الصحافة الإيرانية: هل يعيد العراق رسم خريطة صادراته النفطية عبر سوريا وتركيا؟
تكشف دراسة المقترحات المطروحة أمام العراق وسوريا عن تدفق استثمارات كبيرة نحو خطوط أنابيب الطاقة الرئيسية في المنطقة بهدف تقليل اعتماد سوق الطاقة العالمي على مضيق هرمز.
ميدل ايست نيوز: أدت حرب إيران إلى إلحاق أضرار جسيمة بالعراق ربما أكثر من أي طرف آخر في المنطقة، إذ دفعت صادراته النفطية إلى ما يقارب الصفر، وهو أمر قد يعني لدولة تعتمد بشكل كامل تقريبًا على النفط اندلاع اضطرابات ومخاوف داخلية.
تقول صحيفة شرق الإيرانية في تقرير لها، إن هذه الأزمة قد دفعت العراقيين حاليًا إلى طرح مقترحات متعددة للالتفاف على مضيق هرمز. وفي هذا السياق، تسعى الولايات المتحدة بالتعاون مع سوريا إلى إعادة إحياء خط أنابيب نقل النفط كركوك – بانياس. إلا أن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، إذ تكشف دراسة المقترحات المطروحة أمام العراق وسوريا عن تدفق استثمارات كبيرة نحو خطوط أنابيب الطاقة الرئيسية في المنطقة بهدف تقليل اعتماد سوق الطاقة العالمي على مضيق هرمز.
صادرات النفط العراقية في حالة شلل
أدت الحرب في المنطقة وإغلاق مضيق هرمز إلى وصول صادرات النفط العراقية إلى مستويات شبه معدومة. وأعلن المرصد الاقتصادي العراقي «إيكو عراق» أن العراق فقد، منذ إغلاق مضيق هرمز وحتى نهاية يونيو 2026، نحو 350 مليون برميل من صادراته النفطية بقيمة 37.7 مليار دولار.
وبحسب التقرير، كان العراق يصدر قبل إغلاق مضيق هرمز ما بين 103 و107 ملايين برميل من النفط شهريًا، إلا أن إغلاق المضيق أدى إلى انخفاض صادراته الشهرية بما يتراوح بين 79 و93 مليون برميل.
ويأتي نشر هذا التقرير في وقت يعتمد فيه الاقتصاد العراقي بشكل كبير على النفط، إذ أثار الانخفاض الحاد في صادراته مخاوف واسعة من تزايد حالة عدم الاستقرار في البلاد. وفي هذا السياق، نقل موقع «ميدل إيست نيوز» عن مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس قولها إن توقف صادرات النفط عبر مضيق هرمز يعرّض العراق لخطر اندلاع صراعات داخلية.
وأضافت كالاس: «إن اضطراب صادرات النفط العراقية عبر هذا الممر المائي جعل الحكومة في بغداد عاجزة عن توفير ميزانية الخدمات العامة، وعرّض البلاد لخطر جدي يتمثل في اندلاع صراعات داخلية، لأن الجزء الأكبر من إيرادات الحكومة العراقية لتقديم الخدمات العامة يأتي من صادرات النفط عبر مضيق هرمز، وإذا لم تتمكن الحكومة من توفير الخدمات اللازمة للمواطنين، فإن خطر التوترات والصراعات الداخلية سيزداد».
وفي ظل ذلك، يسعى العراق بجدية أكبر إلى إيجاد مسارات بديلة عن مضيق هرمز، ويتابع عدة مشاريع للنقل والترانزيت في هذا المجال، بدءًا من مشروع «الشام الجديد» و«طريق التنمية»، وصولًا إلى إعادة إحياء وتطوير خط أنابيب كركوك – بانياس.
إحياء خط أنابيب كركوك – بانياس على أجندة الولايات المتحدة
أفاد موقع «ميدل إيست آي» بأن العراق وسوريا والولايات المتحدة يعتزمون إعادة إحياء خط الأنابيب التاريخي الممتد لمسافة 500 ميل نحو سواحل البحر المتوسط، في خطوة تندرج ضمن الجهود الرامية إلى تقليل النفوذ الإيراني على مضيق هرمز.
