التفاصيل الكاملة لواحد من أسوأ أيام العراق

يوم عصيب شهده العراق، بعد التحول الكبير في مجرى الأزمة السياسية، وانتقالها لمرحلة المواجهة المسلحة حتى خيمت أجواء الحرب على المنطقة الخضراء.

ميدل ايست نيوز: يوم عصيب شهده العراق، بعد التحول الكبير في مجرى الأزمة السياسية، وانتقالها لمرحلة المواجهة المسلحة حتى خيمت أجواء الحرب على المنطقة الخضراء، وسط استمرار أصوات إطلاق النار والقاذفات في كل مكان.

الأحداث بدأت ظهرا، عبر بيان للمرجع الديني كاظم الحائري، الذي أعلن فيه اعتزاله عن دوره كمرجع ديني بشكل تام، داعيا إلى طاعة “قائد الثورة الإسلامية” في إيران علي خامنئي، كما أشار في بيانه إلى زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، عبر قوله “على أبناء الشهيدين الصدرين أن يعرفوا أن حب الشهيدين لا يكفي ما لم يقترن الإيمان بنهجهما بالعمل الصالح والاتباع الحقيقي لأهدافهما التي ضحيا بنفسيهما من أجلها، ولا يكفي مجرد الادعاء أو الانتساب، ومن يسعى لتفريق أبناء الشعب والمذهب باسم الشهيدين الصدرين، أو يتصدى للقيادة باسمهما وهو فاقد للاجتهاد أو لباقي الشرائط المشترطة في القيادة الشرعية فهو -في الحقيقة- ليس صدريا مهما ادعى أو انتسب”.

سريعا، جاء رد الصدر على بيان الحائري، ليكون شرارة الأحداث التي شهدها البلد، حيث ذكر في بيان له “يظن الكثيرون بما فيهم السيد الحائري أن هذه القيادة جاءت بفضلهم أو بأمرهم، كلا، إن ذلك بفضل ربي أولا ومن فيوضات السيد الوالد قدس سره الذي لم يتخل عن العراق وشعبه.. على الرغم من استقالته، فإن النجف الأشرف هي المقر الأكبر للمرجعية كما هو الحال دوما.. وإنني لم أدع يوما العصمة أو الاجتهاد ولا حتى (القيادة) إنما أنا آمر بالمعروف وناه عن المنكر ولله عاقبة الأمور”.

وتابع الصدر في بيانه “على الرغم من تصوري أن اعتزال المرجع لم يك من محض إرادته، وما صدر من بيان عنه كان كذلك أيضا، إلا إنني كنت قد قررت عدم التدخل في الشؤون السياسية، فإنني الآن أعلن الاعتزال النهائي وغلق كافة المؤسسات إلا المرقد الشريف والمتحف الشريف وهيئة تراث آل الصدر الكرام، والكل في حل مني، وإن مت أو قتلت فأسالكم الفاتحة والدعاء”.

ولم يمر سوى وقت قليل جدا بعد بيان الصدر، حتى توجه الآلاف من أنصار التيار الصدري إلى المنطقة الخضراء، وبدأوا مرحلة تصعيدية، تمثلت بالدخول للقصر الجمهوري والقصر الحكومي، والسيطرة على القصرين، وسط انفلات أمني كبير حصل مباشرة بعد بيان الصدر.

رئيس الحكومة القائد العام للقوات المسلحة مصطفى الكاظمي، أصدر أمرا مباشرة بحظر التجوال، حيث بدأ في الساعة الثالث والنصف بعد الظهر، في محاولة للسطيرة على تدفق أنصار الصدر للمنطقة الخضراء، لكن حدثت أزمة سير خانقة، لأن الحظر أعلن قبل موعد تنفيذه بنحو نصف ساعة فقط.

مجلس الوزراء من جانبه، أعلن تعليق عقد جلساته، بعد السيطرة على القصر الحكومي، لينضم بهذا إلى مجلس النواب، الذي علق أعماله أيضا منذ أكثر من شهر، بسبب اعتصام أنصار الصدر في مبنى البرلمان.

كان التوتر في بدايته، حتى قاربت الساعة السادسة مساء، دخلت قوات سرايا السلام التابعة للصدر على خط الأزمة، ونزلت بشكل علني للشارع وتوجهت للمنطقة الخضراء، وهذه كانت أولى بداية التصعيد الخطير.

