محنة «نيران الشركاء»: هل ينجح السوداني في منع انزلاق العراق؟
يأتي هذا التحرك لضبط “إيقاع” الفصائل المسلحة ومنع انزلاق العراق في الصراع الإقليمي الملتهب، خاصة مع خسائر يومية بلغت 200 مليون دولار نتيجة توقف النفط.

ميدل ايست نيوز: حسم رئيس الوزراء محمد شياع السوداني الجدل حول شغور حقيبة الدفاع بتولي مهامها، في خطوة قرأها الخبراء القانونيون والأمنيون كضرورة لمركزة القرار العسكري وتوحيد القيادة الميدانية.
يأتي هذا التحرك لضبط “إيقاع” الفصائل المسلحة ومنع انزلاق العراق في الصراع الإقليمي الملتهب، خاصة مع خسائر يومية بلغت 200 مليون دولار نتيجة توقف النفط، وإعلان قادة الحشد والجيش التزامهم الحصري بأوامر “القائد العام” لتحييد البلاد عن ضربات الحلفاء والخصوم.
قرار شرعي
ويقول أحمد العبادي الخبير القانوني، اليوم الثلاثاء (3 آذار مارس 2026)، إن تولي رئيس مجلس الوزراء أو تكليفه أحد الوزراء بمهام وزير آخر يدخل ضمن صلاحياته المنصوص عليها في النظام الداخلي لمجلس الوزراء، فالمادة 17 رابعاً تنص على أن يكلف الرئيس أحد نوابه أو الوزراء إضافة إلى مهماته للقيام بمهمة الوزير المكلف بمهمة خارج العراق أو داخله أو المتمتع بإجازة اعتيادية أو مرضية أو لأي سبب مشروع”.
واطلعت “العالم الجديد” على وثيقة صادرة عن مكتب رئيس مجلس الوزراء، تقضي بتولي رئيس الوزراء محمد شياع السوداني مهام وزارة الدفاع بالوكالة، مع إلغاء الأمر الديواني السابق المرقم (26059) بالعدد (2681063) الصادر في 27 كانون الثاني 2026.
وبحسب ما جاء في الوثيقة، فإن السوداني سيتولى تسيير شؤون وزارة الدفاع إضافة إلى مهامه، وذلك في ظل استمرار حكومة تصريف الأعمال، بعد أداء عدد من الوزراء اليمين الدستورية نوابا في مجلس النواب عقب الانتخابات التشريعية التي جرت في تشرين الثاني 2025.
وكان ثمانية وزراء قد انتقلوا إلى عضوية مجلس النواب، من بينهم وزراء النقل والكهرباء والزراعة والتخطيط والتعليم العالي والاتصالات والتربية والدفاع، ما أدى إلى شغور عدد من المناصب الوزارية، ودفع رئيس الوزراء إلى تكليف وزراء آخرين بإدارتها بالوكالة لحين تشكيل الحكومة الجديدة.
توقيت حساس
ويرى العبادي، أن “قرار تولي رئيس مجلس الوزراء مهام وزارة الدفاع بالوكالة، جاء في توقيت يتزامن مع تصاعد غير مسبوق في التوتر بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة وامتداد تداعياته إلى الخليج والعراق. وفي ضوء هذا التصعيد الإقليمي المتسارع، رأى رئيس الوزراء أن المرحلة تتطلب تركيز القرار الأمني والعسكري بيده بشكل مباشر، لضمان سرعة الاستجابة الميدانية والاستخبارية، وتوحيد القيادة في ظل مخاوف من اتساع رقعة المواجهة واحتمال زج العراق في الصراع القائم”.
الخاسر الأكبر
من جهته، يقول صفاء الأعسم الخبير الأمني، إن “الوضع في المنطقة خطر جداً، إذ إن المنطقة التهبت بشكل كبير، وأكثر بلد يتعرض للخسائر حالياً هو العراق، فقد أغلق أجواءه الجوية بالكامل وتوقف تصدير نفطه الذي كان يوفر يومياً نحو 200 مليون دولار”.
هجوم الشركاء
ويلفت الأعسم إلى محنة العراق في إدارة ملفه الأمني وهو يتعرض لضربات من إيران التي تعد شريكاً استراتيجياً، كما يتعرض لضربات من الولايات المتحدة التي تعد أيضاً شريكاً استراتيجياً، ما يعني أن أقوى شريكين استراتيجيين يضربان العراق حالياً”.
ويتابع، أن “كثيراً من دول المنطقة تحاول جر العراق إلى المعارك، وأن الكيان الصهيوني من أكثر الجهات التي تحاول زج العراق في الصراع لغرض ضربه، لكن العراق يعمل على النأي بنفسه عن عمليات الضرب، خاصة مع تدخل بعض الفصائل، إذ دخلت سرايا أولياء الدم وأكدت استخدامها ضربات باتجاه قواعد أمريكية داخل العراق وخارجه، ما يتطلب ضبط الإيقاع جداً في الوضع الأمني الداخلي”، مؤكداً أن “العراق لا يريد أن تكون هناك مشاكل في المنطقة، وأنه أكثر دولة متضررة بعمليات القتال إضافة إلى إيران بوصفها طرفاً مباشراً في المعركة”.
صلاحيات أوسع
ويوضح الخبير الأمني، أن “القرار الأمني أصبح بيد القائد العام للقوات المسلحة، بعد أن أصبح وزير الدفاع ثابت العباسي عضواً في مجلس النواب، ما يستوجب إما ترك منصب الوزارة أو ترك عضوية البرلمان. كما أن قرار القائد العام تولي وزارة الدفاع بالوكالة يمنحه صلاحيات أكثر، ميدانية واستخبارية وامنية، في ظل حديث عن دول تعمل على زج العراق في المعركة القائمة التي قد تتطور، خاصة أن الأسابيع المقبلة ستكون مرهقة وملتهبة جداً، مع تخوف من توسع عمليات القتال وإشراك العراق فيها”.
