الصحافة الإيرانية: استمرار الدبلوماسية أفضل طريق لحماية مصالح إيران
إن أي خطوة تمنح الولايات المتحدة مبرراً أو شرعية لشن هجمات جديدة، أو تزيد من احتمال تعاون دول الناتو معها في التدخل بالأزمة، لا تصب في مصلحة إيران.
ميدل ايست نيوز: عاد التوتر ليتصاعد في مضيق هرمز يوم السبت الماضي، بعد نحو 48 ساعة من الهدوء النسبي في المنطقة. وأدى استمرار حالة شبه الحرب في هذا الممر المائي الاستراتيجي، إلى جانب الغموض الذي يحيط بمذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، إلى زيادة المخاوف من احتمال اندلاع الحرب مجدداً.
يقول إحسان هوشمند، باحث في الشؤون الإيرانية والكردية والاجتماعية والعرقية، في مقال لصحيفة شرق، إن ضغوط التيارات الداعية إلى الحرب تصاعدت في كل من الولايات المتحدة وإيران، ما زاد من الغموض بشأن إمكانية التوصل إلى نتائج حول مذكرة التفاهم القائمة وتسوية القضايا العالقة بين البلدين.
لا تهدف هذه المقالة إلى مناقشة الأهداف المعلنة أو الخفية التي سعت إليها الولايات المتحدة، بوصفها الطرف الذي بدأ الهجمات والحرب، أو الوسائل التي استخدمتها لتحقيق تلك الأهداف، ولا إلى تناول رد إيران العسكري والدفاعي بعد تعرضها لهجوم من الولايات المتحدة وإسرائيل، أو الدور الذي لعبته وساطة باكستان وقطر وعدد من دول المنطقة في تهيئة الظروف لاستئناف النشاط الدبلوماسي، بل تسعى إلى طرح مسألة أساسية تتمثل في تحديد ما يتوافق مع المصالح الوطنية في خضم هذا التوتر والحرب، وما الأولويات التي ينبغي مراعاتها للحفاظ على تلك المصالح وتعزيزها.
أولاً، ينبغي الإشارة إلى أن أياً من القوى العسكرية الأوروبية أو دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) لم يشارك إلى جانب الولايات المتحدة في الحرب ضد إيران، كما أن الضغوط والجهود التي بذلها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإدارته لم تتمكن من دفع دول الحلف، مثل فرنسا وبريطانيا وغيرها، إلى الانخراط الكامل في حرب الخليج.
ورغم أن اندلاع الحرب وتعطل حركة ناقلات النفط والسفن التجارية ألحقا أضراراً اقتصادية ملحوظة بالدول الأوروبية وغيرها، وأسفرا عن تقييد إمدادات النفط وارتفاع معدلات التضخم، وما ترتب على ذلك من أعباء اقتصادية، فإن تلك الدول لم تنخرط عسكرياً في المواجهة.
ثانياً، شهد الرأي العام الدولي تعاطفاً متزايداً مع إيران، بينما تعرضت الولايات المتحدة وإسرائيل، بوصفهما الطرفين اللذين بدآ الحرب، لانتقادات واسعة. كما فرضت وسائل الإعلام ضغوطاً غير مسبوقة على الولايات المتحدة، إلى درجة أن الرئيس الأمريكي أشار صراحة إلى هذه الضغوط الإعلامية.
ثالثاً، على الصعيد الداخلي، تشكلت بعد أحداث يناير 2026 أجواء من التضامن والوحدة، ولم تتمكن الدول المهاجمة من إيجاد أي حاضنة أو دعم داخل إيران. وإذا كان بعضهم قد اعتقد مع بداية الهجمات، ولا سيما خلال الحرب الأخيرة، أن جزءاً من المجتمع الإيراني الساخط قد يقف إلى جانب الولايات المتحدة، فإن ذلك لم يتحقق على أرض الواقع.
ومع ذلك، استمرت خلال هذه الفترة موجة التضخم التي بدأت في الشتاء، وامتدت بقوة إلى الربيع والشهر الأول من الصيف، ما فرض ضغوطاً معيشية كبيرة على شريحة واسعة من الإيرانيين، خاصة مع تسارع تضخم أسعار المواد الغذائية، الأمر الذي زاد من الأعباء الواقعة على الفئات ذات الدخل المحدود والمتوسط.
وعادة لا تقتصر آثار الحروب على الخسائر البشرية من قتلى وجرحى بين العسكريين والمدنيين، بل تشمل أيضاً تدمير البنية التحتية والمنشآت الصناعية والاقتصادية، وتؤدي في نهاية المطاف إلى ركود اقتصادي وتعطل العديد من الأنشطة الاقتصادية. كما أن القيود الأخيرة على الملاحة البحرية كانت لها تبعاتها الخاصة، ما أدى إلى زيادة الضغوط على حياة المواطنين اليومية.
ولنفترض، استناداً إلى تكهنات بعض وسائل الإعلام والمحللين، أن الولايات المتحدة تعتزم بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الانسحاب من مذكرة التفاهم وبدء موجة جديدة من الهجمات العسكرية والحرب. في مثل هذه الحالة، ما النهج الذي ينسجم مع المصالح الوطنية للإيرانيين؟ هل ينبغي المبادرة بالانسحاب من مذكرة التفاهم وبدء العمليات العسكرية، أم البحث عن خيارات أخرى؟
أولاً، إن أي خطوة تمنح الولايات المتحدة مبرراً أو شرعية لشن هجمات جديدة، أو تزيد من احتمال تعاون دول الناتو معها في التدخل بالأزمة، لا تصب في مصلحة إيران. فكلما ارتفعت قدرة واشنطن على بناء إجماع دولي وجذب دول أخرى إلى هذا النزاع، أصبحت المصالح الوطنية الإيرانية أكثر عرضة للخطر. ولذلك ينبغي تكثيف الجهود لمنع حدوث مثل هذا السيناريو، والحيلولة دون انخراط بقية أعضاء الناتو أو حلفاء الولايات المتحدة بشكل مباشر وكامل في الحرب.
كما أن ازدياد الضغوط الاقتصادية على دول الناتو وارتفاع التضخم الناجم عن زيادة أسعار النفط، وما يترتب عليه من أعباء على حياة المواطنين الأوروبيين، قد يرفع احتمالات تدخل هذه الدول في الحرب. بل إن هذا الوضع، إلى جانب الحملات الإعلامية التي تقودها وسائل الإعلام العالمية، قد يدفع الرأي العام الأوروبي أو شرائح منه إلى تأييد الحرب، وهو ما لا يخدم المصالح الوطنية الإيرانية.
ثانياً، إن ارتفاع معدلات التضخم العالمية سينعكس تلقائياً على إيران التي تعاني أصلاً من تضخم مرتفع، ما سيضاعف الضغوط على المواطنين. ففي الوقت الذي أصبحت فيه الأوضاع المعيشية صعبة بالنسبة لقطاع واسع من الإيرانيين، فإن انتقال موجة التضخم العالمية إلى الداخل سيزيد من الأعباء الاقتصادية ويؤدي في نهاية المطاف إلى استنزاف قدرة المجتمع على الصمود.
كما أن استمرار التوترات وتفاقمها، وما يرافق ذلك من استمرار الوضع الاقتصادي الحالي وارتفاع التضخم، سيؤدي إلى اتساع الفجوة بين المطالب والاحتياجات الاقتصادية للمواطنين وبين الواقع الذي يفرضه الغلاء وارتفاع الأسعار، وهو ما سيؤدي، إلى جانب حالة الغموض بشأن المستقبل، إلى تهيئة الظروف لتزايد حالة الاستياء.
وفي ظل هذه الظروف المعقدة، فإن السعي لإيجاد مخرج يحفظ الكرامة ويتيح تجاوز المرحلة الصعبة التي تواجهها البلاد يمثل مسؤولية كبرى، لأنه يشكل ضمانة للحفاظ على الأمن والتماسك الداخلي.
وفي الوقت الراهن، تمثل مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة الأداة الوحيدة القادرة، وسط هذه الاضطرابات، على أن تكون أساساً لعودة الهدوء والسلام إلى المنطقة. كما أن تصعيد التوتر لا يصب في مصلحة أي من طرفي النزاع، فيما يظل استمرار المسار الدبلوماسي النهج الأمثل لخدمة المصالح الوطنية، ولذلك ينبغي عدم تضييق المجال أمام الدبلوماسية أكثر من ذلك.



