الصحافة الإيرانية: إيران والترتيبات البرلمانية في العراق

إن النقطة البارزة الأخرى في هذه الانتخابات كانت عودة النظام الانتخابي إلى الصيغة المعمول بها قبل عام 2021.

ميدل ايست نيوز: لم يكن معدل المشاركة في انتخابات العراق أعلى من المتوقع، لكنه أيضاً لم ينخفض بالمستوى الذي توقعه أنصار التيار الصدري. من ناحية أخرى، وللمرة الأولى، أعلنت الجهات المعنية في العراق معدل المشاركة استناداً إلى نسبة الذين سجّلوا أسماءهم للتصويت، وبالتالي، في حين أن نسبة المشاركة الفعلية تبلغ نحو 40٪، فإن الرقم المُعلن، أي 55٪، يعكس مشاركة المسجّلين الذين حصلوا على بطاقة التسجيل للانتخابات لكنهم لم يتوجهوا إلى صناديق الاقتراع.

وكتب عبد الرحمن قهرمان بور، باحث كبير في الشؤون الدولية، في مقال نشرته صحيفة دنياي اقتصاد، إن النقطة البارزة الأخرى في هذه الانتخابات كانت عودة النظام الانتخابي إلى الصيغة المعمول بها قبل عام 2021. ففي الدورة السابقة اعتمد العراق نظام “الأغلبية البسيطة” أو “الصوت الواحد غير القابل للتحويل”، وهو نظام صبّ في مصلحة التيار الصدري وأسهم في فوزه. لكن بعد أن أدرك ائتلاف القوى الشيعية خطأه، أعاد النظام الانتخابي إلى الصيغة السابقة القائمة على “نظام التمثيل النسبي”، وهو النظام الأكثر فائدة للأحزاب والتيارات. وقد رأينا هذه المرة أن الأحزاب الشيعية تمكنت من حصد الأغلبية.

ومن الجوانب اللافتة أيضاً فوز رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، وهو ما يعكس رضا شريحة مهمة من الرأي العام والناخبين عن أدائه، خصوصاً في تحقيق قدر من الاستقرار النسبي في البلاد، والاهتمام بالخدمات العامة والبنى التحتية. وعلى الرغم من أن النظام النسبي لا يمنح الحزب الفائز نسبة مرتفعة من الأصوات، إذ حصل التيار الداعم للسوداني على نحو 40٪ من الأصوات، فإن ذلك يشير في كل الأحوال إلى أن أداءه في ولايته الماضية حظي بقبول ملحوظ، ما يعني أن السوداني سيواصل السعي إلى الحفاظ على توازن بين القوى الخارجية المؤثرة في العراق، وتحديداً إيران والولايات المتحدة، إلى جانب محاولته اختيار حكومة ذات طابع تقني وغير سياسي إلى حدّ ما، لتجنب انتقادات بقية القوى، ولا سيما التيار الصدري.

وكانت مقاطعة الانتخابات من قبل مقتدى الصدر تطوراً مهماً في هذه الدورة. فقد توقع البعض أن تؤدي مقاطعته إلى خفض كبير في نسبة المشاركة، لكن اللافت هو أن مقاطعة الانتخابات في معظم دول العالم لا تحقق عادة النتيجة المرجوة؛ إذ يميل الناخب إلى التصويت—سواء التصويت الاستراتيجي أو الاعتراضي—بدلاً من عدم التصويت، لأنه يرى أن الامتناع قد يحجب صوته تماماً، بينما يمكن للتصويت الأبيض أو الاعتراضي أن يحمل دلالات ومؤشرات سياسية.

وقد يسهم ذلك في تراجع نسبي لنفوذ الصدر في المشهد السياسي العراقي. كما أنه ليس واضحاً تماماً ما الذي يهدف إليه الصدر من مقاطعة الانتخابات: هل يسعى إلى تغيير النظام السياسي في العراق؟ أم إلى التحول إلى حزب سياسي قوي؟ وإذا استمر في إهدار رصيده السياسي في لحظات حساسة كهذه، فإن ذلك قد يؤدي إلى تقليص تأثيره في السنوات المقبلة.

ومن جانب آخر، فإن أحد الإشكالات التي ظهرت أيضاً في هذه الانتخابات هو إشكال “الزبائنية السياسية”، التي شرحها فرانسيس فوكوياما مطولاً في كتابه “النظام والانحطاط السياسي”. ففي هذا السياق، توجد انتخابات وتنافس انتخابي، لكن سيادة القانون ضعيفة، ما يعني أن القانون غير قادر على منع شراء الأصوات أو استغلال السياسيين للموارد العامة، الأمر الذي يؤدي تدريجياً إلى فقدان العملية الانتخابية لمصداقيتها. وهذا ما نراه بوضوح في العراق.

ومنذ عام 2003 وحتى اليوم، يمكن القول إن نسب المشاركة في الانتخابات تسجل تراجعاً مطرداً، في وقت تتزايد فيه الخلافات والتنافس داخل التيارات الشيعية والكردية، بما يشير إلى أن الزبائنية السياسية تحولت إلى ظاهرة واسعة. وبعبارة أخرى، أصبحت الانتخابات وسيلة لزيادة ثروة السياسيين وتوسيع دوائر النفوذ، فيما تظل الوجوه السياسية كما هي تقريباً منذ عقدين، وهو ما أضعف بدوره المؤسسة الانتخابية في البلاد.

وعلى الرغم من ذلك، يبدو أن إيران والولايات المتحدة ليستا في حالة قلق أو استياء كبير من نتائج الانتخابات. فقد حاول السوداني خلال الأعوام الماضية الحفاظ على علاقة متوازنة تُرضي إيران من جهة، وتجنب غضب الولايات المتحدة من جهة أخرى، ومن المرجح أن يواصل هذا النهج في المرحلة المقبلة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

18 + ستة =

زر الذهاب إلى الأعلى