“سناب باك” تهدد بإفشال آمال الاتفاق النووي مع إيران بشكل أكبر
المفارقة أن أفضل وقت للمجتمع الدولي للتفاوض على اتفاق جديد ودائم مع إيران هو الآن بالذات. لكن عقوبات «السناب باك» تهدد بجرّنا إلى مواجهة عقيمة أخرى.

ميدل ايست نيوز: ارحموا مجموعة “E3” المكوّنة من بريطانيا وفرنسا وألمانيا. فبصفتهم الأطراف الأوروبية في خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) لعام 2015، وجدوا أنفسهم مضطرين إلى سحب ذراع «السناب باك» الشهير لإعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة على إيران. ومن المقرر أن يدخل حيّز التنفيذ في نهاية هذا الشهر، ما لم تقدّم إيران في اللحظة الأخيرة تنازلًا غير متوقع يتيح مجالًا للتأجيل في مجلس الأمن.
لم يكن صانعو القرار في لندن أو باريس أو برلين يرغبون في الوصول إلى هذه النقطة، لكن مع اقتراب انتهاء المهلة المتاحة لهم لتفعيل «السناب باك»، لم يعد أمامهم خيارات كثيرة. والسبب هو أن السماح بانتهاء هذا البند سيُخرج البرنامج النووي الإيراني من جدول أعمال مجلس الأمن، وهو ما يعني عمليًا إعلان عدم وجود أي مخاوف دولية بشأن استخداماته العسكرية المحتملة. وسيكون ذلك أمرًا مشوّهًا للواقع. فعلى الرغم من الأضرار التي خلّفها القصف الإسرائيلي والأمريكي على إيران ومنشآتها النووية في يونيو، لا يُعرف مكان مخزون طهران من اليورانيوم عالي التخصيب، كما أنه لا يوجد وصول فعّال لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى المواقع الرئيسية.
وبالتالي، إذا ما تم تفعيل «السناب باك»، فسيكون على الدول الأعضاء في الأمم المتحدة مجددًا التزام فرض العقوبات، بما في ذلك حظر الأسلحة، على إيران. عمليًا، قد لا يتسبب ذلك بضرر إضافي كبير لاقتصاد إيران الذي يرزح أصلًا تحت ضغط عقوبات «الضغط الأقصى» الأمريكية. لكن الأثر السياسي سيكون على الأرجح في جعل أي اتفاق تفاوضي أكثر بعدًا عن المتناول. وقد هددت إيران بالرد، بما في ذلك احتمال الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي.
والمفارقة أن أفضل وقت للمجتمع الدولي للتفاوض على اتفاق جديد ودائم مع إيران هو الآن بالذات. لكن عقوبات «السناب باك» تهدد بجرّنا إلى مواجهة عقيمة أخرى. النظام الإيراني منقسم بشدة بشأن استراتيجيته المستقبلية، غير أن هذه التطورات ستجعل الحياة أصعب على أولئك الذين يرغبون في الدفع نحو محادثات وتنازلات مقابل رفع العقوبات. وفي الجهة المقابلة، لا تبدو الإدارة الأمريكية متحمسة للانخراط في عملية تفاوضية صبورة ومفصلة كما هو مطلوب، بل تتمسك بمواقف قصوى تقترب من حد الاستسلام الذي من غير المرجح أن تقبله طهران. إن آفاق استئناف المفاوضات تبدو قاتمة.
هل يهم ذلك؟ لقد أُنهِكت إيران بشدة نتيجة تدمير دفاعاتها الجوية ومنشآتها النووية خلال «حرب الاثني عشر يومًا» هذا الصيف. كما تضرّر «محور المقاومة» الذي يمثل خط الدفاع المتقدم لإيران في سوريا ولبنان وغزة. فلماذا القلق إذا لم تتمكن إيران من العودة إلى طاولة المفاوضات النووية؟
هذا التفكير يمثل نوعًا خطيرًا من النزعة الانتصارية. الحقيقة أن هناك طريقتين فقط للتعامل مع تهديد برنامج تخصيب إيران النووي: إما عبر اتفاقات مُلزمة تجعله خارج القدرة على إحداث ضرر، أو عبر عمل عسكري مستمر. غير أن ضربة عسكرية واحدة، مهما كانت فعّالة، لا تمنع إيران من إعادة البناء؛ فالخيار العسكري يعني التزام الولايات المتحدة بدعم إسرائيل في «حرب أبدية» من النوع الذي وصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى السلطة متعهدًا بتجنّبه.
من الطبيعي أن تكون إيران غاضبة من تفعيل بند «السناب باك». فمن وجهة نظرها، كانت ملتزمة تمامًا بالاتفاق النووي عندما انسحبت الولايات المتحدة عام 2018؛ ولا تقبل بأن للترويكا الأوروبية الحق في اتخاذ هذه الخطوة. صحيح أنه عند وصول إدارة ترامب الأولى عام 2017، كان البرنامج الإيراني تحت السيطرة، لكن مع نهاية ولايته الأولى خرج عن السيطرة – متصاعدًا مع كل إجراء جديد فُرض عليها.
إعادة فرض العقوبات لا تمثل فقط اعترافًا نهائيًا بفشل الاتفاق النووي، بل ستزيد أيضًا التوتر في مجلس الأمن. إذ ستقف روسيا والصين إلى جانب إيران. لكن لا جدوى من إعادة سرد كيف وصل أطراف الاتفاق إلى هذه النقطة؛ فشرعية «السناب باك» واضحة إلى حد بعيد. الأهم هو ما سيحدث لاحقًا.
المتشددون سيقولون إن الغرب قد يتجنب هذا المأزق بين المفاوضات والقصف المتكرر: ربما يُسقط النظام، وتأتي سلطة جديدة في طهران تتخلى عن برامج التخصيب النووي والصواريخ الباليستية، ودعم الوكلاء الإقليميين. لكن ذلك ليس سوى صناعة سياسة قائمة على التمنيات. فأي تغيير انفجاري سيؤدي على الأرجح إما إلى تدخل الحرس الثوري للسيطرة، أو الانزلاق نحو صراع داخلي وانهيار الدولة. وحجم الأزمة الإقليمية إذا غرقت إيران في حرب أهلية شبيهة بسوريا أو ليبيا يفوق التصور.
وعندما يهدأ الغبار، سيجد الغرب نفسه أمام حقيقة أن «الخيار الأقل سوءًا» هو عملية شاقة من التفاوض على اتفاق جديد، يضع بشكل دائم حدًا لتهديد برنامج عسكري نووي، مقابل رفع العقوبات. لكن، بخلاف عام 2015، ينبغي أن تتناول هذه المحادثات – ولو بشكل ما – سلوك إيران الإقليمي وأن تشمل أطرافًا من المنطقة.
هذا أمر صعب للغاية، لكن من أصعب ما فيه الأيديولوجيا التي ترسخت لدى المعلقين المتشددين، والتي ترى أن أي تنازل في العقوبات هو بالضرورة أمر سيئ. وهذا خطأ. فالضغط الاقتصادي مهم، وينبغي ألّا يُخفف إلا مقابل مكاسب أمنية حقيقية. لكن أحد أسباب كراهية الأجهزة الأمنية الإيرانية للاتفاق النووي كان إدراكها أن رفع العقوبات أضعف قبضتها. في المقابل، العقوبات في السنوات الأخيرة مكّنت الحرس الثوري من توسيع سيطرته على معظم الاقتصاد الإيراني. ومن مصلحة الغرب والشعب الإيراني إبقاء احتمال الحل التفاوضي حيًا، بما قد يساعد في النهاية إيران على أن تصبح دولة أكثر طبيعية.