في هذه الأثناء، خرج أنصار الصدر في أغلب المحافظات الوسطى والجنوبية في تظاهرات كبيرة، وتوجهوا لغلق مقرات الحكومات المحلية وسيطروا عليها، فضلا عن غلق بعض الدوائر الأخرى، كما استهدفوا شركة نفط ميسان، وأغلقوا مبناها.

القوات الأمنية، من جانبها، قامت بتفريق المتظاهرين وإخراجهم من المنطقة الخضراء، ووردت أنباء عن وقوع إصابات وقتلى في بداية الأزمة، من أنصار الصدر.

الذروة

وتعليقا على هذه الأحداث، يؤكد المحلل السياسي فلاح المشعل خلال حديث لـ”العالم الجديد”، أن “هذا التطور كان متوقعا، فقد كانت هناك رسائل بعضها واضحة وبعضها رمزية يرسلها الصدر للفرقاء السياسين وتحديدا إلى الإطار التنسيقي، لكنهم لم يقرأوا الأشياء بعمق كما استهانوا بالطروحات والتحذيرات التي كان يقدمها لهم”.

ويتابع “كان ينبغي مع انطلاق هذا الهيجان الثوري والشعبي أن يصار إلى إصدار مواقف وقرارات فاعلة سواء بإعلان حالة الطوارئ أو بقرارات تصدر عن القضاء بخفض الأزمة وذلك بحل البرلمان، كما كان يجب أن يكون هناك دور للمرجعيات الدينية ايضا بتهدئة الأمور وترشيدها، لكن لم يصدر أي شيء باستثناء الدعوات التي دعا إليها رئيس الوزراء بحماية المتظاهرين، وهذا الأمر جاء بعد مقتل 3 متظاهرين وجرح العشرات”.

ويشير إلى أنه “في النتيجة، فإن الصدر يعبر عن رغبته بتغيير سياسي كامل، وطرح هذا بالتفاوض ولكن لم يتلق تفاعلا وطرحه في المحكمة الاتحادية وكذلك لم يتلق تفاعلا، وأخيرا أعلن انسحابه من الموضوع بعد المداخلة التي قدمها الحائري في محاولة مصادرة التيار الصدري وربطه بإيران ومرجعياته، وهذا هو الذي فجر القضية، فانسحب الصدر وترك القرار للجماهير كما كان يعدهم أنه في لحظة ربما يترك القرار للشعب ليقرر مصيره”.

دخلت الأزمة ذروتها بعد نحو الساعة السابعة مساء، حيث اشتدت المواجهات بين سرايا السلام وبين الفصائل المسلحة والقوات الأمنية، سواء في بغداد أو المحافظات الجنوبية.

أنصار الصدر في البصرة وميسان، أقدموا على إحداث إرباك في الحقول النفطية والموانئ، في محاولة لإيقاف عملها، لكن لم ينجحوا بالأمر.

وقد توجه أنصار الصدر، في بغداد والمحافظات، إلى حرق مقار الفصائل المسلحة والأحزاب، ومنها حزب الدعوة وحركة عصائب أهل الحق.

التيار الصدري، أعلن عن مقتل 8 من أنصاره، وبعضهم قادة ورجال دين برصاص حي داخل المنطقة الخضراء، خلال تواجدهم هناك، وأعلن أنه “سيثأر”، هذا من دون صدور أي بيان رسمي من وزارة الصحة أو خلية الإعلام الأمني أو جهة رسمية أخرى بشأن الأحداث.

المواجهات اشتدت مع حلول الظلام في العراق، واستخدمت فيها قذائف الهاون والـ”آر.بي.جي”، من دون معرفة أطراف تبادل إطلاق النار، ومع من اشتبك أنصار الصدر، لكنهم في مرحلة معينة دخلوا باشتباك مع القوات الخاصة، بغية السيطرة على مقرهم في المنطقة الخضراء.

عمليات استهداف مقار الفصائل المسلحة، بقيت مستمرة بل وازدادت وتيرتها، وهذا إلى جانب حرق الإطارات في الطرق الرئيسة في أغلب المحافظات الجنوبية.

الأمانة العامة لمجلس الوزراء، أعلنت عن تعطيل الدوام الرسمي اليوم الثلاثاء في كل البلد، وذلك بعد إعلان حظر التجوال الشامل إلى إشعار آخر.

حرب شوارع

الاشتباكات، وبحسب عشرات الفيديوهات التي نشرت لحظة بلحظة، تحولت إلى حرب شوارع، ومواجهات شبه مباشرة داخل المنطقة الخضراء، وسط أنباء عن مغادرة أغلب السياسيين عنها.

الكاظمي ترأس اجتماعا طارئا للقيادات الأمنية في مقر العمليات المشتركة، لمناقشة الأحداث الأخيرة ودخول المتظاهرين للمؤسسات الحكومية.

كما وجه في بيان آخر بمنع استخدام الرصاص وإطلاق النار على المتظاهرين من أي طرف أمني، أو عسكري، أو مسلح منعا باتا، وشدد على التزام الوزارات، والهيئات، والأجهزة الأمنية والعسكرية بالعمل وفق السياقات والصلاحيات والضوابط الممنوحة لها.

القوات الأمنية اتجهت إلى قطع أغلب الطريق الرئيسة والجسور بالحواجز الكونكريتية، وخاصة القريبة من المنطقة الخضراء، ومنها جسر الجادرية.

ولغاية فجر اليوم الثلاثاء، كانت الاشتباكات مستمرة داخل المنطقة الخضراء، وعمليات حرق المقار الحزبية في أغلب مناطق العاصمة، وأبرز المقار هي حزب الدعوة ومنظمة بدر.

من جانبه، يرى المحلل السياسي صلاح الموسوي خلال حديث لـ”العالم الجديد، أن “الصدر ضمن الحكم الشيعي، ووصل إلى قناعة أنه يجب أن يسير بالتيار المعاكس تماما، أي باتجاه جمهورية ولاية فقيه عراقية، ونؤكد على موضوع عراقية على اعتبار أن العراق تابع لولاية الفقيه الإيرانية من خلال الأحزاب الموجودة، وهذا طريق طويل وما يعيقه بالدرجة الأولى موضوع الأعلوية وتبعيتهم شرعا للحائري”.

ويوضح أن “خصوصية التركيبة الدينية الشيعية هذه، والتي تطيعها الملايين في العراق، فهي تتحرك ضمن نغمة هذا التراسل الديني الحوزوي”، مبينا أن “الصدر خطا خطوات على طريقة الثورة الإيرانية وعلى طريقة المرشد الإيراني من عصيان مدني وسلب شرعية السلطة من دخول القصر الجمهوري والدخول إلى جميع أماكن السلطة، وقد أنهى هذه الجولة الأولى والمهمة والصعبة، وهذا لا يعني أنه اعتزل نهائيا من السياسة، بل هو أنهى جولة مهمة”.

يشار إلى أن رئيس أركان قيادة الشرطة الاتحادية اللواء الركن أحمد الأسدي أصيب بإطلاق نار بيده، إلى جانب إصابة مرافقه أيضا، خلال الاشتباكات في المنطقة الخضراء.

الردود

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، أكد في تصريحات صحفية “أتابع بقلق الاحتجاجات الجارية في العراق والأنباء عن سقوط ضحايا وأدعو للهدوء وضبط النفس”، حاثا “جميع الأطراف في العراق على التهدئة والانخراط بشكل عاجل في حوار سلمي بشأن العملية السياسية”.

كما عبر سفراء بريطانيا وكندا وأمريكا، عن قلقهم من الأحداث الجارية، ودعوا إلى التهدئة، وضرورة إبقاء الاحتجاجات سلمية، مؤكدين أن البلد بحاجة إلى مؤسسات فاعلة لمواجهة التحديات.

وعبر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال اتصال هاتفي مع الكاظمي، عن تضامنه مع الحكومة العراقية وإجراءاتها ومنها مبادرة الكاظمي لحل الأزمة، وهذا إلى جانب تعبير الأمين العام للجامعة العربية أحمد ابو الغيط، عن قلقه البالغ بسبب التطورات الخطيرة في العراق ودعا الى تغليب المصلحة الوطنية.

الإطار التنسيقي من جانبه، أصدر بيانا دعا فيه التيار الصدري إلى الحوار، فيما حث جميع الفعاليات “دينية وسياسية واجتماعية” إلى التدخل والمبادرة من أجل درء الفتنة، مطالبا الحكومة والمؤسسات الأمنية بـ”القيام بما يمليه عليها الواجب الوطني بحماية مؤسسات الدولة والمصالح العامة والخاصة”.

رئيس الكتلة الصدرية النائب السابق حسن العذاري، وبعد اشتداد الأزمة وفي ساعة متأخرة من ليلة أمس، أعلن أن الصدر بدأ إضرابا عن الطعام “حتى يتوقف العنف واستعمال السلاح، فإزالة الفاسدين لا تعطي أحدا مهما كان مسوغا لاستعمال العنف من جميع الاطراف”.

رئيس تحالف الفتح هادي العامري، قال من جانبه “ندعو للتهدئة وأناشد أبنائي من كل الأطراف التوقف عن استخدام السلاح، فالسلاح ليس حلا ولا يوجد حل بين الإخوة إلا بالحوار والتفاهم”.

كما أكد رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، في بيان له “أتمنى أن يشعر الجميع بالمسؤولية وأن يحتكموا الى ضبط النفس وأن لا يلجؤوا إلى لغة السلاح والعنف في حسم ‏الصراعات والمشاكل، وأدعو جميع الأطراف إلى التفكير في ‏ الحلول التي تأتي بالخير للشعب العراقي وتراعي المصلحة العامة للشعب والوطن”.

من جانبه، حذر رئيس الجمهورية برهم صالح، من “انزلاق الأوضاع نحو متاهات مجهولة وخطيرة يكون الجميع خاسرا فيها”، مؤكدا أن “الظرف العصيب الذي يمر ببلدنا يستدعي من الجميع التزام التهدئة وضبط النفس ومنع التصعيد”.

كما أعرب رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني، عن قلقه العميق من الأحداث الجارية في العاصمة العراقية بغداد، داعيا الأطراف السياسية إلى القدوم إلى أربيل للبحث عن حل.

رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني، أكد من جانبه “نتابع بقلق شديد الأحداث المؤسفة التي حدثت وما تزال مستمرة في بغداد وعدد من المحافظات العزيزة، نكرر دعوتنا وإصرارنا على الحوار الوطني البناء لكل القوى السياسية ومواصلة هذه الحوارات بشعور كبير بالمسؤولية الوطنية ونبذ العنف”.

كما أشار رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض، إلى أن “ما هو مؤسف في هذه الأحداث أنها لا تعبر عن مدرج وطني وسياسي، نحن في هيئة الحشد الشعبي سنبقى معاهدين أبناء شعبنا البطل على أن نكون خارج الاصطفافات السياسية، ونؤكد ونكرر ثوابتنا في حماية العملية السياسية واحترام التداول السلمي للسلطة”.

تصعيد الفجر

مع فجر اليوم الثلاثاء، دخل التصعيد مرحلة جديدة، حيث استهدف أنصار الصدر، المنطقة الخضراء بالعديد من الصواريخ، التي أطلقت من مواقع مختلفة من العاصمة بغداد.

ومن بين عمليات الاستهداف، هو استخدام صواريخ الكاتيوشا، حيث سقطت في مبنى الشركة التركية المنفذة لمبنى البنك المركزي في الجادرية، كما سقط آخر قرب السفارة الأمريكية، ما دفع الأخيرة إلى إطلاق صافرات الإنذار.

كما استهدف أنصار الصدر، القصور الرئاسية بعدد من الصواريخ، فضلا عن إطلاق صواريخ محمولة على الكتف تجاه المنطقة الخضراء.

واستمرت الرشقات الصاروخية تتوالى تجاه المنطقة الخضراء، من دون توقف وسقط بعضها على منازل المدنيين القريبة من المنطقة الخضراء.

المحلل السياسي محمد نعناع، يؤكد خلال حديث لـ”العالم الجديد”، أن “ما يجري من تصعيد، يعود سببه لغياب قيادة الصدر بنفسه للجماهير، فهذه الجماهير دخلت بمواجهة مع القوات الأمنية نظرا لغيابه، وهذا السيناريو كان حاضرا عام 2016 عندما انسحب الصدر وتلت انسحابه تظاهرات كبيرة، واجهتها القوات الأمنية”.

ويلفت إلى أن “اعتزال العمل لن يطول وسيعود مرة أخرى ليبدأ تدريجيا بالرجوع، فلا يمكن للصدر ترك المشهد السياسي بالكامل، فلمن يترك قيادة التيار والمشاركة بالعمل السياسي، كما أنه داعم لشخصيات مستفيدة من أموال الحكومة والمشاريع، لذا لن يقطع التواصل معها وسيعود بخطوات تدريجية وسيلعن عن موقف جديد”.

وتجدد القصف الصاروخي قبيل الساعة الثالثة والنصف فجرا على المنطقة الخضراء، وسط تفعيل السفارة الأمريكية لمنظومة السيرام، لصد الصواريخ.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العالم الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × ثلاثة =

زر الذهاب إلى الأعلى