الصحافة الإيرانية: ما الهدف الحقيقي لواشنطن من التفاوض مع إيران؟

تمثل المفاوضات الحالية من جهة أرضية لإدارة الأزمة ومنع الحرب، ومن جهة أخرى وسيلة للتقييم والقياس واحتواء ضغوط العقوبات، فضلاً عن تأمين المصالح الوطنية، سواء الأمنية أو الاقتصادية.

ميدل ايست نيوز: أعادت المفاوضات المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في سلطنة عُمان إلى أذهان المحللين سؤالاً جوهرياً حول الهدف الحقيقي لواشنطن من الدخول في مثل هذه المحادثات: هل تمثل هذه المفاوضات محاولة صادقة لخفض التوتر وإيجاد حلول مستدامة، أم أنها أداة تكتيكية للتغلغل والتقييم وإدارة سلوك الطرف المقابل؟ تبقى ثنائية «حصان طروادة» و«مسار الدبلوماسية» في صميم فهم السلوك الأميركي في المرحلة الراهنة.

وقال آنوش رحام، الباحث في الشؤون السياسية، في مقال لصحيفة شرق الإيرانية، إن سلطنة عُمان شكلت خلال السنوات الماضية إحدى القنوات القليلة الآمنة والمحايدة للتواصل بين طهران وواشنطن، إذ يتيح المناخ الهادئ والسرّي بعيداً عن الضجيج الإعلامي إجراء محادثات يصعب تحقيقها بسهولة في ساحات دبلوماسية أخرى. غير أن هذه الخصائص نفسها جعلت هذه القناة، إلى جانب دورها الدبلوماسي، أرضية مناسبة لقياس المواقف وتقييمها وحتى ممارسة النفوذ الناعم وفق سيناريو «حصان طروادة»، حيث يمكن لكل خطوة وكل عبارة وكل توقف وكل رد فعل أن يزوّد واشنطن بمعلومات قيّمة حول النيات والخطوط الحمراء لدى الطرف المقابل.

ومن جهة أخرى، وبالنظر إلى سوابق الولايات المتحدة وقيامها بشن هجمات خلال مسارات تفاوضية سابقة، تتشكل رؤية متشائمة لا ترى في مفاوضات عُمان نافذة دبلوماسية بل نوعاً من «حصان طروادة». وفق هذا التصور، تدخل واشنطن إلى الساحة بواجهة هادئة ودبلوماسية، لكنها تسعى في الواقع إلى النفاذ إلى بنية صنع القرار في إيران، وقياس مستوى قابلية الضغط، ورصد الفجوات المحتملة ونقاط الضعف. فالمحادثات السرية، حتى لو لم تفضِ إلى اتفاق، تنتج كمّاً كبيراً من البيانات السلوكية والتحليلية التي يمكن استخدامها في تصميم ضغوط مستقبلية، وضبط العقوبات، وصياغة ترتيبات إقليمية جديدة، بل وحتى تشكيل تحالفات في مواجهة إيران. وهنا، لا تُستخدم المفاوضات لحل الخلافات بقدر ما تُستخدم لإيجاد «وهم الهدوء»، إذ يشعر الطرف المقابل بأن التوتر آخذ في التراجع، بينما تعمل واشنطن خلف الكواليس على إعادة تصميم أدوات الضغط والحصار الاقتصادي وبناء التحالفات وترتيب مشهد جديد. هذا هو الدور الكلاسيكي لحصان طروادة: دخول هادئ، وبناء الثقة، ثم استثمار الغفلة.

ومع ذلك، ينبغي الانتباه إلى أن الولايات المتحدة في الظروف الحالية لا تمتلك القدرة ولا الرغبة في بدء حرب جديدة، وبالتالي، إذا لعبت المفاوضات دور حصان طروادة، فإن هذا الدور سيكون سياسياً واستخبارياً أكثر منه عسكرياً. فالهدف الرئيسي لواشنطن هو احتواء سلوك إيران وجعله قابلاً للتنبؤ، وليس الدخول في مواجهة مباشرة طويلة الأمد. غير أن هذا الواقع يفرض على إيران ضرورة الحذر.

وتتسم المفاوضات السرية دائماً بطبيعة متعددة الطبقات، إذ يمكن لكل طبقة أن تحمل فرصاً أو تهديدات. فمن جهة، يمكن للحوار أن يمنع تفاقم الأزمة ويوفر مساحة للتنفس، ومن جهة أخرى، قد يشكل أرضية للنفوذ الناعم والتقييمات الاستراتيجية. تكمن مهارة جهاز الدبلوماسية والأمن القومي الإيراني في التمييز بين ما يمثل فرصة وما يشكل تهديداً في هذا المسار.

