بعد حديث عن إغلاقها.. ما هي قصة “شرطة الأخلاق” في إيران؟

دخلت شرطة الأخلاق حيز التنفيذ منذ حوالي 17 عاماً، بينما وفقاً للسلطات الإيرانية، لم يتم اعتماد هذا المشروع بالأساس من قبل المجلس الأعلى للثورة الثقافية، ولا حتى السلطة القضائية.

ميدل ايست نيوز: على وقع الاحتجاجات الواسعة التي تشهدها إيران منذ السادس عشر من شهر سبتمبر2022، غابت دوريات شرطة الأخلاق عن الأنظار في شوارع العاصمة، فأبواب المبنى الخاص بها في شارع “وزرا” في طهران مغلقة أو شبه مغلقة، إذ تُظهر التحريات الميدانية في الشهرين الماضيين، أنه بعد قضية وفاة الشابة مهسا أميني، لم يعد المشهد المألوف للطابور الطويل من الناس الذين يريدون إطلاق سراح أولادهم وأقاربهم من قبضة هذه الشرطة موجوداً. فهل يا ترى تم حل شرطة الأخلاق أم تجميد دورها؟

وفي تصريح ملفت، قال المدعي العام الإيراني، محمد جعفر منتظري، يوم أمس إنه جرى إغلاق “شرطة الأخلاق” على إثر الاحتجاجات الأخيرة في البلاد، منذ وفاة مهسا أميني، وأضاف أن إغلاق ما تسميها السلطات “دورية التوجيه”، جاء بقرار من الجهة التي أسستها.

المسؤول الإيراني أوضح قائلاً: “لا علاقة لدورية التوجيه بالقضاء، إنها أُغلقت من المكان ذاته الذي تأسست فيه، ولكن بالطبع يواصل القضاء مراقبة التصرفات السلوكية على مستوى المجتمع”، دون أن يحدد الجهة الرسمية المسؤولة عن إغلاق هذه الدوريات.

كما أضاف المدعي العام الإيراني بشأن إغلاق شرطة الأخلاق: “إننا لن نتجنب الأسباب الرئيسية لأحداث الشغب الأخيرة”. وذكر: “بصفتي النائب العام للبلاد، سأقدم هذا الوعد للشعب، بأننا لن نكون متجاهلين للقضايا الرئيسية، وأسباب أعمال الشغب الأخيرة”.

بخصوص قانون إلزامية ارتداء الحجاب، قال المدعي العام الإيراني: “يعمل كل من البرلمان والسلطة القضائية (بشأن هذه المسألة)”، فيما إذا كان القانون بحاجة إلى أي تغييرات”، دون أن يحدد ما يمكن تعديله في القانون من قِبل الهيئتين اللتين تقعان في أيدي المحافظين إلى حد كبير.

وبحسب موقع 24 رويداد الإيراني، حتى لحظة كتابة هذا التقرير، لم يعلق مسؤولو الشرطة الإيرانية على تصريحات النائب العام للبلاد بشأن إغلاق شرطة الأخلاق، فيما لم تعتبر بعض وسائل إعلام التيار الأصولي هذه التصريحات بأنها تعني إغلاق وحل هذه الجهة.

شرطة الأخلاق منذ التأسيس

تأسست شرطة الأخلاق لأول مرة في 2005، في الأشهر الأخيرة من حكومة محمد خاتمي الثانية، ودخلت حيز التنفيذ، مع بدء حكومة محمود أحمدي نجاد، تحت عنوان “شرطة الأخلاق “، لـ”الرقي بالأمن الاجتماعي”.

وفي ذلك الوقت، شهد مواطنو طهران ومن ثم مدن أخرى ازدياد هائل في عدد الباصات البيضاء ذات الخطوط الخضراء في شوارع مدينتهم، والتي شملت عدد كبير من رجال ونساء الشرطة الذين أحضروا معها.

وفي عامي 2006 و 2007 كان هذا المشروع يدخل يومياً بمراحل جديدة ويتوسع ليشمل قضايا أخرى تخص المجتمع، من التعامل مع النساء اللواتي لا يرتدين الحجاب إلى التعامل مع البلطجية والأوباش الذين اعتبرتهم الشرطة والسلطات القضائية مخربين بالأمن والنظام الاجتماعي.

ميزانية ضخمة

في الوقت نفسه، خصص لهذا المشروع الكثير من الميزانية من الخزانة الحكومية؛ إذ بعد ثلاث سنوات، وبعد بدء الجولة الجديدة من مشروع هذه الشرطة، أعلن النائب القانوني ومجلس ناجا الإيراني أنه من أجل جعل هذه الخطة دائمة، سيتم تخصيص ميزانية تزيد عن 103 مليار تومان (103 مليون دولار بسعر الصرف ذلك الزمان) لمشروع “الرقي بالأمن الاجتماعي”.

المدعي العام الإيراني يكشف عن إغلاق شرطة الآداب ومراجعة قانون الحجاب الإلزامي

ومع تغير الظروف الاقتصادية، لم يعد يعلن بوضوح عن حجم الميزانية المقدمة لهذا المشروع، لكن من الواضح أنه في السنوات التالية، ومع زيادة مهام هذه الشرطة، خاصة مع بداية حكومة إبراهيم رئيسي، فإن الميزانية قد تضاعفت.

