هل غيّرت إيران عقيدتها النووية في ظل “حرب البقاء”؟
تصدّر الحديث عن أهمية امتلاك السلاح النووي ودوره في تحقيق الردع تصريحات أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني الجديد محسن رضائي.

ميدل ايست نيوز: تصدّر الحديث عن أهمية امتلاك السلاح النووي ودوره في تحقيق الردع تصريحات أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني الجديد محسن رضائي، مساء أمس السبت، خلال أول مقابلة تلفزيونية مفصلة له بعد أسبوعين من تعيينه في منصبه.
وتساءل رضائي صراحة: “لماذا لا نتجه نحو القنبلة النووية؟”، في حال لم يحل التزام إيران بالقواعد الدولية وعضويتها في معاهدة عدم الانتشار النووي دون تعرّضها للعدوان.
وفتحت هذه التصريحات التي اتخذت طابع التحدي والهجوم الباب على مصراعيه أمام تساؤلات ملحّة حول ما إذا كانت طهران قد غيّرت عقيدتها النووية، أو أنها تتجه نحو تغييرها، لا سيما في ظل تصاعد التهديدات الأميركية ضدها.
كما عكست تصريحات رضائي توجهاً إيرانياً نحو إعادة النظر في منظومة الاستراتيجيات الحربية والدفاعية، بما قد يمنحها طابعاً أكثر هجومية في مواجهة حرب تصفها طهران بأنها “وجودية” و”معركة بقاء”.
وأكد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني أنّ بلاده ستجري “تحولات” في إدارة الحرب، إلى جانب تنفيذ “إصلاحات” في الدبلوماسية، في ظل ما وصفه بالنكوث الأميركي المستمر بالتعهدات، وسلوك واشنطن خلال المفاوضات. ووجه رضائي، في السياق نفسه، تهديداً صريحاً بضرب مصالح دول المنطقة إذا شاركت في الحرب الاقتصادية على إيران.
وقال رضائي، في مقابلته مع التلفزيون الإيراني، إنّ العدوان الأميركي على إيران دفع بعض الدول إلى الاستنتاج بأن امتلاك السلاح النووي يمكن أن يوفر قدرة أكبر على الردع.
وأضاف أنّ إيران تعرّضت للهجوم رغم عضويتها في معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وتعاونها الواسع مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وتابع: “العالم كله يقول الآن… إذاً، لا معاهدة حظر الانتشار النووي فعالة، ولا العضوية في الوكالة الدولية للطاقة الذرية”، مضيفاً أن هذا الوضع أدى إلى زيادة “رغبة” الدول في امتلاك القنبلة النووية.
وجاءت تصريحات رضائي في وقت تصاعدت خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع تزايد الضغوط الأميركية على إيران، مطالبات داخلية، لا سيما من التيار المحافظ وشخصيات سياسية، بتغيير العقيدة النووية وضرورة التوجه نحو تصنيع القنبلة النووية.
غير أنّ صناع القرار الإيراني أكدوا مراراً التزامهم بسلمية البرنامج النووي، مستندين إلى فتوى المرشد الأعلى الراحل التي تحرّم امتلاك أي سلاح نووي أو شراءه. إلا أن اغتيال الأخير في بداية الحرب، في 28 فبراير/ شباط الماضي، أدى إلى زيادة المطالبات بامتلاك هذا السلاح داخل أوساط إيرانية.
القنبلة النووية لصد هجوم نووي؟
ويقول الخبير الإيراني رحمان قهرمان بور إنّ النقاش حول محاولة تغيير العقيدة النووية الإيرانية ليس جديداً، موضحاً أنه بدأ حتى قبل الحرب الأخيرة على إيران. وأضاف أن ذلك يدل على وجود تقدير داخل دوائر الحكم يفيد بأنّ الإجراءات الأميركية قد تجبر إيران في نهاية المطاف على تصنيع سلاح نووي.
ويوضح قهرمان بور أنه من الناحية الفنية، إذا فشل الردع الإيراني غير المتناظر في مواجهة الولايات المتحدة، ورفعت واشنطن عتبة المواجهة وأرادت اللجوء، على سبيل المثال، إلى سلاح نووي تكتيكي، فقد يتوافر عندها احتمال تغيير إيران عقيدتها النووية عملياً، رغم وجود عقبات ومشكلات في الوقت الراهن.
ويشير الخبير الإيراني إلى أن ثمة تقارير وتصريحات أميركية خلال الشهور الماضية حول احتمال استخدام سلاح نووي ضد إيران، قائلاً إن هذا الاحتمال قد تصاعد أخيراً عقب تصريحات سيدة الأعمال الأميركية مارجوري تايلور غرين، وهي من المؤيدين السابقين للرئيس الأميركي دونالد ترامب. وقال إن غرين ذكرت أنّ موضوع شن هجوم نووي تكتيكي على إيران نوقش بجدية داخل أوساط في البيت الأبيض.
ويضيف الخبير الإيراني أن هذا النوع من الأنباء لا يمكن أن يظل بعيداً عن أنظار المسؤولين الإيرانيين، معتبراً أنّ تصريحات محسن رضائي تعني أن دوائر صنع القرار العليا، وعلى مستوى إعداد السيناريوهات، خلُصت إلى احتمال تصاعد التهديدات الأميركية ضد إيران إلى درجة قد تجعلها مضطرة إلى تغيير عقيدتها النووية.
هل إيران قادرة على تصنيع السلاح النووي؟
وعما إذا كانت الجمهورية الإسلامية الإيرانية قادرة فعلاً على تصنيع سلاح نووي في ظل هذه الظروف وبعد قصف منشآتها النووية، يوضح قهرمان بور أنه لا يوجد تقييم موحّد في هذا الشأن، مشيراً إلى أنّ المتفائلين، أو الذين يرون أنّ إيران قادرة على تصنيع السلاح، يعتقدون أنّ البنية التحتية النووية الموجودة تحت الأرض في إيران قد تتيح لها تنفيذ هذه العملية في منشآت سرّية.
ويضيف أنّ إيران تمتلك أيضاً احتياطيات اليورانيوم المخصب بنسبة 60% البالغ حجمها أكثر من 400 كيلوغرام، وأن تحويلها إلى اليورانيوم المخصب بنسبة 90% لصناعة القنبلة النووية “ليس عملية معقدة أو طويلة زمنياً إلى حد كبير”، الأمر الذي يجعل هذا الاحتمال قائماً عملياً، بحسب تقديره.
ويرى قهرمان بور أن هناك أيضاً متشائمين يعتقدون أن إيران لا تستطيع تنفيذ هذه العملية بسهولة، بالنظر إلى الاختراق الاستخباري الأجنبي لبرنامجها النووي، فضلاً عن الأضرار التي ألحقتها الولايات المتحدة وإسرائيل بالمنشآت النووية الإيرانية.
بدوره، يقول الخبير الإيراني علي رضا تقوي نيا إنّ تصريحات رضائي بشأن أهمية امتلاك القنبلة النووية وحديثه عن عدم جدوى العضوية في معاهدة عدم الانتشار النووي تعكس “موقفاً واضحاً وصريحاً” مفاده أنّ عضوية إيران فيها لم تمنع الحرب عليها، وهو ما يظهر، على حد تعبيره، مدى الحاجة إلى القنبلة النووية لضمان الأمن القومي.
ماذا يعني الخروج من عدم الانتشار النووي؟
ويلفت تقوي نيا إلى أنّ ما يزيد من أهمية تصريحات رضائي أنه سبق أن تحدّث أيضاً عن احتمال خروج إيران من معاهدة حظر الانتشار النووي، معبرّاً عن قناعته بأنّ الخروج من المعاهدة يعني، في تقديره، امتلاك سلاح نووي، لأنّ الدول، كما يقول، لا تنسحب من هذه المعاهدة من أجل أن تبدأ حينها فقط في تصنيع السلاح، بل تنسحب منها بعد أن تكون قد أنجزت ذلك بالفعل، إذ إنّ أي تأخر في هذا المسار قد يفتح الباب أمام “هجوم الأعداء”.
ويخلُص إلى أن تكرار الحديث الإيراني عن احتمال الخروج من المعاهدة قد يدلّ، على حد وصفه، على أنّ “بعض الخطوات قد أُنجزت بالفعل”.
ويضيف تقوي نيا أن تكرار طرح مسألة الخروج من معاهدة حظر الانتشار على لسان أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني يرجح، بحسب رأيه، اتخاذ قرارات في المستويات العليا بهذا الشأن، وأن تنفيذها سيجرى تدريجياً مع مرور الوقت.