ويرى كثيرون أن الولايات المتحدة تسعى في المرحلة الراهنة إلى إدارة الأزمة، إذ لا ترغب واشنطن في اندلاع حرب واسعة في المنطقة، ويمكن استنتاج ذلك من طبيعة انتشار الأسلحة والدعم اللوجستي للقوات الأميركية، حيث يعكس هذا الانتشار ضغطاً أكثر مما يعكس استعداداً لبدء الحرب. يلاحظ في هذا السياق الارتفاع الملحوظ في رحلات الطائرات الثقيلة التابعة لسلاح الجو الأميركي من طراز C-17 وC-5 وطائرات التزوّد بالوقود KC-135 وKC-10، التي تمثل العمود الفقري لمنظومة النقل العسكري ونقل القوات والمعدات والذخائر والوقود، ما يشير إلى أن الولايات المتحدة تعمل على تعزيز نواتها العملياتية الثابتة في المنطقة بموجات جديدة من الدعم. وإلى جانب ذلك، يبرز حضور مكثف للطائرات المتخصصة من طراز MC-130 وRC-135 وP-8 وRQ-4، التي تُستخدم في العمليات الخاصة والتنصت والاستخبارات والاستطلاع البحري، بهدف جمع معلومات دقيقة عن الأهداف والاستعداد لسيناريوهات ضربات محدودة في المنطقة.

وتحمل هذه الأنماط والترتيبات الجوية ثلاث رسائل رئيسية: الرسالة الأولى تتمثل في ممارسة أقصى درجات الضغط لانتزاع تنازلات في المفاوضات، عبر ترتيب يهدف أولاً إلى دفع إيران إلى التراجع في المحادثات، وثانياً إلى إظهار أن «الخيار العسكري» قائم وجاهز ويتمتع بقدرة ردع كافية لمنع توسع الصراع، وثالثاً إلى طمأنة الحلفاء الإقليميين الذين يمارسون ضغوطاً سياسية. ومن ثم، يمكن الاستنتاج أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى حرب واسعة النطاق، نظراً لما ستترتب عليها من تكاليف اقتصادية وسياسية وأمنية باهظة.

وتُعد عوامل مثل السيطرة على أسعار الطاقة، وطمأنة الحلفاء الإقليميين، وإدارة الملف النووي الإيراني من دون العودة الرسمية إلى الاتفاق النووي، من بين الأهداف التي تدفع الولايات المتحدة إلى الانخراط في مفاوضات مباشرة. في هذا الإطار، لا يمكن حصر مفاوضات عُمان في إطار «حصان طروادة» أو «مسار الدبلوماسية» فقط، إذ إن الواقع يشير إلى أنها قد تكون مزيجاً من الاثنين معاً.

فهي تمثل من جهة أرضية لإدارة الأزمة ومنع الحرب، ومن جهة أخرى وسيلة للتقييم والقياس واحتواء ضغوط العقوبات، فضلاً عن تأمين المصالح الوطنية، سواء الأمنية أو الاقتصادية. تشكل هذه النافذة بالنسبة لإيران فرصة حقيقية لتخفيف التوترات متعددة الأطراف ومنع انفجار أزمات مركبة، كما توفر مساراً لحل جذري للخلافات مع الغرب بعد سنوات طويلة، شريطة اتباع سياسة متعددة المراحل تشمل وقف التصعيد والتفاهم بهدف إشراك رؤوس الأموال الغربية في الاقتصاد الإيراني. ويتطلب هذا المسار تغييراً في التكتيك الخطابي من نهج المواجهة إلى سياسة تهدئة ذكية مع أوروبا والغرب.

وفي عالم اليوم، ولا سيما في ملف معقد مثل العلاقات بين إيران والولايات المتحدة، لا تكون الدبلوماسية أحادية البعد. وهذه المفاوضات بدورها من هذا النوع: متعددة الطبقات والأهداف، ومزيج من الفرص والتهديدات. يكمن التحدي في تحديد الخط الفاصل بينهما، وهو النقطة التي تبدأ عندها السياسة الواقعية، حيث يتعين على صناع القرار، عبر استراتيجيات قائمة على العقلانية، إدارة النزاعات لصالحهم بدلاً من الانخراط في صراع غير قابل للتنبؤ أو تبني خطاب المواجهة، وتوجيهها نحو مجموعة من المصالح الاستراتيجية طويلة الأمد.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسعة عشر − 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى