في يومه العالمي… كيف خرج “الإسبريسو” من المقاهي ليصبح عادة يومية في إيران؟

لم تعد آلة الإسبريسو سلعة فاخرة، بل جهازًا منزليًا عاديًا يلبي حاجة يومية. ففي كثير من المنازل الإيرانية اليوم، تظهر آلة القهوة الصغيرة إلى جانب السماور الشاي أو الغلاية الكهربائية.

ميدل ايست نيوز: يحتفل عشاق القهوة في نوفمبر من كل عام باليوم العالمي للإسبريسو، وهي مناسبة قد تبدو للوهلة الأولى دولية الطابع فقط، لكنها بالنسبة للمجتمع الإيراني المعاصر فرصة لرصد تغيّر بدأ يتسلل ببطء إلى العادات اليومية.

فالمشروب المرّ الذي كان تذوقه في السابق يقتصر على أماكن محدودة في إيران، بات اليوم في متناول اليد إلى درجة أنّ محلاً صغيرًا في أي شارع فرعي أو زقاق يمكنه أن يقدّم لك جرعة كافية لتعديل مزاجك في أي ساعة من النهار. أصبح الإسبريسو جزءًا من الحياة اليومية لكثير من الإيرانيين إلى حدّ أن بعضهم لا يبدأ يومه من دون شرب فنجان منه، وإلا سيبقى في حالة خمول.

كانت تجربة شرب القهوة حتى سنوات قليلة مضت في إيران محصورة بمناطق محددة يتواجد فيها مقهى أو متجر لبيع القهوة. وكانت أجزاء واسعة من المدن، خصوصًا الأحياء التقليدية، تخلو أصلًا من محال القهوة. لكن اليوم باتت المتاجر الصغيرة لبيع القهوة ظاهرة لافتة. وأصبح بعضها كشك صغير له زبائن دائمون وعابرون؛ زبائن من الجيل الجديد من الشباب وحتى العائلات التي صارت القهوة جزءًا ثابتًا من مشترياتها اليومية. يعد هذا التغيير البسيط أحد المؤشرات على أنّ القهوة، و”خصوصًا الإسبريسو منها” لم تعد مشروبًا خاصًا، بل دخلت فعليًا في نمط الحياة اليومي.

أما التغيير التالي فبدأ حين لم تعد آلة الإسبريسو سلعة فاخرة، بل جهازًا منزليًا عاديًا يلبي حاجة يومية. ففي كثير من المنازل الإيرانية اليوم، تظهر آلة القهوة الصغيرة إلى جانب السماور الشاي أو الغلاية الكهربائية. وفي بعض الأسر الإيرانية أصبحت ماكينة صنع الإسبريسو جزءًا من جهاز العروس، وهو أمر لم يكن مألوفًا قبل سنوات قليلة. وقد ساهم وجودها في نقل عادة شرب القهوة من خارج المنزل إلى داخله، بحيث لم تعد مرتبطة بزيارة المقاهي.

ووصل هذا التحول الهادئ أيضًا إلى أسلوب الضيافة. فحتى وقت قريب، كان تقديم الشاي خيارًا ثابتًا بين الإيرانيين في أي مناسبة اجتماعية، فلن تجد أحداً منذ عدة أعوام قليلة يسأل عن بديل. لكن خلال السنوات الأخيرة أصبحت القهوة جزءًا من الضيافة الإيرانية، وبدأت تجد موقعًا ثابتًا وراسخًا فيها. في العديد من البيوت، خصوصًا تلك التي تمتلك آلة إسبريسو، لم يعد تقديم فنجان إسبريسو أو أمريكانو أو لاتيه نوعًا من الترف، بل جزءًا طبيعيًا من الضيافة. يعكس هذا التغيير أنّ الذائقة العامة في  بلاد فارس تجاوزت مرحلة الاكتفاء بالشاي، في تحول بطيء لكنه واضح في السلوك اليومي.

هذه المقدمة تكشف كيف تمكن الإسبريسو أو على نطاق أوسع القهوة، من إحداث تغيير ثقافي حقيقي بين الإيرانيين لا سيما الشباب. فقد بدأ مسار دخول القهوة إلى الحياة اليومية من المقاهي الصغيرة، ومن دون أن ينافس المشروبات التقليدية مثل الشاي، بل انسجم مع إيقاع الحياة الحضرية، ليتحول تدريجيًا إلى عادة يومية. وجاء هذا التحول الهادئ ليؤكد أن التغيّر الثقافي لا يحدث دائمًا عبر تحولات كبيرة، بل يبدأ أحيانًا من اختيارات بسيطة وثابتة تتراكم مع الوقت.

