الصحافة الإيرانية: عندما تصافح حماس ترامب… الشرق الأوسط يعيد تعريف نفسه
قبول حماس بخطة السلام يعني ضمنًا قبولها بسياسات واشنطن تجاه القضية الفلسطينية؛ وهو تطور قد يضع ما يُعرف بـ«محور المقاومة» أمام مرحلة جديدة من إعادة التعريف.

ميدل ايست نيوز: التحوّلات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الأسابيع الأخيرة بلغت مرحلة غير قابلة للتوقّع. فحركة حماس، التي كانت ترفع منذ سنوات شعار «المقاومة حتى تحرير فلسطين كاملة»، أعلنت هذه المرة قبولها رسميًا خطة سلام مقترَحة من إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب.
وجاء في بيان الحركة أن مستقبل غزة وحقوق الشعب الفلسطيني يجب أن يُحدَّدا على أساس «الموقف الوطني الجماعي والقوانين الدولية»، لا وفق الخطط المفروضة من واشنطن أو تل أبيب. غير أن هذا الموقف فُسّر في كلٍّ من واشنطن وتل أبيب على أنه إشارة إلى رغبة حماس في السلام. وقال ترامب، بثقته المعهودة، إن هذا الاتفاق «هو الخطوة الحقيقية الأولى نحو استقرار الشرق الأوسط»، فيما وعد بنيامين نتنياهو بأن «تحرير الرهائن بات قريبًا».
الكاتب والمحلل السياسي أحمد زيدآبادي وصف في مقالٍ له هذا التطور بأنه «تحوّل دراماتيكي» في السياسة الإقليمية لإيران، محذرًا من أن قبول حماس بخطة السلام يعني ضمنًا قبولها بسياسات واشنطن تجاه القضية الفلسطينية؛ وهو تطور قد يضع ما يُعرف بـ«محور المقاومة» أمام مرحلة جديدة من إعادة التعريف.
من جانبهلإ قال علي محمد نمازي، عضو حزب كوادر البناء، في حديثٍ لموقع رويداد24 الإيراني إن «قبول حماس بخطة ترامب ليس مجرد خطوة تكتيكية، بل بداية فصلٍ جديد في معادلات القوة الإقليمية». وأوضح أن هذا القرار «سياسيًا وأمنيًا يمكن أن يعيد رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط».
ويرى نمازي أن وقف إطلاق النار، وتحرير الأسرى، وتسليم إدارة غزة إلى هيئة فلسطينية تكنوقراطية مدعومة عربيًا وإسلاميًا، تمثل جميعها «إعادة تعريفٍ لمشهد القوة في المنطقة»، وهو تغيير لا يطال إسرائيل وحماس فحسب، بل يشمل طهران وبيروت وصنعاء أيضًا.
وأضاف أن «أول نتائج هذا الاتفاق هي زوال الذرائع الحربية التي أبقت جبهاتٍ عدة من اليمن إلى لبنان مشتعلة. فالحوثيون أعلنوا صراحةً أنهم سيواصلون الهجمات على السفن في البحر الأحمر ما دامت حرب غزة مستمرة، أما الآن ومع توقف القتال هناك، فتلك الذريعة لم تعد قائمة».
ضغوط على حزب الله وتراجع نفوذ إيران في لبنان
وأوضح نمازي أن «قبول حماس الكامل بخطة ترامب سينقل الضغط إلى حلفائها الإقليميين، وعلى رأسهم حزب الله اللبناني. فما كان الحزب يبرره منذ السابع من أكتوبر على أنه دفاع عن غزة، لم يعد يجد له مبررًا الآن. ومع تثبيت وقف إطلاق النار، ستواجه المقاومة اللبنانية ضغوطًا دولية وعربية متزايدة لنزع سلاحها».
وأشار إلى أن «هذه الضغوط قد تؤدي إلى تراجع نفوذ الجمهورية الإسلامية في لبنان، وفرض مراجعة استراتيجية على سياستها الإقليمية. فطهران تجد نفسها أمام معادلة جديدة: الحاجة إلى الحفاظ على النفوذ مقابل التكاليف المتصاعدة لذلك النفوذ».
وأضاف نمازي أن «مع انحسار حرب غزة وإغلاق ملف الأسرى، ستنتقل المبادرة إلى الولايات المتحدة والدول العربية والإسلامية التي تسعى منذ فترة إلى إعادة تعريف القضية الفلسطينية بعيدًا عن الهمينة الإيرانية. في هذا السياق، ستفقد الشعارات المعادية لإسرائيل بريقها، وسيتعين على طهران أن تجيب عن سؤالٍ أساسي: ما الحصيلة الملموسة لمحور المقاومة؟».
وختم بالقول إن «قبول خطة ترامب من قبل إسرائيل وحماس يُعدّ نهاية مرحلةٍ كانت فيها طهران تظنّ أنها قادرة عبر وكلائها على تقرير مصير المنطقة. فوقف النار في غزة، وتراجع الهجمات في اليمن، والضغوط لنزع سلاح حزب الله، تمثل ثلاث ضربات استراتيجية لعمق النفوذ الإيراني. إنها اللحظة التي تنهزم فيها السياسة الميدانية أمام الدبلوماسية الفعلية».
الاتفاق بين حماس وإسرائيل، بصرف النظر عن دوافع ترامب الانتخابية أو اعتبارات نتنياهو الأمنية، فتح مسارًا جديدًا في الشرق الأوسط.
فإذا ما ثبت هذا الاتفاق، فإنه قد يشكل نهاية مرحلةٍ كاملة من السياسات التصادمية التي اعتمدت على الأذرع الإقليمية وتوازنات القوة بالوكالة.
واليوم، ومع خفوت أصوات الحرب وعودة كلمة «السلام» إلى قاموس السياسة، يقف الشرق الأوسط على أعتاب إعادة صياغةٍ تاريخية، قد تُرسم فيها ملامح المستقبل لا بصوت الصواريخ، بل على طاولة المفاوضات.



