مكايدات سياسية.. غموض حول مصير الاتفاق النووي رغم الانتهاء من التفاصيل الجوهرية

كلما طال انتظار واشنطن وطهران، كلما أصبحت العملية أكثر عرضة للمفسدين، وكلما شعر كل طرف بضرورة حفظ ماء وجهه على المستوى المحلي.

ميدل ايست نيوز: قبل عام، بدأت طهران وواشنطن جهودا دبلوماسية لإحياء الاتفاق النووي الذي انسحبت منه إدارة “ترامب”. وساعدت الدبلوماسية المكوكية خلال الأشهر الـ12 الماضية في الاتفاق على الخطوات الفنية اللازمة لإعادة الطرفين إلى الامتثال للاتفاق.

ومع ذلك، لا تزال هناك نقاط خلافية عالقة بين إيران والولايات المتحدة، وآخرها ما يجب فعله بشأن تصنيف الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية أجنبية، وهي الخطوة التي اتخذها “ترامب”، حسب تقرير لموقع “ريسبونسيبل ستيتكرافت“.

ونستعرض معكم قائمة طويلة من الأسباب التي تجعل الاتفاق النووي هو الأفضل، وخلاصة القول إنه يوفر مسارا موثوقا لوقف مسيرة إيرانية نحو القنبلة النووية.

ولا يعد هذا الاتفاق مثاليا بكل تأكيد، ولا شك أن صناع القرار في كل من إيران والولايات المتحدة سيواجهون مقاومة سياسية في طريق العودة إليه، لكن يظل هذا الاتفاق أفضل حل وسط معروض. ويدرك المسؤولون في طهران وواشنطن والعواصم الأوروبية أن خططهم البديلة تبدو سيئة للغاية مقارنة بالعودة للاتفاق.

وسيكون من الحماقة أن تبدد واشنطن فرصة احتواء برنامج طهران النووي نتيجة التمسك بما يعتبر توصيفا رمزيا إلى حد كبير للحرس الثوري باعتباره منظمة إرهابية. وقد أوضح المسؤولون الأمريكيون مرارا وتكرارا أن الحرس الثوري سيظل على قائمة طويلة من العقوبات بغض النظر عن رفعه من قائمة المنظمات الإرهابية.

ومع عقوباتها الأخيرة ضد برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، أثبتت إدارة “بايدن” أن بإمكانها لعب دورين في الوقت نفسه. علاوة على ذلك، فإن قرار إدراج الحرس الثوري في قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية لم يفعل شيئا يذكر لتأمين المصالح الأمريكية، بل اعترف المسؤولون الأمريكيون أن هجمات الجماعات المدعومة من إيران في المنطقة ارتفعت بنسبة 400% منذ اعتماد هذا التصنيف. وإذا فشل المسار الدبلوماسي الآن، فمن المرجح أن يكون الحرس الثوري أكثر حزما في المنطقة مع وجود برنامج نووي موسع تحت تصرفه.

ولطالما أكدت إيران تمسكها بإزالة هذا التصنيف عن جزء مهم من قواتها المسلحة قبل العودة إلى الاتفاق النووي، باعتبار أن هذه المسألة تتعلق بالسيادة والاعتزاز الوطني. ولا ينبغي أن يكون هذا مفاجأة للإدارة الأمريكية، فإن الصراع ينبغي أن يكون حول ما ستحصل عليه واشنطن في المقابل، ويبقى السؤال حول إذا كان “بايدن” مستعدا لتقبل الانتقادات اللاحقة.

ويجب ألا تتوقع الولايات المتحدة امتنانا علنيا كبيرا من إيران مقابل رفع تصنيف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية أجنبية. ومن المرجح أن ترفض إيران مقترحات بأن تتعهد علنا أنها لن ترد على اغتيال الجنرال “قاسم سليماني”. وما تزال الولايات المتحدة قلقة من احتمال قيام إيران باغتيال مضاد ضد مسؤولين سابقين رفيعي المستوى متورطين في قرار قتل “سليماني”.

وترى إيران أن مثل هذا التعهد العلني سيشكل سابقة خطيرة قد تشجع الولايات المتحدة وإسرائيل على تنفيذ اغتيالات مستقبلية دون تكلفة. وتعتقد طهران أنها تنازلت بالفعل عن بعض شروطها خلال المفاوضات، مثل السعي للحصول على تعويضات من واشنطن مقابل الخسائر الهائلة التي تكبدتها بعد انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق أقره مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

ويبدو أن إيران تراجعت أيضا عن شرط الحصول على ضمانات مكتوبة بأن أي رئيس أمريكي مستقبلي لن ينسحب من الاتفاقية مرة أخرى. وفي الواقع، سيواجه “بايدن” معارضة في الكونجرس ورد فعل سياسي عنيف من إسرائيل، بغض النظر عن نوع الاتفاق الذي يتوصل إليه، لمجرد أنه يعقد اتفاق ما مع جمهورية إيران الإسلامية.