وعشية انتخابات 2009 الصاخبة، تضاءل وجود الدوريات الأخلاقية في الشوارع لفترة وجيزة. واستمر هذا الوضع حتى عام 2010، وبعد الأيام الساخنة التي أعقبت الانتخابات الرئاسية، لم يرد حينها أنباء عن وجود باصات الأخلاقية في الشوارع. ولكن قادة قوة الشرطة واصلوا الحديث عن التنفيذ الكامل لمشروع الرقي بالأمن الاجتماعي. مع ذلك، كانوا يقولون بإنهم لن يسمحوا للأجانب والانتهازيين بأن يجعلوا من البلاد فناء خلفياً لهم يسرحون ويمرحون فيه.

في حكومة حسن روحاني الثانية، انتقد بعض النواب والأصوليون مرارًا وتكراراً عدم جدية لمشروع الأمن الأخلاقي. حيث في ذلك الوقت، ومع رواج استخدام الهواتف المحمولة بكثرة، نشرت العديد من مقاطع الفيديو أظهرت تصرفات غير أخلاقية وتعنيف بحق النساء من قبل عناصر شرطة الأخلاق، مما أدى بالطبع إلى رد فعل بعض المسؤولين الحكوميين.

طوال هذه السنوات، كان المسؤولون الحكوميون والقضاء والشرطة يشيرون إلى قرار عام 2005، الصادر عن المجلس الأعلى للثورة الثقافية. وجدير بالذكر، في عام 1997، كان هذا المجلس قد أقر إطار مبادئ وأساسيات طرق تنفيذ هذا القرار لتوسيع ثقافة “الحجاب والعفاف”، ثم في أغسطس 2005، دخل حيز التنفيذ.

المؤسسات التي شملها المشروع

وبموجب هذا القرار، يلزم 26 هيئة تشريعية وتنفيذية لأداء مهام متخصصة في هذا الشأن. وهي: “وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، وزارة التجارة، هيئة الإذاعة، قوة الشرطة، المنظمة الوطنية للشباب، هيئة الدعاية الإسلامية، وزارة التربية والتعليم، وزارة الشؤون الاقتصادية والمالية، وزارة العلوم، مركز شؤون المرأة والأسرة، وزارة الاتصالات، منظمة التربية البدنية، البلدية، وزارة الصحة، المقر الرئيسي لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، منظمة الرفاه، وزارة الخارجية، وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، المجلس الإسلامي، وزارة الداخلية، منظمة الإدارة والتخطيط، السلطة القضائية، الوزارة للإسكان والتنمية الحضرية، منظمة التراث الثقافي والسياحة، قوات ووزارة الطرق والمواصلات.

منذ ذلك الحين، صرح مسؤولو الشرطة مرارًا وتكرارًا أنه نظرًا لعدم وفاء الأجهزة الأخرى بواجباتها بموجب هذا القرار، فإن قوة الشرطة تتحمل كل العبء وستعمل على ملاحقة المخالفين بنفسها.

وما زاد الطين بلة،عندما ألزم رئيس الجمهورية إبراهيم رئيسي، أمانة المجلس الأعلى للثورة الثقافية، بأن تتعاون مع جميع الأجهزة والمؤسسات الثقافية والتنفيذية، بإيلاء الاهتمام الواجب لتنفيذ القانون المصادق عليه من قبل المجلس الإسلامي، وقانون 2005 للمجلس الأعلى للثورة الثقافية.

وهل فعلاً كلام الليل يمحوه النهار؟ فمع وفاة الشابة مهسا أميني أثناء اعتقالها وبدء أحداث الاحتجاجات على خلفية وفاتها، تغير حديث المسؤولين في إيران عن شرطة الأخلاق؛ إلا أن مسؤولي هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أعادوا تكرار ماكانوا يقولوه قبل شهور: “يجب على المرأة دفع غرامة لعدم ارتدائها الحجاب”. في حين، قال مسؤولو المجلس الأعلى للثورة الثقافية ومنهم المتحدث باسم المجلس الأعلى للثورة الثقافية، سعيد رضا عاملي: “إن هذا المجلس لم يصدر أي قرار بشأن تشكيل مشروع شرطة الأخلاق”.

الحجاب في القانون الإيراني

ويعد القانون الرسمي الوحيد في إيران الذي يتعامل مع الحجاب هو المادة 638 من قانون العقوبات الإسلامية. حيث أقر المشرعون الإيرانيون عام 1983 قانون عقوبة عدم الالتزام بالحجاب الإسلامي، الذي ينص على عقوبات تعزيرية مثل الحبس من عشرة أيام إلى شهرين و74 جلدة وغرامات.

وبحسب ماجاء في هذه المادة، فإن النساء اللواتي يظهرن بدون حجاب شرعي في الشوارع وفي الأماكن العامة، يُعاقبن بالحبس من 10 أيام إلى شهرين أو بغرامة من 50 إلى 500 ألف ريال.

ودخلت شرطة الأخلاق حيز التنفيذ منذ حوالي 17 عاماً، بينما وفقاً للسلطات الإيرانية، لم يتم اعتماد هذا المشروع بالأساس من قبل المجلس الأعلى للثورة الثقافية، ولا حتى السلطة القضائية.

وفي البال سؤال نطرحه هنا، كيف يدخل مشروع مثل هذا حيز التنفيذ دون أن تكون له متطلبات قانونية، بل ويستمر لسنوات؟

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة عشر + 7 =

زر الذهاب إلى الأعلى