مع مرور السنوات تبدّل إيقاع الحياة نفسها؛ إذ صارت الأيام تركض أسرع، والمهام تتكدس أكثر، والساعات خارج المنزل تطول بلا نهاية، فيما تزداد الحاجة إلى دفعة طاقة تبقي الإنسان حاضرًا في هذا الجريان المتسارع. وفي خضم هذا الإيقاع اللاهث، وجدت القهوة والإسبريسو طريقهما إلى أيدي شرائح واسعة من الناس، لتصبحا رفيقًا يوميًا، وعاملًا أساسيًا في هذا التحول الثقافي الهادئ.

وبذلك لم يعد المقهى مجرد مكان لاحتساء القهوة فقط، بل أصبح مساحة للقاءات والاجتماعات الودية، والعمل على الحاسوب، أو حتى الجلوس منفردًا مع فنجان إسبريسو. وفي هذه المساحة تكون القهوة عادة بداية المشهد؛ مشروب ينسجم مع بيئة العمل والتركيز، وفي الوقت نفسه جزء من طقوس المقهى: صوت آلة القهوة، رائحة الحبوب المحمصة، والفنجان الصغير الملاصق للهاتف المحمول أو دفتر الملاحظات. وهي مجموعة عناصر صنعت ملامح ثقافة يومية جديدة.

وبمرور الوقت ساهم سلوك الإيرانيين في ترسيخ هذه القاعدة الثقافية الجديدة؛ من طريقة طلب القهوة إلى الاهتمام بزمن الاستخلاص ورائحة الحبوب وغيرها، ما يدل على أنّ القهوة أصبحت اليوم عنصرًا مهمًا في حياة الإيرانيين اليومية.

وكان لعوامل أخرى دور في تشكيل هذا الذوق الجديد. فمع دخول حبوب القهوة المحمصة بأسعار مناسبة وجودة مقبولة إلى السوق، لم تعد القهوة سلعة باهظة أو محدودة، بل خيارًا متاحًا لمختلف شرائح المجتمع الإيراني. حيث بدأ الناس هنا يدركون أن القهوة ليست مجرد مشروب مرّ، بل لها أنواع ونكهات وروائح مختلفة. هذا الإدراك البسيط خلق اهتمامًا أكبر بالاختيار، وكان جزءًا من هذا التحول الثقافي. فكما كان التمييز بين أنواع الشاي عبر لونه ورائحته ووقت استخلاصه مهارة عند «عشاق الشاي»، بات الأمر ذاته ينطبق على القهوة، ليظهر جيل من «خبراء القهوة» و«عشّاقها».

مع ذلك، يبقى الشاي المشروب الأكثر حضورًا في إيران، لكن الإسبريسو يعكس جانبًا آخر من نمط الحياة. ووجود المشروبين معًا يقدّم صورة دقيقة عن الثقافة الإيرانية اليوم؛ مجتمع يحافظ على تقاليده وفي الوقت نفسه يتبنى أنماطًا جديدة من دون أن يلغي القديمة. ولا يزال الشاي، بطبيعته، ملائمًا أكثر بعد الوجبات الإيرانية الدسمة مثل «آبگوشت» (ديزي) أو الكباب.

ويمثل اليوم العالمي للإسبريسو، الذي يصادف في 23 نوفمبر، فرصة لملاحظة هذه التحولات الصغيرة التي تبدو بسيطة، لكنها في مجموعها ترسم صورة واضحة لتحول ثقافي مستمر. وقصة الإسبريسو في إيران بدأت من هذه التفاصيل بالذات. ورغم أنه أصغر المشروبات حجمًا في قائمة المقاهي، فإنه أصبح رمزًا لأحد أكبر تحولات أسلوب الحياة، وهو تحول ما زال يتطور ويتغير.

اقرأ المزيد

عن القهوة وكيف تشق طريقها بين الإيرانيين.. هل شعبية الشاي في خطر؟

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة عشر + ثلاثة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى