نقص المعلمين يشكّل أزمة خطيرة في إيران.. هل تستطيع احتوائها؟

في كل عام، وعشية أولى أيام الخريف وبداية العام الدراسي الجديد، تهيمن على المشهد الإيراني موجات من الأخبار تطفح بالتصريحات والمطالبات حول القصور التي تعشعش في قطاع التعليم في البلاد.

ميدل ايست نيوز: لطالما عانى النظام التربوي في إيران لسنوات من نقصٍ في الكوارد التعليمية في المدارس، حيث أصبح هذا الأمر بمرور الوقت من أكبر التحديات التي تواجه حكومات البلاد المختلفة.

قد لا يشكل موضوع توفير “معلم مؤهل” اليوم أي مشكلة في العديد من دول العالم، بالأخص مع التقدم العلمي الفائق الذي لفت الانتباه إلى أهمية قطاع التعليم وتوفير كافة المرافق والإمكانات تحت تصرفه والبحث عن مكامن الخلل في أروقته، فقد بتنا ندرك في عصرنا الحالي أن الزراعة تسد الجوع والصناعة توفر الاحتياجات لكن التعليم يزرع ويصنع وطناً ومن دونه لم نكن لنصل إلى ما نحن عليه الآن.

لكن ماذا عن الدول النامية والفقيرة التي تسودها أو تحيط بها الصراعات والأزمات من كل جانب؟ ما أوضاع القطاع التعليمي لديها، وهل تسعى للحفاظ على جودة التعليم وتنمية طلبتها ومواردها البشرية؟ أما أنها تتجاهل أهمية هذا الجانب ودوره الحيوي في إخراج البلاد من الظلمات إلى النور وتعزيز التفكير والإبداع والابتكار والبحث والتقليل من الفقر والتدهور الاجتماعي؟

في كل عام، وعشية أولى أيام الخريف وبداية العام الدراسي الجديد، تهيمن على المشهد الإيراني موجات من الأخبار تطفح بالتصريحات والمطالبات حول القصور التي تعشعش في قطاع التعليم في البلاد، إذ تتراوح هذه المشاكل بين أنظمة التدفئة والتبريد في الفصول الدراسية إلى نقص الفصول الدراسية إلى البنية التحتية وتدني المنهاج التعليمي والعديد العديد، إلا أن هذا العام كان مختلفاً عن غيره، فقد سلطت “وزارة التربية والتعليم” الإيرانية بذاتها هذه المرة الضوء على نقص المعلمين في المدارس ورأت أن الأمر خرج من إطار مشكلة يمكن حلها وتحول إلى أزمة خطيرة.

مستقبل مثير للقلق

لعلّ الخطوة الأولى لفهم لماذا أصبح نقص المعلمين في إيران مصدر قلق ومدى الخطورة التي ينذر بها، هو إلقاء نظرة على الإحصائيات والأرقام في هذه الساحة والمرور بإيجاز على مستجدات التوظيف للمعلمين في البلاد، لكن ولسوء الحظ جميع الإحصائيات والبيانات في قطاع التعليم الإيراني غير دقيقة وشفافة، فالأرقام تتباين بين مسؤول وآخر، فمنهم من يدّعي أنه نقص المعلميت يتراوح بين 250 و300 ألف معلم ومعلمة، ومنهم (أي أحمد حسين فلاحي، المتحدث باسم لجنة التعليم بالبرلمان الإيراني) من يقول إن العدد لا يتجاوز 260 ألف.

وفقاً لفلاحي، فإن طهران منفردةً تعاني من نقص 4000 معلم في مدارسها. والحال ذاته في سيستان وبلوشستان، فهي تعتبر واحدة من المناطق المحرومة في مجال التعليم، حيث واجهت لسنوات الكثير من المشاكل “الخطيرة” التي لم ترى حلولها النور إلى الآن. يذكر معين الدين سعيدي وهو ممثل تشابهار في المجلس الإسلامي، أن هناك نقصا في هذه المحافظة يصل إلى 15 ألف معلم.

ورغم أن هذه الأرقام تبدو مرتفعة وكبيرة في الوقت الحالي، إلا أن السنوات المقبلة تخبرنا أنها ستتصاعد وتصبح مثيرة للقلق أكثر مما عليه اليوم. فوفقاً لمحمد رضا فلاحي (الأمين السابق لمجلس الطلاب البسيج بجامعة فرهنجيان/ دار المعلمين) “سيصل النقص في المعلمين إلى حوالي 400 ألف في عام 2027”.

وسبق أن تطرق محمد حسن أصفري، ممثل اراك في البرلمان الإيراني ونائب رئيس لجنة المجالس والشؤون الداخلية في إيران إلى الحديث عن أزمة نقص الكوادر التعليمية في البلاد حيث قال بالأمس: نواجه نقصا في المعلمين في معظم المدن الإيرانية تقريبا، وخاصة في المناطق الريفية، لدرجة يتم توظيف المعلمين المتقاعدين أو يطلب من المعلمين العمل بدوامين.

وتجدر الإشارة إلى أن تردي الأوضاع التعليمية وأزمة المعلمين في البلاد والأرقام التي أسلفناها في الأعلى دفعت إلى توقيع ما لا يقل عن 30 نائبا الشهر الماضي على اقتراح لعزل وزير التربية والتعليم رضا مراد صحرائي، ورغم أن هذا المقترح لم يمرر بعد إلى مرحلة العمل، إلا أنه يظهر أن المقترح الجديد هذا لن يجدي نفعاً، لأن صحرائي قد حصل على ثقة البرلمان كوزير للتربية في يونيو 2023 بأغلبية 167 صوتاً، على أن يبقى في منصب وزير التربية والتعليم حتى نهاية الحكومة الثالثة عشرة.

أسباب

يرى بعض المسؤولين السابقين في وزارة التربية والتعليم الإيرانية أن الجزء الأكبر من أزمة نقص المعلمين في البلاد يمكن أن يعزى إلى عدم الوفاء المتكرر في وعود وزير التربية، وعدم وجود تخطيط تفصيلي لحل مشاكل الوزارة في ظل تولي مراد صحرائي الإشراف عليها.

وتعهد صحرائي، في الآونة الأخيرة، بحل مشكلة الفصول الدراسية الخالية من المعلمين بحلول نهاية أكتوبر، لكن إلى الآن لم ير المراقبون أي نتائج عملية على أرض الواقع. كذلك، وعد رئيس منظمة الإدارة والتوظيف باستقطاب 10 آلاف مدرس جديد لملء الشواغر في مدارس البلاد حتى نهاية أكتوبر، لكن لا شيء من هذا قد حصل إلى الآن.

وبالرجوع إلى أسباب هذه المعضلة، أشار بعض المسؤولين في وزارة التربية منذ أيام إلى أن مشاكل البنية التحتية لهذه الوزارة والإرث المرير الذي خلفته حكومة حسن روحاني هي العامل الجذري لتردي أوضاع التعليم في البلاد، غير أن محسن حاجي ميرزايي (وزير التربية في حكومة روحاني) طعن في وجهات النظر هذه وقال: “خلال عامين فقط من إشرافي على هذه الوزارة قمت بتوظيف نحو 207 ألف معلم ومعلمة، إلا أن الحكومة الجديدة (ويقصد إبراهيم رئيسي) لم تستطع أن تعين سوى 140 ألف ناهيك عن أن 40 ألف منهم لم يباشروا العمل إلى الآن. بالتالي، فقد تم توظيف عدد من المدرسين في آخر عامين لحكومة روحاني ضعف ما تم توظيفه في العامين الأولين لحكومة رئيسي”.

تعددت الأراء حول أسباب نقص المعلمين، فقد رأى الخبراء في شؤون التربية والتعليم أن موجة التقاعد الكبيرة للمدرسين في السنوات السابقة وشلل استقطاب وتوظيف المدرسين الشباب في المقابل هي عوامل آخرى في هذه الأزمة.

هل من حلول؟

لا يمكن إغفال الدور المهم لجامعة فرهنجيان في حل الأزمة الحالية بل وحتى باقي المشكلات في القطاع التعليمي، فهي قادرة على استقطاب المزيد من الطلاب المعلمين والمؤهلين للتدريس ودعوة من هم في سن التقاعد على الاستمرار في المهنة حتى يحل أحد بديل عنهم.

لكن هل تنفيذ هذه الحلول على أرض الواقع سيغلق ملف نقص الكوادر والمعلمين في المدارس الحكومية؟ تقول التقارير التي تتناولها وسائل الإعلام المحلية أن لأولياء الأمور أيضاً دور كبير في هذا الشأن، وفق ما أكده وزير التربية.

من ناحية أخرى، تعد قضية معيشة المعلمين ووضعهم الاقتصادي من القضايا التي تثار دائما باعتبارها من أكثر القضايا النمطية المرتبطة بنقص المعلمين في إيران. فرغم أن بعض المدافعين عن أجور المعلمين يزعمون أن دخل هذه القوى العاملة يتناسب مع ساعات عملهم، إلا أن محمد بطحائي، نائب وزير التربية والتعليم، أكد رداً على الانتقادات حول تقنين ساعات العمل المدرسي في البلاد: “هؤلاء الذين ينتقدون لا يدركون أن هذا المعلم لا يعمل فقط أثناء ساعات الفصل الدراسي، بل خارجه أيضاً، إذ يتوجب عليه التحضير للدرس والقراءة وهذا يستغرق وقتاً طويلاً”.

هل ستتخذ الحكومة ووزير التربية أي إجراء لحل أزمة نقص المعلمين قبل نهاية الفصل الأول من العام الدراسي؟ أم أن تحسين القطاع التربوي وضمان تقديم تعليم نوعي للأجيال الصاعدة لم يعد له أهمية في جدول أعمال الحكومة وبات ملفاً عابراً بالنسبة لصنّاع القرار؟

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشرين − اثنان =

زر الذهاب إلى الأعلى