الصحافة الإيرانية: مخاوف من تحول مضيق هرمز الاستراتيجي إلى طريق مسدود ومكلف
تخلص آراء الخبراء والوقائع الميدانية إلى أن مضيق هرمز، بوصفه ورقة ضغط، يقترب من فقدان فاعليته. كما أن الإصرار على إدارة هذا الممر من منظور عسكري من دون غطاء دبلوماسي، قد يتحول إلى تمسك بخيار لم يعد مجدياً.
ميدل ايست نيوز: في وقت لم تعد فيه أمواج الخليج تستقبل السفن التجارية العملاقة بقدر ما تشهد تحركات القطع العسكرية وتبادل إطلاق النار بين طهران وواشنطن، يبرز سؤال محوري في الساحة السياسية الإيرانية: هل ما زالت ورقة مضيق هرمز تحتفظ بقدرتها السابقة على المناورة والضغط؟
وتشير قراءة التطورات الميدانية وردود الفعل الدولية إلى وجود مفارقة معقدة. فمن جهة، يُطرح إغلاق هذا الممر المائي الاستراتيجي بوصفه حقاً سيادياً وأداة ردع في مواجهة الهجمات الأمريكية، ومن جهة أخرى، فإن استمرار هذا الوضع وتحول أخبار المواجهات إلى أمر اعتيادي بالنسبة للأسواق العالمية، يؤدي تدريجياً إلى إضعاف فاعلية هذه الورقة الاستراتيجية.
والواقع أن عامل الوقت يمثل عنصراً بالغ الأهمية في المعادلات الدولية، وإذا لم تتمكن إيران من توظيف ورقة مضيق هرمز في اللحظة الدبلوماسية المناسبة، فقد تتحول هذه الفرصة إلى تهديد لمكانتها الجيوسياسية. وفي الوقت الذي تراجع فيه حجم حركة الملاحة في المنطقة إلى أدنى مستوياته منذ عقود، تبرز الحاجة إلى العودة إلى طاولة المفاوضات، ليس من منطلق الضعف، وإنما باعتبارها ضرورة لترسيخ السيادة الوطنية.
وأكدت إيران باستمرار أن المرور عبر مضيق هرمز يجب أن يُفهم في إطار حقوق الدولة الساحلية، وأمن الممر الملاحي، ومبدأ المرور البريء، والاعتبارات الدفاعية المشروعة. وكان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قد صرح سابقاً بأن “مسؤولية إعادة فتح مضيق هرمز واستعادة حركة الملاحة إلى ما كانت عليه قبل الحرب، تقع على عاتق إيران بموجب التفاهم، ولا تتحمل أي دولة أو جهة أخرى مسؤولية ذلك”.
ويشير هذا الموقف إلى أن قضية مضيق هرمز لا تتعلق فقط بعبور السفن، بل تشمل أيضاً المرجعية الأمنية والقانونية المنظمة لحركة الملاحة باعتبارها جزءاً أساسياً من التفاهم. ومع ذلك، فإن دخول الأطراف الأوروبية على خط هذه القضية زاد من تعقيدها، إذ يسعى الغرب إلى تصوير مرور السفن عبر مسارات خارج الآلية المتفق عليها مع إيران على أنه يندرج ضمن حرية الملاحة، في حين ترى طهران أن هذا المسار يمثل إخلالاً بالترتيبات المتفق عليها.
تبلد الأسواق وتراجع فاعلية “ورقة هرمز”
ورغم كل ذلك، فإن أحد أهم جوانب المواجهة الأخيرة يتمثل في سلوك أسواق الطاقة العالمية تجاه التوترات في مضيق هرمز. فعلى خلاف العقود الماضية، عندما كانت أي تحركات عسكرية محدودة في المنطقة تؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، برزت اليوم ظاهرة يمكن وصفها بـ”تبلد الأسواق”.
ونجح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من خلال سياساته، في جعل أسواق النفط أقل تأثراً تدريجياً بأخبار الحرب. فبعدما ارتفع سعر النفط مع بداية الحرب من 70 دولاراً إلى 140 دولاراً للبرميل، لم تعد الأسعار تُظهر استجابة ملحوظة حتى مع أشد المواجهات العسكرية.
هذه كانت الورقة التي فقدتها كل من إيران وروسيا، إذ إن تبلد الأسواق يقلص بصورة كبيرة قدرة طهران على التفاوض. وعندما لا يؤدي إغلاق مضيق هرمز إلى إحداث صدمة في الاقتصاد العالمي، فإن الإصرار على استمرار هذا الوضع قد لا يزيد الضغط على الخصوم، بل قد يؤدي إلى مزيد من العزلة وارتفاع تكاليف إعادة إعمار البنية التحتية المتضررة داخل البلاد.
وتظهر البيانات الأخيرة تراجع حركة السفن عبر مضيق هرمز بنسبة 90%. وخلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، عبرت 11 سفينة تجارية فقط المضيق. ورغم تأكيد ترامب أن المضيق لا يزال مفتوحاً، فإن الخرائط الدولية تشير إلى انخفاض حركة الملاحة، فيما أعلن الحرس الثوري الإيراني في آخر بيان له أن مضيق هرمز مغلق.
ويعني هذا الانخفاض أن العالم بدأ يبحث عن مسارات بديلة أو يتحمل تكاليف الالتفاف على المنطقة.
وتخلص آراء الخبراء والوقائع الميدانية إلى أن مضيق هرمز، بوصفه ورقة ضغط، يقترب من فقدان فاعليته. كما أن الإصرار على إدارة هذا الممر من منظور عسكري وأمني فقط، من دون غطاء دبلوماسي، قد يتحول إلى تمسك بخيار لم يعد مجدياً. فالقوة الحقيقية لإيران في مضيق هرمز لا تكمن في إغلاقه، وإنما في “القدرة على إدارته دبلوماسياً”.
إذا تمكنت إيران من استثمار هذا الموقع للحصول على مكاسب مستدامة على طاولة المفاوضات، فإنها ستكون قد عززت سيادتها. أما إذا سمحت بتحول هذه القضية إلى أمر اعتيادي لا يؤثر في الأسواق العالمية، فإنها ستكون قد خسرت أهم أصولها الجيوسياسية. الدبلوماسية هنا لم تعد خياراً، بل أصبحت السبيل الوحيد لاستعادة قيمة ورقة إيران في الخليج. وكما أشار أستاذ السياسات العامة كيومرث اشتياريان، فإنه لا ينبغي السماح بتحويل السياسات الوطنية الكبرى إلى أدوات للصراع بين التيارات السياسية، لأن أمن مضيق هرمز قضية وطنية لا يمكن ضمانها إلا عبر دبلوماسية ذكية وشاملة.



