هل تتجه طهران وواشنطن لإبرام اتفاقية جديدة؟

يبدو تجديد الاتفاق النووي أمراً بعيداً المنال مع تصعيد إيران لوتيرة برنامج التخصيب النووي، واستمرار العقوبات الأمريكية المُعوّقة في خنق تجارة إيران وقدراتها المالية.

ميدل ايست نيوز: يبدو أن نهاية الاتفاق النووي الإيراني أصبحت وشيكة، والأغرب أن هناك مؤشرات على تواطؤ أمريكي- إيراني على ذلك.

فالصعوبات التي تُواجهها عملية إعادة إحياء الاتفاق النووي تُؤكّد أنه قد مات ميتةً مخزية، حسبما ورد في تقرير لموقع Responsible Statecraft الأمريكي.

فرغم تصريح الرئيس الأمريكي جو بايدن بأنّ إعادة إحياء الاتفاق النووي تأتي على رأس أولويات إدارته، فإنه يبدو أنّ العكس هو ما حصل، إذ تعطّلت المفاوضات بسبب التأجيلات من الجانبين الأمريكي والإيراني، كما صرّحت كلتاهما بأنّ الوقت كاد ينفد لاستكمال التفاوض، فضلاً عن تغيّر الديناميكيات على الأرض بشكلٍ كبير، ما يقضى على أي سبب مقنع قد يدفع أمريكا أو إيران للعودة إلى طاولة المفاوضات الآن.

وحتى لو عادتا إلى الطاولة، فهل ستُحرزان أي تقدم، وهل يستحق الأمر عناء المحاولة لأيٍّ منهما؟

إذ يبدو تجديد الاتفاق النووي أمراً بعيداً المنال مع تصعيد إيران لوتيرة برنامج التخصيب النووي، واستمرار العقوبات الأمريكية المُعوّقة في خنق تجارة إيران وقدراتها المالية.

من الواضح أنّ “خطة العمل الشاملة المشتركة” القديمة قد ماتت، بينما يتفاوض الطرفان الآن على صفقةٍ جديدة في ثيابٍ قديمة، ويتعيّن على تلك الصفقة أن تستوعب الحقائق التي تُواجهها كل إدارة منهما في عامها الأول (إدارة بايدن في واشنطن وإدارة إبراهيم رئيسي في طهران)؛ إذ تُواجه كل إدارةٍ منهما أجندةً محلية مختلفة للغاية عن أجندات الإدارات السابقة وقت توقيع الاتفاق.

كما تغيّرت الأبعاد الدولية أيضاً بشكلٍ كبير منذ ذلك الحين، ويبدو أن فكرة الاتفاق “الأطول والأقوى”، الذي أمل بايدن أن يفرض قيوداً على الصواريخ الباليستية الإيرانية، لم تعد مطروحة، حسب الموقع الأمريكي.

فلقد تضاءلت المكاسب السياسية لإبرام صفقةٍ جديدة من منظور بايدن، خاصة أنه نجا من نتائج تخليه عن الوفاء بأحد وعوده الانتخابية المتعلقة بالسياسة الخارجية، حين انسحب من أفغانستان، ولا يمكن أن يلومه أحدٌ الآن إن حنث بوعدٍ انتخابيٍّ آخر، ما يعني أنه لا يتعرّض لنفس القدر من الضغوط، وليس مضطراً للمسارعة بإتمام صفقةٍ خطيرة مثل الاتفاق الإيراني.

أما من منظور إبراهيم رئيسي، فإنّ رفع العقوبات جزئياً هو أسوأ من الإبقاء على الوضع الراهن، خاصةً في حال أسفر تغيير الرئيس الأمريكي خلال ثلاث سنوات عن إعادة فرض العقوبات بالكامل من جديد.

فتخفيف العقوبات مؤقتاً سيضرب استقرار السوق الإيراني من جديد، حيث تكيّفت إيران خلال السنوات الثلاث الماضية، منذ فرض ترامب سياسة الضغط القصوى، على التعايش مع العقوبات. وقد نما اقتصادها بنسبة 6% العام الجاري، وصارت أقل اعتماداً على النفط، ووفقاً لإحصاءات الحكومة الإيرانية، نما إجمالي عائدات الصناعة غير النفطية الإيرانية بنسبة 83% خلال عامي 2019 و2020، متجاوزاً قطاع الطاقة الذي تضرَّر بسبب العقوبات.

كما زادت تجارة إيران مع جيرانها في الشرق، وتوجّه رئيسي إلى آسيا الوسطى في رحلته الخارجية الأولى كرئيس لإيران، حين وقّعت طهران، الشهر الماضي، على وثيقة الانضمام إلى منظمة شنغهاي للتعاون. وهي خطوةٌ قد تأتي مكاسبها ببطء، لكنها ستقلب موازين اللعبة.