وكلما طالت مدة تأجيل التوقيع النهائي، كلما اقتربنا أكثر من انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر/تشرين الثاني، ما يجعل “بايدن” أقل استعدادا لإغضاب الديمقراطيين الصقور في الكونجرس.

في غضون ذلك، يستمر برنامج إيران النووي في التوسع وتراكم طهران معرفة نووية أكثر. ونظرا لأن الصراع في أوكرانيا يمثل نقطة جيوسياسية ساخنة بالنسبة للغرب، فهذا ليس الوقت المناسب لإضافة المزيد من الأزمات من خلال فتح جبهة نووية جديدة في الشرق الأوسط من المرجح أن تُقابل برد عسكري إسرائيلي.

وبالنسبة لإيران، فإن تأخير العودة إلى الاتفاق النووي له ثمن باهظ بالنسبة للاقتصاد. وفي طهران، تتركز السلطة الآن في قبضة الفصيل السياسي المحافظ، الذي يتوق إلى إظهار قدرته على إدارة الاقتصاد بشكل أفضل مما يعتبرهم “أسلافه الساذجين الموالين للغرب”. ولكن بعد ما يقرب من عام في المنصب، لم تتمكن حكومة الرئيس “إبراهيم رئيسي” من تحسين الظروف الاقتصادية للإيرانيين العاديين بشكل جوهري.

وأشعل الصراع الأوكراني أيضا نقاشا داخليا في إيران حول أفضل السبل لحماية مصالحها الوطنية. ويعني الجمود بشأن الاتفاق النووي أن إيران لا يمكنها الاستفادة الكاملة من ارتفاع أسعار الطاقة في أعقاب العقوبات الغربية ضد روسيا.

يشار إلى أن الصين واصلت شراء النفط الإيراني بالرغم من العقوبات الأمريكية لكنها فعلت ذلك بثمن بخس. وطالما بقيت إيران في خانة العقوبات الأمريكية، فلن تتمكن من العثور على المزيد من المشترين لنفطها، مثل كوريا الجنوبية والهند والدول الأوروبية التي تتطلع إلى تقليل اعتمادها على الطاقة الروسية.

ويتعين على الأطراف الأوروبية في الاتفاق النووي مضاعفة ضغطها على كل من طهران وواشنطن لإزالة آخر عقبة سياسية. وهناك عدد من التنازلات المعقولة قيد التداول. ويقال إن أحد الاقتراحات قيد المراجعة هو إزالة تصنيف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية مع الاحتفاظ بـ “فيلق القدس” في القائمة، وهي قوات النخبة التي تنفذ العمليات في الشرق الأوسط.

وقد يأتي مسار آخر من مجلس الأمن الذي يؤيد خطة العمل الشاملة المشتركة بموجب القرار 2231. وكجزء من عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي وإلغاء تصنيف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية، يمكن إصدار التزام علني ينص على أن الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن وإيران ستعملان على تهدئة التوترات العسكرية في الشرق الأوسط.

ومن شأن مثل هذا الالتزام أن يساعد الولايات المتحدة على تقليل تواجدها العسكري في الشرق الأوسط كما أن تهدئة التوترات يمكن أن تفتح مساحة أكبر للمحادثات الإقليمية. ولا توجد طريقة لضمان خفض التصعيد، وبالمثل لا توجد طريقة لضمان عدم قيام هذه الإدارة الأمريكية أو الإدارة الأمريكية المستقبلية بالتراجع عن الاتفاق كما فعل “ترامب”. وللوصول إلى اتفاق نهائي، ستحتاج إيران والولايات المتحدة إلى قبول هذه الحقائق وإنفاذ الإرادة السياسية.

وحاليا، تم حل الخلافات الجوهرية حول كيفية تنفيذ الاتفاق النووي، حتى إن الأطراف تمكنت من إبقاء المفاوضات على المسار الصحيح بعد أن كادت روسيا تعرقل المحادثات بسبب الخلاف مع الغرب بشأن العقوبات المرتبطة بحرب أوكرانيا.

وكلما طال انتظار واشنطن وطهران، كلما أصبحت العملية أكثر عرضة للمفسدين، وكلما شعر كل طرف بضرورة حفظ ماء وجهه على المستوى المحلي. لقد حان الوقت لإبرام الاتفاق فقد تم الانتهاء منه بالفعل.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
بواسطة
الخليج الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة + 17 =

زر الذهاب إلى الأعلى