ووفقًا للموقع، فقد أكد مسؤولون عراقيون وإقليميون كبار هذا الأمر، ومن المقرر الإعلان عن المشروع بالتزامن مع زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى البيت الأبيض ولقائه دونالد ترامب.
وأوضحت المصادر أن توم باراك، السفير الأمريكي لدى تركيا والمبعوث الخاص لواشنطن لشؤون سوريا والعراق، عمل قبل زيارة الزيدي على تفاصيل هذا الاتفاق، مشيرة إلى أن زيارة رئيس الوزراء العراقي قد تشمل أيضًا عقد اتفاقات في ولاية تكساس، مركز صناعة الطاقة في الولايات المتحدة.
ونقل الموقع عن مسؤول عراقي رفيع قوله إن باراك أقام علاقة عمل جيدة مع الزيدي، ويرغب في تحويل خط الأنابيب هذا إلى نموذج لمشاريع اقتصادية في منطقة بلاد الشام، وهي مشاريع، بحسب قوله، ستصب في مصلحة الولايات المتحدة وحكومات المنطقة.
وافتُتح خط أنابيب كركوك – بانياس عام 1952، وكان ينقل 300 ألف برميل من النفط يوميًا، لكنه تعرض عام 2003، بعد الغزو الأمريكي للعراق، إلى تفجير أجزاء واسعة منه. وبعد أربع سنوات، حاولت شركة «غازبروم» الروسية إعادة إحياء الخط، لكن المشروع عُلّق بسبب عدم توفر التمويل الكافي.
وفي عام 2010، اتفقت روسيا والعراق على إنشاء خطي أنابيب جديدين من كركوك إلى بانياس، بطاقة نقل تبلغ 1.5 مليون و1.2 مليون برميل يوميًا لكل منهما، لكن المشروع لم يصل إلى نتيجة واضحة.
بعد ذلك، حاولت روسيا مجددًا ليس فقط إعادة إحياء خط كركوك – بانياس، بل أيضًا أن تصبح لاعبًا رئيسيًا في الساحة العراقية، خاصة أنها كانت تؤدي دورًا مشابهًا في سوريا.
ومنذ عام 2010، استثمرت روسيا مليارات الدولارات في تطوير حقول النفط العراقية، لأنها كانت ترى أن هذه الاستثمارات يمكن أن تقلل من نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة. وفي تلك الفترة، اعتبر العديد من المحللين أن تشغيل خط كركوك – بانياس بواسطة روسيا وبدعم من الحكومة العراقية يمثل مؤشرًا على تراجع المصالح النفطية والعسكرية الأمريكية في بلاد الرافدين.
من جانبها، كانت الحكومة العراقية آنذاك ترى أن إنشاء خط كركوك – بانياس سيُفشل طموحات الانفصاليين الأكراد المدعومين من الولايات المتحدة في المنطقة، لأن الخط يمكن أن يعزز دور الحكومة المركزية في حقول النفط شمال العراق.
وحظي التحالف العراقي الروسي لإحياء خط الأنابيب النفطي بترحيب من طهران، وفي عام 2014 طرحت إيران فكرة ربط حقولها النفطية بخط كركوك – بانياس، ما كان سيضع خطوط نقل الطاقة الرئيسية في الشرق الأوسط تحت نفوذ الكتلة الشرقية.
تغير مصير خط أنابيب نفطي مهم
لكن بعد الحرب الروسية الأوكرانية، ثم حرب إيران، تغير مصير هذا الخط بشكل كامل. فقد أدى ابتعاد السوق الأوروبية عن الشراكة في مجال الطاقة مع روسيا إلى تعزيز حضور المستثمرين الأمريكيين والأوروبيين في حقول النفط والغاز شمال العراق.
ومن جهة أخرى، أدى سقوط النظام في سوريا وخروج القوات الروسية منها إلى تغيير المشهد بالكامل. فبعد 13 عامًا من الحرب الأهلية وأكثر من نصف قرن من حكم حزب البعث، فر بشار الأسد إلى روسيا، وسيطرت الفصائل المسلحة المعارضة على دمشق.
ولم يقتصر ما حدث بعد ذلك على تغيير في بنية السلطة، بل أدى إلى إعادة تعريف كاملة لموقع سوريا في المنطقة. وخلال عام واحد، بدأت القيود المرتبطة بالعقوبات تُرفع تدريجيًا، وعاد المستثمرون الغربيون إلى دمشق، وطرحت خطط طموحة لتحويل سوريا إلى ممر للطاقة في شرق المتوسط.
ولم تبق هذه التحولات السياسية السورية مخفية، بل ظهرت بشكل علني مع الزيارة التاريخية للرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن في نوفمبر 2025، حيث أصبح أول زعيم سوري منذ استقلال البلاد عام 1946 يدخل البيت الأبيض ويلتقي دونالد ترامب، وقال في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز» إن الزيارة تمثل بداية لعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة.
كما ألقى الشرع في سبتمبر 2025 كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، في أول مشاركة لرئيس سوري في هذه المؤسسة الدولية منذ عام 1967. ووصف خلال اللقاء سقوط نظام الأسد بأنه «بداية مرحلة تاريخية جديدة»، مؤكدًا على المصالح المشتركة مع الغرب.
ودفعت الحرب في إيران سوريا إلى طرح مشروع «البحار الأربعة» باعتباره مسارًا بديلًا لمضيق هرمز. ويهدف المشروع إلى ربط أربعة مسطحات مائية رئيسية، هي الخليج والبحر المتوسط وبحر قزوين والبحر الأسود، عبر الأراضي السورية والتركية.
ويُعرف هذا المشروع أيضًا باسم «مبادرة الممر 9»، ويهدف إلى تحويل سوريا وتركيا إلى مركز كبير لنقل وتوزيع الطاقة. وقد طرح توم باراك، المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، هذا المشروع رسميًا في المجلس الأطلسي.
وفي سياق هذا المسار، طُرحت مجددًا فكرة إعادة إحياء خط كركوك – بانياس، الذي سيربط العراق وسوريا بالبحر المتوسط بالتعاون مع الولايات المتحدة. وقبل ذلك، قدمت تركيا للعراق مقترحات متعددة لتجاوز مسار مضيق هرمز، وتوصلت معه إلى اتفاقات بهذا الشأن.
وقبل فترة، أعلن وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار، في مقابلة مع وكالة الأناضول، عن اقتراح قدمته تركيا للعراق يهدف إلى ربط منطقة البصرة النفطية جنوب العراق بشمال البلاد، بحيث يتمكن العراق من تصدير نفطه من الشمال إلى تركيا ثم إلى أوروبا دون الحاجة إلى المرور عبر مضيق هرمز.
وينقل خط الأنابيب العراقي التركي نفط كركوك إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط. وتبلغ طاقته أكثر من 1.5 مليون برميل يوميًا، ويمكنه تصدير كمية كبيرة من النفط العراقي دون الحاجة إلى الخليج ومضيق هرمز.
كما أعاد بيرقدار طرح فكرة إنشاء خط أنابيب غاز من قطر إلى تركيا، يمر عبر عدة دول من بينها السعودية والأردن وسوريا. وقال: «بهذا الشكل لن تكون هناك حاجة إلى تصدير الغاز الطبيعي المسال. وفي الوقت الحالي لا يمكنكم أيضًا المرور عبر هرمز. تخيلوا الآن نقل كمية من الغاز عبر خط أنابيب إلى تركيا وأوروبا. نحن نفتح لكم مسار تصدير بديلًا».
كما أفادت وكالة تسنيم في مايو 2026 بأن تركيا وقعت اتفاقًا مع العراق تشتري بموجبه الحكومة العراقية 20 منظومة دفاع جوي من تركيا بهدف تأمين حقول النفط والغاز.
وتكتسب هذه الصفقة أهمية أكبر بالنظر إلى أن جزءًا كبيرًا من حقول النفط والغاز العراقية يقع شمال البلاد بالقرب من تركيا، حيث تنشط استثمارات أمريكية وإماراتية وإسرائيلية، وتسعى هذه الجهات إلى ضمان إمدادات مستقرة من الطاقة إلى أوروبا عبر الحقول الشمالية العراقية.
وقد تعرضت هذه الحقول مرارًا لأضرار خلال الهجمات الصاروخية الإيرانية على مواقع الجماعات المعارضة لإيران.



