مقامرة ترامب الكبرى: هل تتحول مواجهة إيران إلى حرب استنزاف عالمية؟
تقع على عاتق النخب ووسائل الإعلام مهمة توضيح مخاطر حرب طويلة، لأن فهم أبعاد هذه المقامرة الكبرى في واشنطن يمثل الخطوة الأولى لمواجهة الخطابات الداعية إلى الحرب.

ميدل ايست نيوز: بعد أيام على العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران بددت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الآمال بأن تكون العمليات محدودة وقصيرة، بعدما تحدث عن استمرار الحرب إلى أجل غير محدد. ويشير تحليل الخلافات داخل البيت الأبيض وقراءات وسائل الإعلام الدولية إلى تحول خطير في مقاربة واشنطن نحو حرب استنزاف قد تهدد استقرار المنطقة والاقتصاد العالمي.
في اليوم السادس من المواجهات العسكرية بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل التي امتدت نيرانها إلى دول المنطقة وأربكت الحسابات الاستراتيجية في العالم، جاءت تصريحات دونالد ترامب لتقضي على الآمال الهشة التي بنيت على وعود «عملية محدودة» و«نهاية سريعة». فقد تحدث الرئيس الأميركي بلهجة مختلفة عن استمرار الحرب من دون التقيد بالجداول الزمنية الأولية.
ترامب: «لن أتعب»
في أحدث تصريحاته، رفض دونالد ترامب التوقعات السابقة التي تحدثت عن عملية تستمر أربعة إلى خمسة أسابيع، مؤكداً أن الجيش الأميركي يمتلك القدرة والإرادة لمواصلة الهجمات «طالما كان ذلك ضرورياً». وأضاف ساخراً من منتقديه: «على عكس ما يعتقد البعض، أنا لا أتعب من هذا المسار».
ويعكس هذا التحول في الخطاب انتقالاً من «عملية دقيقة لمنع امتلاك سلاح نووي» إلى «حرب استنزاف»، ما يشير إلى تغير في طبيعة أهداف واشنطن. فترامب يتحدث الآن صراحة عن تدمير القدرات البحرية والصاروخية الإيرانية بالكامل، ويبدو أنه يضع على الطاولة بجدية فكرة «تغيير البنية»، خلافاً لما كان يعلنه وزير دفاعه بيت هيغسيث عن أن الحرب محدودة.
تكرار خطأ العراق أم استراتيجية جديدة؟
وصفت صحيفة الغارديان في تحليل حاد خطوات ترامب الأخيرة بأنها «أكبر مقامرة في السياسة الخارجية الأميركية خلال العقود الأخيرة». ويرى محللو الصحيفة أن ترامب يتجاوز حدود القانون الدولي، وأن دعوته الإيرانيين إلى التمرد تعيد إلى الأذهان المسار الذي سلكته الولايات المتحدة في العراق، مع فارق أن إيران دولة أكبر وأكثر تعقيداً وتمتلك مؤسسات أكثر رسوخاً.
من جهتها ركزت مجلة الإيكونوميست على الأبعاد الاقتصادية لاستمرار الحرب. ترى المجلة أن تجاوز القتال مدة خمسة أسابيع قد يؤدي إلى صدمة غير مسبوقة في سوق الطاقة العالمية. فإغلاق مضيق هرمز قد يدفع التضخم العالمي إلى مستويات قد تعجز حتى الولايات المتحدة عن تحمل تبعاتها.
نظرة الشرق إلى الحرب بين إيران وأميركا وإسرائيل
في الوقت الذي يصر فيه ترامب على مواصلة الحرب، جاءت ردود الفعل في شرق العالم لافتة. فقد دعت وزارة الخارجية الصينية، بلهجة غير مسبوقة، إلى وقف فوري للعمليات، محذرة من أن استمرار الوضع الحالي يهدد أمن الطاقة العالمي. وبكين، بوصفها أكبر مشترٍ لنفط المنطقة، ترى أن استمرار الحرب يشبه «إطلاق النار على قدم الاقتصاد العالمي».
أما روسيا، ورغم انشغالاتها العسكرية، فتراقب التطورات بحذر. ويرى محللون روس أن ترامب يسعى من خلال إطالة أمد الحرب إلى تثبيت الهيمنة الأميركية الكاملة في الشرق الأوسط وإقصاء المنافسين. لكن السؤال المطروح في موسكو هو ما إذا كانت واشنطن تملك خطة لمرحلة ما بعد الانهيار أم أنها ستترك المنطقة في فراغ وفوضى.