علاوةً على ذلك، يُؤمن قادة إيران بأنّ الاتفاق الجديد لن يُعيد الشركات العالمية إلى أحضان طهران، لأنّ تخفيف العقوبات بموجب الاتفاق السابق لم يُحقّق الانفتاح المالي وتفاعل الشركات بالقدر الذي توقعه المفاوضون، لذا أوضحت المصارف والشركات الدولية هذه المرة أنّها لن تلتزم بأي اتفاق، لأنّ مسألة فرض عقوبات من جديد ستظل تلوح في الأفق.

وعلى المستوى الدولي، سنجد أنّ الأهداف قد تغيّرت، سواء في الولايات المتحدة أو إيران، إذ يُواجه بايدن معضلتين، أولاهما المعدلات المتسارعة التي تُخصّب بها إيران اليورانيوم بمعدلات تقترب من تلك المطلوبة لصناعة الأسلحة النووية، وتقديرات بعض الخبراء الأمريكيين التي أشارت إلى أن إيران باتت بحاجةٍ إلى شهرٍ واحد فقط لإنتاج قنبلةٍ نووية، ما يعني أن المعرفة والخبرات الإيرانية قد تطوّرت، وهذه حقيقةٌ لا يسعنا تغييرها الآن.

أما معضلة بايدن الثانية فهي إسرائيل، التي تُنفّذ منذ نحو عام حملة تخريبٍ سرية وشديدة التدمير ضد إيران لتقويض برنامجها النووي، إذ ترى إسرائيل أنّ أسلوبها المعتمد على إبقاء إيران في حالة تأهب دائمة، وتعطيل قدرتها على الإنتاج النووي، هو أسلوب يتمتع بالفاعلية والاستدامة، لكن هذا الأسلوب لا يفرض الضغوط على إيران وحسب، بل على المحادثات النووية أيضاً، حيث يُغذّي هذا الأسلوب شكوك إيران العميقة في الدوافع الأمريكية، ما يزيد تصلّب موقفها.

وقد تغيّرت البيئة الدولية بالنسبة للرئيس الإيراني رئيسي أيضاً، حيث انقلبت الموازين الاستراتيجية في المنطقة، مع سحب واشنطن قواتها من أفغانستان والعراق، ودخلت طهران الآن في محادثات جادة وجهاً لوجه مع السعودية والإمارات حول الأمن الإقليمي والحرب في اليمن.

كما انتعشت التجارة في منطقة الخليج، ومع تراجع شعور دول الخليج الغنية بالأمان من ناحية الدعم العسكري الأمريكي؛ بدأ زعماء تلك الدول في تحمّل مسؤولية المنطقة بأنفسهم، ما يُقلل دوافع طهران لتوقيع اتفاقٍ جديد مع واشنطن.

وهذه الأسباب التي تُشجّع الجانبين على التباطؤ تُشير إلى عدم وجود أي دوافع منطقية لدى أي منهما لإنجاح جولة المحادثات التالية في فيينا، علاوةً على أنّ الخلاف القائم بين الوكالة الدولية للطاقة الذرية وإيران من المرجح أن يبلغ ذروته خلال الأشهر المقبلة، ما سيدفع الوكالة إلى إدانة إيران رسمياً، أو رفع القضية إلى مجلس الأمن.

وفي الحالتين، سيُعرقل ذلك المفاوضات أكثر، كما سيُسفر على الأرجح عن إعادة فرض عقوبات الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.

لقد بدأت إسرائيل تنفيذ خطتها البديلة بالفعل؛ خطة “الموت بألف طعنة”، من أجل تقليل قدرات إيران النووية وربما زعزعة استقرار حكومتها، لكن الضغوط الخارجية هي في الواقع نعمةٌ سياسية من المنظور الإيراني، ما دام لم يصل الأمر إلى الغزو البري الشامل، إذ لا بأس من إثارة الغضب الشعبي وزيادة الدعم الوطني لتعبئة شعبٍ يشعر بالكثير من اليأس في الوقت الحالي.

أما بالنسبة لبايدن، فإنّ الصورة لا تبدو مبشرة، إذ يبدو أنّه لن يكون هناك مفرٌ من التدهور الواسع في أمن واستقرار المنطقة المحيطة بإيران، خاصةً مع تصاعد الاضطرابات الاجتماعية، واشتباكات الجيوش والميليشيات في الخليج، فضلاً عن زيادة الانهيار الإقليمي والهجمات الإرهابية العابرة للحدود.

يقول موقع Responsible Statecraft “إنه في ظل سعي بايدن للتركيز أكثر على تحديات الصين، فإنّ اشتعال منطقة الشرق الأوسط ببطء لن يكون تحوّلاً مرغوباً فيه، لكن الحل الوحيد لهذه المعضلة هو التفاوض على اتفاقٍ جديد وأكثر ثباتاً مع إيران”.

 

قد يعجبك:

العربي الجديد: تفاصيل مباحثات المفاوض الأوروبي في طهران

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
بواسطة
عربي بست

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة + 15 =

زر الذهاب إلى الأعلى