من الصحافة الإيرانية: دروس من حرب الاثني عشر يومًا

من بين الدروس الأشد قسوة التي أظهرتها الحرب، هو غياب الحلفاء الاستراتيجيين لإيران في المنطقة والعالم. فلم تُقدّم أي من الدول التي أبدت صداقتها سابقًا دعمًا حقيقيًا لإيران.

ميدل ايست نيوز: فجر يوم الجمعة 13 يونيو، حوالي الساعة 3:30 صباحًا، شنّت إسرائيل ثلاث عمليات عسكرية منفصلة ضد إيران، أشعلت حربًا استمرت 12 يومًا، يُتوقع أن تُدرّس مستقبلاً كجزء من الدروس العسكرية. إحدى هذه العمليات أدّت إلى اغتيال عدد من القادة العسكريين الإيرانيين، فيما عُرفت الأخرى باسم “نارنيا”، والتي استهدفت تسعة من العلماء النوويين الإيرانيين. أما العملية الثالثة، فقد استهدفت أنظمة الملاحة ومنصات إطلاق الصواريخ؛ ورغم عدم صدور تقدير رسمي عن حجم الأضرار من قبل المسؤولين الإيرانيين، إلا أن التأخر في إصدار تصاريح الطيران بعد إعلان وقف إطلاق النار فوق الأجواء الغربية والوسطى والجنوبية للبلاد يشير إلى حصول أضرار في تلك الأنظمة.

وقد أظهرت هذه الحرب دروسًا هامة لإيران والمنطقة والعالم، أبرزها أهمية الدفاع الجوي وضرورته الاستراتيجية. وقد انعكس هذا الدرس بشكل خاص على دول كتركيا، التي وضعت مشروع “القبة الفولاذية” ضمن خططها الدفاعية لحماية أجوائها.

كما كشفت الحرب أيضًا عن أحد المبادئ الأساسية في علم الحرب: “معرفة العدو”، وهو ما أكّد عليه القائد العسكري الصيني الشهير “سان تزو” في كتابه “فن الحرب” قبل أكثر من 2500 عام، حيث كتب: “إن عرفتَ عدوك وعرفتَ نفسك، فلن تخشَ مئة معركة؛ وإن عرفتَ نفسك دون أن تعرف عدوك، فلكل نصر هزيمة تقابله؛ وإن جهلتَ نفسك وعدوك، فالهزيمة حتمية في كل معركة”.

وقد استخدمت إسرائيل في هجماتها على إيران عنصري “الخداع” و”الاختراق”، وهذان العنصران كانا سببًا في مباغتة إيران في البداية، وإن كانت طهران قد تمكنت سريعًا من إعادة تنظيم قواتها والرد.

ومن بين الدروس الأشد قسوة التي أظهرتها الحرب، هو غياب الحلفاء الاستراتيجيين لإيران في المنطقة والعالم. فلم تُقدّم أي من الدول التي أبدت صداقتها سابقًا دعمًا حقيقيًا لإيران خلال هذه المواجهة. العراق، باعتباره دولة صديقة، لم يمتلك قدرات دفاع جوي فعالة ضد إسرائيل، بل استُخدم مجاله الجوي لتنفيذ الهجمات على إيران. وحتى تركيا، لم تقم بأي تنسيق دفاعي فعّال مع طهران، ويُعزى ذلك إلى غياب أي اتفاقيات دفاعية-عسكرية تربط إيران بجيرانها أو حتى بالصين وروسيا.

هذا النقص في التحالفات الدفاعية يُعد “الحلقة المفقودة الأولى” التي كشفت عنها الحرب بوضوح. فقبل الثورة الإسلامية، كانت إيران عضوًا في “حلف السنتو” الذي ضم بريطانيا وتركيا وباكستان، لكنها انسحبت منه بعد الثورة، مما تركها وحيدة في مواجهة خصوم مثل العراق زمن صدام حسين.

واليوم، يوجد أكثر من 20 تحالفًا عسكريًا دفاعيًا في العالم، تدور معظمها حول الولايات المتحدة وروسيا. أبرزها “حلف شمال الأطلسي” (الناتو)، الذي يضم 32 دولة، من بينها تركيا. وتستند قوة الناتو إلى مادة تنص على أن أي هجوم على أحد أعضائه يُعد هجومًا على الجميع. كما أن هناك تحالفات عسكرية أخرى، مثل تحالف مجلس التعاون العسكري لدول الخليج، واتفاقيات أمنية ثنائية مثل التحالفات الأميركية مع اليابان، وكوريا الجنوبية، والفلبين. وتُظهر التجربة العالمية أن الدول التي لا تستطيع الدفاع عن نفسها بمفردها تسعى غالبًا إلى توقيع اتفاقيات دفاعية مشتركة.

نقطة الضعف الأخرى التي كشفتها الحرب، والتي تجعل إيران عرضة للخطر، تتمثل في “غياب المصالح الاقتصادية الحيوية للدول الأخرى داخل إيران”، وهي ما تعد “الحلقة المفقودة الثانية”. فعلى الرغم من أهمية النفط الإيراني عالميًا، إلا أن الدول الكبرى يمكنها تعويض غيابه سريعًا. ما يجعل الدفاع الاقتصادي الحقيقي فعالًا هو وجود استثمارات مباشرة داخل إيران من قِبل شركات متعددة الجنسيات أو دول أخرى، مما يجعل أي ضرر يلحق بالبلاد مهددًا لمصالح تلك الجهات ودافعًا لها للتدخل أو الاعتراض.

وعلى الرغم من تحذيرات الخبراء والمراقبين حول ضرورة جذب الاستثمارات الأجنبية، فإن الأوضاع السياسية الإيرانية حالت دون تحقق ذلك، مما جعل أي شركة أو دولة تتردد في ضخ استثمارات في البلاد. والحقيقة أن الاستثمارات الأجنبية تُعدّ درعًا دفاعيًا غير عسكري لأي دولة.

لقد أثبتت الحرب أن وجود تحالف عسكري-دفاعي، إلى جانب تحوّل إيران إلى مركز استثمار دولي، كان من شأنه ردع أي دولة، بما فيها إسرائيل، عن التفكير في شن هجوم. وكما يقول المثل: “من جرّب المجرَّب حلت به الندامة”.

منصور بيطرف
صحفي إيراني

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
بواسطة
ميدل ايست نيوز
المصدر
صحيفة دنياي اقتصاد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

5 × 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى