية تتجه إلى الصين، فإن أي اتفاق لإعادة فتح آمن لمضيق هرمز يمكن أن يرفع بسرعة الإيرادات النقدية الإيرانية. وتشير تحليلات معهد بروكينغز إلى أن إعادة الفتح الجزئي للمضيق قد ترفع الصادرات اليومية من أقل من 600 ألف برميل إلى أكثر من 1.5 مليون برميل، ما يخفف الضغط على ميزانية الدولة.

كما أن مطلب الإفراج عن الأصول المجمدة ودفع تعويضات الحرب يمكن أن يوفر سيولة فورية للاقتصاد الإيراني. وتقدّر تقارير المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية أن تحرير الأصول المجمدة قد يضخ ما بين 10 و20 مليار دولار في الاقتصاد الإيراني، ما يساهم في الحد من التضخم إلى حد معين. كما يمكن للصين عبر شراء النفط بأسعار أعلى والاستثمار في مشاريع إعادة الإعمار أن تؤدي دوراً محورياً في التعافي الاقتصادي الإيراني.

سياسياً، فإن المحادثات الإيرانية-الصينية والمقترح المكون من 14 بنداً غيّرا ميزان القوة في المفاوضات. فالصين، من خلال طرح مبادرتها ذات النقاط الأربع ودعمها للمقترح الإيراني، تسعى إلى ترسيخ نفسها كقوة وساطة رئيسية وإلى الابتعاد عن الأحادية الأمريكية، وهو ما يمنح إيران موقعاً تفاوضياً أقوى ويزيد الضغط على الولايات المتحدة لقبول بعض المطالب.

وفي الوقت نفسه، يمكن للدور الصيني في دعم المقترح الإيراني أن يعيد تشكيل توازن القوى في الشرق الأوسط. فبكين، عبر التأكيد على سيادة إيران وحقها في التخصيب السلمي، تسعى إلى الحفاظ على إيران كشريك استراتيجي، مع إدارة علاقاتها في الوقت ذاته مع الولايات المتحدة. ورغم أن هذا النهج يقلل من خطر توسع الحرب، فإنه لا يضمن نجاحاً كاملاً.

وفي هذا السياق، وصف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي المقترح المكون من 14 بنداً بأنه «شامل وعادل»، معبراً عن تقديره للدعم الصيني. كما وصف المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية المحادثات بأنها «بناءة»، مؤكداً على ضرورة احترام سيادة إيران.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسعة عشر − 18 =

زر الذهاب إلى الأعلى