ويذهب إلى أنّ ترامب شنّ هذه الحرب أساساً لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي، وعمد إلى اغتيال المرشد الراحل علي خامنئي الذي لم يكن يؤمن بخيار امتلاك السلاح النووي، لكن القيادة الجديدة تختلف رؤيتها، بحسب تعبيره، حول هذا الملف بعد العدوان.
ويرجح أن تُقدم إيران، قبيل الانتخابات التهميدية الأميركية في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، على خطوات معينة لم يحدّدها، وقد يكون من بينها الخروج من معاهدة حظر الانتشار أو الكشف عن سلاح نووي، مضيفاً أن بلاده حالياً خارج المعاهدة بالفعل من دون الإعلان عن ذلك، لأنّ الخارج لا يعرف ما الذي يجري داخل إيران من أنشطة نووية، ولأنّ رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية والقوى الغربية لم تعد موجودة، وفق قوله.
ويشدد المحلل الإيراني المحافظ على أن السلاح النووي يتمتع بفاعلية عالية، خلافاً لما كان يقوله بعض المسؤولين سابقاً عن عدم جدواه وصعوبة استخدامه.
ويعتبر أنّ أي دولة تشعر بخطر وجودي ستلجأ حتماً إلى السلاح النووي، مضيفاً أنّ الدول المالكة هذا السلاح حتى الآن لم تواجه تهديداً وجودياً يدفعها إلى استخدامه، بينما إيران، بعد اغتيال قيادتها وتجاوز الخطوط الحمراء، باتت ترى أنها أمام خطر بقاء حقيقي، ما يجعل التوجه نحو هذا الخيار ضرورياً لضمان الأمن والاستمرار، بحسب قوله.
هل سيشكل امتلاك إيران القنبلة النووية رادعاً؟
من جانبه، يقول الخبير الإيراني صلاح الدين خديو، إنّ امتلاك السلاح النووي، عندما تصل الدولة إلى مرحلة متقدمة ومتكاملة في هذا المجال، يوفر لها “رادعاً أمنياً أساسياً”، ويمنحها نوعاً من الحصانة في مواجهة خيارات مثل؛ الاحتلال الأجنبي والسيطرة على أراضيها، وهي خيارات لا تزال مطروحة، في حالة إيران، من جانب أعدائها.
ويضيف أنّ الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب امتلاك دورة إنتاج السلاح النووي، فضلاً عن امتلاك وسائل إطلاقه، موضحاً أنّ السؤال الرئيسي لا يتعلق بالمرحلة النهائية فحسب، بل بكيفية اجتياز المرحلة الانتقالية التي تسبقها، والمدة التي تستغرقها، وما يمكن أن يحدث خلالها.
ويقول خديو: “أعتقد أننا نعيش حالياً وسط هذه المرحلة الانتقالية”، مضيفاً أنه حتى لو لم يتحدث رضائي عن هذا الخيار، فمن المحتمل أن يكون استراتيجيون آخرون في الجمهورية الإسلامية، أو أن تكون دوائر النظام بصورة عامة قد أخذته في الحسبان.
ويرى أنّ أهمية هذه المرحلة تكمن في التساؤل عما إذا كان أمن إيران سيصبح أكثر عرضة للخطر خلالها، وما إذا كان الطرف الآخر قد يُقدم، لأي سبب كان، على مهاجمة إيران لمنعها من التحوّل إلى دولة تمتلك القنبلة النووية.
ويتابع أنه إذا طال أمد هذه المرحلة الانتقالية، أو حتى إذا تمكّنت إيران من امتلاك سلاح نووي تكتيكي واحد أو اثنين، فسيطرح ذلك سؤالاً مهماً حول ما إذا كانت دول أخرى، مثل تركيا والسعودية وغيرها، ستتجه بدورها إلى الخيار النووي.
ويلفت خديو إلى أنّ تحوّل دول المنطقة إلى دول نووية سيطرح تساؤلات حول ما إذا كانت المعادلات الأمنية الإقليمية ستحتاج مجدداً إلى مراجعة وإعادة تعريف، وما إذا كانت إيران ستصبح أكثر عرضة للخطر أو أكثر أمناً.



