الصحافة الإيرانية: ورقة إيران والصفقة الخفية

الاتكال على الضمانات الخارجية لا يصنع استراتيجية مستقرة، ولا يوفر حماية يُعتمد عليها في اللحظات المصيرية.

ميدل ايست نيوز: وثّقت الولايات المتحدة وروسيا تجربة واضحة في أوكرانيا؛ مفادها أن أطول الحروب الاستنزافية يمكن أن تنتهي خلف الأبواب المغلقة بصفقة كبرى. فقد منحت واشنطن، من خلال تجاوزها أوروبا والضغط على كييف، عملياً مساحة مناورة لموسكو؛ وهي خطوة لم تقتصر على كونها هزيمة دبلوماسية لبروكسل، بل كشفت نموذجاً تحذيرياً يقول إن القوى الكبرى قد تضحي بولائها لحلفائها القدامى عندما تتعارض تلك الالتزامات مع مصالحها المباشرة. أوروبا تعلّمت هذا الواقع بمرارة؛ فالتحالف الذي تحمّل سنوات من الأكلاف الاقتصادية والسياسية دعماً لأوكرانيا وجد نفسه لحظة الحسم أمام خيار شقّ وحدة الغرب وأظهر أن أي حليف، مهما كان موقعه، ليس بمنأى عن أن يصبح ضحية الحسابات الكبرى.

وقال الكاتب والصحافي الإيراني حامد نقي لو، في مقال لدبلوماسي إيراني، إنه بالنسبة لإيران، تمثل هذه التجربة إنذاراً بالغ الأهمية؛ فالاتكال على الضمانات الخارجية لا يصنع استراتيجية مستقرة، ولا يوفر حماية يُعتمد عليها في اللحظات المصيرية. الخيار الآمن الوحيد هو تعزيز الاستقلال الاستراتيجي وزيادة القدرة على التفاوض انطلاقاً من الداخل. هذا المنطق امتد اليوم إلى غرب آسيا. ويمكن قراءة الاتصال المباشر بين رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي ورئيس روسيا في هذا السياق تحديداً. فإسرائيل تدرك جيداً أن إيران هي محور التوازنات الأمنية في المنطقة، وتحاول، في لحظات تتزامن فيها فجوات بين واشنطن وأوروبا مع ضغوط حرب أوكرانيا التي تدفع موسكو إلى تبادل المكاسب، أن ترفع إيران من موقع اللاعب إلى موقع موضوع للمساومة. فإذا كانت الولايات المتحدة قد منحت روسيا تنازلات في أوكرانيا، فمن الطبيعي توقع أن تلتزم موسكو الصمت حيال إيران أو على الأقل تتصرف بتنسيق محسوب. هذا الاتصال حتى وإن بقي في حدود التكهن يحمل رسالة واضحة: إيران قد تتحول في أذهان القوى العالمية إلى ورقة مقايضة ما لم تفرض هي قواعد اللعبة.

تعزز سابقة التنسيق الأمني بين موسكو وتل أبيب في “سوريا” هذا الاحتمال. فقد رافقت الغارات الجوية الإسرائيلية على مواقع مرتبطة بإيران في سوريا طوال سنوات بردود روسية محدودة ومحسوبة؛ وهو سلوك شكّل لتل أبيب مكسباً استراتيجياً، ولطهران تحذيراً بشأن حدود التعاون العملي مع موسكو. وحين تنتقل الاتصالات إلى مستوى القادة، فإن ما يهم ليس تفاصيل ما يُقال، بل المنطق الكامن خلفه. رسم خطوط حمراء مشتركة بشأن إيران في ظل غيابها يعني محاولة لإعادة توزيع الأدوار في ميزان المنطقة. واستمرار هذا النهج قد ينقل إيران في اللحظات الحساسة من موقع الفاعل المستقل إلى موقع الشيء القابل للمقايضة؛ وهو مسار لا يُمكن منعه إلا عبر إعادة رسم دور إيران في معادلات المنطقة بشكل فعّال.

وفي خضم هذا المشهد المعقد، تُعاد كتابة الخريطة الاقتصادية والتكنولوجية للمنطقة بسرعة غير مسبوقة. وإذا استمرت هذه التحولات بلا صياغة أطر واضحة من قبل طهران، فقد تتحول إيران نفسها إلى محور منافسة بين بكين وموسكو؛ منافسة قد تُنتج فرصاً، لكنها قد تُقيد الخيارات في غياب سياسة لإدارة العلاقات. وفي هذا السياق، يصبح التذكير بحقيقة أساسية أمراً ضرورياً للتصحيح لا للمبالغة: إيران ليست ورقة، بل لاعب. فاستقرار إيران وأمنها يمثلان بالنسبة لروسيا ضرورة استراتيجية. فأي انهيار متسلسل في إيران يمكن أن يدفع موسكو نحو عزلة وخنق اقتصادي وأزمات داخلية، وهو ما تدركه روسيا كتهديد وجودي، حتى إن لم يُعلَن ذلك صراحة. من هنا، فإن محاولات بعض الأطراف لتحويل إيران إلى مادة تفاوضية تعبّر أكثر عن إدراكهم لحساسية مفاصل النظام الإقليمي.

وعندما تتكثف الاتصالات والتفاهمات وراء الكواليس بشأن إيران، فذلك يعني أن غرب آسيا لم يعد مجرد ساحة صراعات بالوكالة، بل أصبح مركزاً يؤثر في مصير القوى الكبرى. الولايات المتحدة أثبتت أنها مستعدة لتحقيق مكاسب قصيرة الأمد ولو على حساب تآكل ثقة حلفائها. وإسرائيل تسعى إلى استغلال التصدعات لتحويل إيران إلى ملف قابل للتفاوض. أما الصين فتأخذ موقعاً متقدماً عبر التراكم والاستثمار، لتعيد رسم الخريطة الاقتصادية لمصلحة نفوذها، فيما تعتمد روسيا بشكل واضح على استقرار إيران، لأنها قد تكون أولى ضحايا الانفلات الإقليمي في حال غاب هذا الاستقرار.

جمع هذه الخطوط يرسم صورة واحدة: أي حركة في إيران لا تُنتج أثراً محلياً فقط، بل تصنع موجة تصل إلى سواحل أبعد وقد تعيد تشكيل موازين القوى الكبرى. وفي ضوء هذه الحقيقة، لا يمكن لاستراتيجية إيران أن تُبنى على الرهان على وفاء الآخرين أو الاتكال على ضمانات خارجية. التحول من ورقة تفاوض إلى لاعب غير قابل للمفاوضة يتطلب إعادة تعريف دور إيران في النظام الإقليمي بصورة استباقية وفاعلة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

17 − 6 =

زر الذهاب إلى الأعلى