لبنان..المال ينضب والوقت ينفد!

ترنحت عملة البلاد مع تعثر الجهود الفرنسية، بعد أن فقدت أكثر من 80 في المئة من قيمتها ‏أمام الدولار الأمريكي منذ الخريف الماضي.‏

ميدل ايست نيوز: يبتلع خزان الوقود في سيارة اللبناني فؤاد خماسي حوالي 40 ألف ليرة كل يوم، لكن هذا الرقم قد ‏يتضاعف لأربعة أمثاله على الأقل إذا توقف الدعم.‏
لا يستطيع سائق السيارة الأجرة، البالغ من العمر 53 عاما، سوى شراء الوقود لسيارته والطعام ‏لأطفاله. أصبح يعيش في غلالة من القلق، تحاصره المخاوف من أن تقفز أسعار الغذاء ‏والواردات الأساسية المدعومة، كالقمح والوقود والدواء، وتناطح السحاب.‏
الوقت ينفد والمال ينضب في لبنان.‏
قال خماسي “هذه أصعب أيام حياتي.. في بعض الأيام، تضع يدك في جيبك فلا تجد شيئا… ‏أغادر المنزل وليس بوسعي سوى الدعاء”.‏
هوت احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي بشدة دون ما كانت تعتبره الدولة بالفعل “مستويات ‏خطيرة” عندما تخلفت عن سداد ديونها الضخمة في آذار (مارس)، في دلالة على أنها لا تستطيع ‏تحمل تكلفة الحفاظ على الدعم لفترة طويلة.‏
ولم يضع القادة، الذي يقبضون منذ عقود على زمام السلطة في البلاد، خطة للإنقاذ المالي حتى ‏الآن، بعد عام من احتجاجات ضخمة اجتاحت البلاد، وفشلوا في تأمين المساعدات من المانحين ‏الأجانب.‏
كما تعثرّت المحادثات مع “صندوق النقد الدولي” في وقت سابق من هذا العام عندما عجز ‏مسؤولو الحكومة والمصرفيون والأحزاب السياسية عن الاتفاق على حجم الخسائر في النظام ‏المالي ومن يجب أن يتحملها.‏
وبعد الانفجار الكبير في مرفأ بيروت في آب (أغسطس) الذي أودى بحياة ما يقرب من 200 ‏وأحدث أضرارا بمليارات الدولارات، تدخلت فرنسا القوة الاستعمارية السابقة.‏
لكن الساسة الطائفيين المتنافسين لم يتمكنوا من تجاوز أول عقبة تقابلهم في خارطة الطريق ‏الفرنسية للحصول على المساعدة المالية. كانت تلك العقبة تشكيل حكومة جديدة بشكل سريع.‏
وترنحت عملة البلاد مع تعثر الجهود الفرنسية، بعد أن فقدت أكثر من 80 في المئة من قيمتها ‏أمام الدولار الأمريكي منذ الخريف الماضي.‏
في غضون ذلك، تسببت تعليقات المسؤولين التي تشير إلى وقف بعض الدعم خلال أشهر في ‏عمليات شراء بدافع الذعر، لتطل أشباح نقص الغذاء وانهيار أشد مأساوية لقيمة العملة.‏
أصبح كثيرون يستعدون للجوع والبرد مع اقتراب الشتاء في دولة يبلغ عدد سكانها ستة ملايين ‏نسمة، يعيش أكثر من 55 في المئة منهم تحت خط الفقر.‏