خلافات داخل البيت الأبيض والبنتاغون
من أبرز النقاط التي أشارت إليها تقارير واشنطن بوست وجود انقسام داخل الفريق الأمني لترامب. ففي الوقت الذي يحاول فيه وزير الدفاع تصوير الحرب على أنها «محدودة وموجهة» لتجنب معارضة داخل الكونغرس، أظهرت تصريحات ترامب أنه يسعى إلى «نصر كامل». ويعكس هذا التباين احتمال غياب استراتيجية خروج واضحة، وهي الثغرة نفسها التي علقت فيها الولايات المتحدة سنوات طويلة في أفغانستان والعراق.
إيران: من الصبر الاستراتيجي إلى الاستعداد لحرب طويلة
على الجبهة الداخلية الإيرانية، تشير ردود الفعل إلى استعداد واسع لاحتمال حرب طويلة. فمواقف المسؤولين الكبار وبيانات المجلس الأعلى للأمن القومي توحي بأن طهران تستعد لسيناريو «حرب استنزاف». وعلى عكس توقعات واشنطن بأن الضربات الأولى ستؤدي إلى انهيار سريع، تركز البنية الدفاعية الإيرانية على إدارة الأزمة ومنع انتقال التوتر إلى البنية التحتية المدنية الحيوية.
مأزق استراتيجي وتكاليف حرب الاستنزاف
يظهر تحليل تصريحات ترامب الأخيرة ومقارنتها بتقارير مراكز الأبحاث الغربية تحولاً خطيراً في العقيدة العسكرية الأميركية، حيث تحولت «العملية المحدودة» إلى «حرب مفتوحة». واستمرار هذا الوضع لا يمثل تهديداً أمنياً فحسب، بل قد يشكل كارثة على استقرار الاقتصاد السياسي في الشرق الأوسط.
كما أن إطالة أمد المواجهات لا تعني بالضرورة استسلام الطرف المقابل، بل قد تؤدي إلى مزيد من التطرف وانهيار التوازنات الهشة القائمة في المنطقة. وعلى الصعيد الداخلي، ورغم أن روح المقاومة والوحدة الوطنية في مواجهة العدوان الخارجي تبقى ثابتة، فإن استمرار الحرب سيضاعف الضغوط على البنية المعيشية والاقتصادية للسكان، وقد يتطلب تعافيها سنوات طويلة.
ويرى التقرير أن إصرار ترامب على مواصلة الهجمات يعكس سوء تقدير استراتيجي يقوم على الاعتقاد بأن القوة العسكرية وحدها يمكن أن تحل محل الحلول السياسية المستدامة. لكن هذا النهج يمثل مقامرة بمستقبل لا رابح فيه، لأن اضطراب سوق الطاقة العالمية وتعطل سلاسل الإمداد سيصيب في النهاية الاقتصاد الأميركي نفسه.
والواقع أن الحروب الطويلة في هذه المنطقة لم تنتج «الديمقراطية» أو «الأمن»، بل خلّفت غالباً الفوضى والكراهية. ولذلك يرى التقرير أن مسؤولية النخب ووسائل الإعلام في هذه المرحلة الحساسة تكمن في إدراك تعقيدات المشهد الجيوسياسي والدفع نحو الخروج من المأزق عبر دبلوماسية نشطة وذكية.
ضرورة العودة إلى طاولة الدبلوماسية
تظهر تصريحات ترامب الأخيرة أنه يسعى إلى تحقيق نتيجته الخاصة بأي ثمن، أكثر مما يسعى إلى تحقيق الاستقرار. غير أن التاريخ في الشرق الأوسط يبين أن النتائج السياسية لم تتحقق يوماً عبر القنابل والصواريخ.
وفي هذا السياق، تقع على عاتق النخب ووسائل الإعلام مهمة توضيح مخاطر حرب طويلة، لأن فهم أبعاد هذه المقامرة الكبرى في واشنطن يمثل الخطوة الأولى لمواجهة الخطابات الداعية إلى الحرب. فالسلام ليس خياراً ثانوياً، بل ضرورة استراتيجية لبقاء الاستقرار والحضارة في هذه المنطقة.