وتولى محمد شياع صبار حاتم السوداني، المولود في (4 آذار 1970)، قبل أن يشغل منصب رئيس مجلس الوزراء، عدة مناصب تنفيذية، من بينها وزير العمل والشؤون الاجتماعية في حكومة حيدر العبادي، كما شغل منصب وزير الصناعة بالوكالة منذ عام 2016، وتولى لفترة مهام وزارة التجارة بالوكالة بعد إنهاء مهام الوزير السابق.
كما شغل السوداني منصب وزير حقوق الإنسان في حكومة نوري المالكي الثانية للفترة من 2010 إلى 2014، وتقلد منصب محافظ ميسان بين عامي 2009 و2010. وكان عضواً في حزب الدعوة الإسلامية – تنظيم العراق، قبل أن يعلن استقالته منه في كانون الأول ديسمبر 2019.
ويعتقد الأعسم، أن “تولي القائد العام وزارة الدفاع يهدف إلى أن يكون هو صاحب القرار في الأمن الداخلي والخارجي”، عاداً “الخطوة جاءت بالتوافق مع الجميع ولا ضرر عليها، لا سيما أنها حدثت سابقاً حتى في عهد السيد المالكي حين تولى المنصب بالوكالة”.
وتشهد المنطقة تصاعداً في حدة المواجهة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، ولا سيما بعد إعلان اغتيال المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، وسط امتداد العمليات العسكرية إلى مساحات أوسع في الخليج، بما في ذلك العراق الذي بات يتأثر مباشرة بتداعيات هذا التصعيد.
وكانت كتائب حزب الله العراقي قد أعلنت استعدادها للمشاركة في أي حرب تشنها واشنطن وتل أبيب على طهران، قبل أن تتعرض قاعدة عسكرية تابعة لها في منطقة جرف الصخر شمالي محافظة بابل إلى استهداف جوي في الساعات الأولى من المواجهة.
وعقب ذلك، نقلت وسائل إعلام محلية عن قيادات في كتائب حزب الله أن الفصيل سيباشر بمهاجمة القواعد الأميركية رداً على الاعتداءات، في حين نشر فصيل سيد الشهداء بياناً أعلن فيه الاستعداد لحرب طويلة.
كما أعلن المعاون العسكري لحركة النجباء عبد القادر الكربلائي، في منشور عبر منصة “إكس”، نية مقاتلي الحركة دخول الحرب إلى جانب إيران، مؤكداً الجاهزية والاستعداد.
وبعد تلك البيانات والتصريحات، تبنت فصائل مسلحة موالية لإيران تعمل تحت مسمى “المقاومة الإسلامية في العراق” تنفيذ عشرات الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ على مواقع تقول إنها اميركية في أربيل ومحيطها، وبينها قاعدة حرير الجوية القريبة من مطار أربيل الدولي الذي يضم وجوداً لقوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة.
الحشد تحت أمرة الدولة
وعقد في مقر قيادة العمليات المشتركة، مساء أمس الاثنين، اجتماع أمني مشترك برئاسة الفريق أول الركن عبد الأمير رشيد يار الله رئيس أركان الجيش، والفريق أول الركن قيس المحمداوي نائب قائد العمليات المشتركة، وحضور معاون رئيس أركان الجيش للعمليات ورئيس جهاز مكافحة الإرهاب، ونائب قائد عمليات الحشد الشعبي، وقائد القوات البرية، ورئيس الاستخبارات في هيئة الحشد الشعبي، إلى جانب عدد من القادة الأمنيين.كما شارك في الاجتماع قادة العمليات وقادة شرطة المحافظات عبر دائرة تلفزيونية مغلقة.
وبحسب بيان لخلية الإعلام الأمني أكد “المجتمعون جميعاً أنهم يعملون تحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة، ملتزمين بتنفيذ توجيهاته بكل دقة ومسؤولية، وبما يعزز الاستقرار ويصون سيادة الدولة”، مشددين على “أهمية تحييد العراق عن أية صراعات أو حروب، وأن يتحمل كل قائد مسؤولية منطقته ووحدته، مع منع المظاهر المسلحة منعاً باتاً في قواطع العمليات”.
ودعا المجتمعون إلى “ضرورة مضاعفة الجهود الاستخبارية لملاحقة أي محاولات لزعزعة الأمن، مع اتخاذ الإجراءات القانونية الفورية بحق كل من يحاول الإخلال بالاستقرار”
بدورهم، أكد قادة هيئة الحشد الشعبي خلال الاجتماع، أن قطعات الحشد تعمل بإمرة القائد العام للقوات المسلحة، وهي رهن الإشارة لحفظ أمن العراق واستقراره، مع التشديد على منع المظاهر المسلحة منعاً باتاً والتقيد التام بالأوامر والتعليمات الصادرة عن القيادة العامة”.
وترأس رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، أمس الاثنين، اجتماعاً استثنائياً للمجلس الوزاري للأمن الوطني، حيث وجه فيه السوداني أوامره إلى الأجهزة الأمنية بالتصدي ومواجهة أي عمل من شأنه زعزعة الأمن والاستقرار في البلاد، وعدم السماح لأي جهة أو أي طرف القيام بعمليات تؤدي الى زج العراق في الصراعات القائمة.
وأعلنت قيادة العمليات المشتركة، أمس الأول الأحد، إصابة عدد من منتسبي القوات الأمنية خلال مواجهات مع محتجين وقعت على الجسر المعلق المؤدي للمنطقة الخضراء.