إرجاء التعامل مع المشكلة

قال ناصر سعيدي نائب حاكم مصرف لبنان (البنك المركزي) السابق لرويترز إن كل ما حدث ‏منذ تشرين الاول (أكتوبر) الماضي كان من الممكن تفاديه.‏
أضاف أن توجيه المساعدات إلى اللبنانيين الأشد فقرا هو إجراء أكثر فعالية من الدعم الشامل ‏الذي استفاد منه المهربون الذين ينقلون البضائع إلى سوريا.‏
وأوضح أن الأمر يتعلق بإرجاء التعامل مع المشكلة وأن ما كان ينبغي عمله يتمثل في خطة ‏اقتصادية ومالية شاملة.‏
من جانبهم، حذّر مستوردو السلع الأساسية إنهم لم يتم إعطاؤهم جدولا زمنيا يوضح إلى متى ‏يمكن أن يستمر الدعم.‏
وقال حاكم مصرف لبنان رياض سلامة إن المصرف لا يمكنه تمويل التجارة إلى أجل غير ‏مسمى، إلا أنه لم يحدد إطارا زمنيا. وقال الرئيس اللبناني ميشال عون في الآونة الأخيرة في ‏إشارة لاحتياطيات البلاد إن المال سينفد، “ماذا نقول؟”.‏
الى ذلك أعلن مصدر مسؤول مقرب من الحكومة لرويترز أن الأموال المتبقية للدعم ستستمر ‏لستة أشهر أخرى عبر قطع الدعم عن بعض السلع.‏
وتتراشق الدولة، التي يصفها المعارضون بأنها غارقة في الفساد، والقطاع المصرفي المشلول، ‏وهو أكبر دائنيها، بسهام النقد في معركة المسؤولية عن الأزمة.‏
في غضون ذلك، تزداد الفجوة اتساعا بين الفقراء والأثرياء، رغم أنها بالفعل تقف بين أكبر ‏نظيراتها في المنطقة. وفي بلد ينتج القليل ويعتمد بشكل كبير على الواردات، تضاعفت أسعار ‏الكثير من المواد الاستهلاكية حتى حفاضات الأطفال التي زاد سعرها لثلاثة أمثال.‏
وفي بيروت، يبحث رجال ونساء، بعضهم برفقة أطفال صغار، عن الطعام في حاويات القمامة، ‏قرب مفترقات الطرق في مشهد يمكن أن يتكرر كثيرا.‏

‏ تخزين الأدوية

بعد شهرين من انفجار المرفأ، يتوقع اللبنانيون حياة أشد قسوة.‏
تعتمد الكثير من العائلات الآن على المؤسسات الخيرية. وقد يدفع الانهيار الاقتصادي الناس ‏للاعتماد بشكل أكبر على الفصائل السياسية في الحصول على المساعدات والأمن، في ردة إلى ‏عصر الميليشيات إبان الحرب الأهلية.‏
وكان بعض المحللين قد حذروا من أن قوات الأمن التي تتراجع قيمة رواتبها بسرعة لن تكون ‏قادرة على احتواء الاضطرابات المتزايدة.‏
وتتحمل المستشفيات ما يفوق طاقتها تحت وطأة الزيادة في حالات كوفيد-19. وأظلمت شوارع ‏المدينة بفعل نقص الوقود. ووقفت السيارات في طوابير أمام المحطات للحصول على حصتها.‏
وقالت سهام عيتاني الصيدلانية التي تشعر بالخوف من ارتفاع الأسعار والتعرض للسرقة “نحن ‏خائفون من ألا نتمكن من الاستمرار” مضيفة أن إمدادات الأنسولين وأدوية ضغط الدم تراجعت ‏بالفعل.‏
وذكرت صيدلانية أخرى أن رجلا كان يخفي وجهه وراء قناع احتجزها تحت تهديد السلاح ‏وطلب منها طعاما لطفل رضيع.‏
وقام مصطفى المهلهل، الذي يبلغ من العمر 62 عاما ويعاني من السكري، بتخزين أربع قوارير ‏من الأنسولين في ثلاجته، لكنها فسدت بفعل انقطاع التيار الكهربائي.‏
وسأل “لو ارتفع السعر، كيف سأدفع ثمنها؟.. سيموت الناس في الشوارع”.‏
تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
بواسطة
النهار
المصدر
رويترز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان × 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى