الصحافة الإيرانية: هل يشكل «تحالف هرمز» حلاً أم استعراضًا لوهم الأمن البحري؟

تؤكد السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز واقعًا جيوسياسيًا لا يمكن إنكاره، وأي عملية عسكرية لإعادة فتحه من دون موافقة سياسية من طهران محكوم عليها بالفشل.

ميدل ايست نيوز: تؤكد السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز واقعًا جيوسياسيًا لا يمكن إنكاره، وأي عملية عسكرية لإعادة فتحه من دون موافقة سياسية من طهران محكوم عليها بالفشل. وقد أثبتت إيران قدرتها على الإشراف على شريان الطاقة والتجارة العالمي.

وقال هرمز بياني، المحلل في الشؤون الاقتصادية في مقال لموقع المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، إنه في الوقت الذي تجري فيه واشنطن وحلفاؤها مشاورات بشأن تشكيل ما يُعرف بـ«تحالف هرمز» لإعادة فتح المضيق وضمان المرور الآمن للسفن التجارية، يتم تجاهل حقيقة جيوسياسية جوهرية تتمثل في أن أي تحالف لن يتمكن من إعادة تدفق حركة العبور الطبيعية عبر هذا الممر المائي من دون اتفاق مع طهران. فالوعود العسكرية ونشر الأساطيل الحربية، في مواجهة الواقع الميداني وقدرة إيران على التحكم في هذا المضيق، تبدو أقرب إلى استعراض لوهم الأمن البحري منها إلى حل عملي.

الخطأ الاستراتيجي الأول في فهم هذه الأزمة يتمثل في الاعتقاد بأن إيران كانت بحاجة إلى إعلان رسمي للحصار أو زرع ألغام على نطاق واسع. الواقع الميداني أكثر تعقيدًا بكثير. فقد أوضح الدكتور ديفيد بي. روبرتس في تحليل لمؤسسة الدراسات الاستراتيجية الملكية (RUSI) بعنوان «مشكلة مضيق هرمز» أن إيران تمكنت من فرض سيطرتها على المضيق دون أن تغلقه رسميًا.

ويشير روبرتس إلى أن «حملة مركزة من الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة ضد السفن التجارية، والتي كانت محدودة من حيث العدد لكنها مدمّرة من حيث التأثير النفسي على السوق، كانت كافية لخفض حجم العبور بنحو 90%». وقد سمح هذا النهج، المدعوم بفرض ممر تفتيش ساحلي، لطهران بـ«إعادة فرض سيادتها الفعلية على الممر المائي دون إغلاقه رسميًا».

وتؤكد الأرقام هذا الواقع. فحوالي 60% من السفن التي لا تزال تعبر المضيق ترفع العلم الإيراني أو مملوكة لإيران أو مرتبطة بتجارتها. فيما يشكل نحو خُمس البقية سفنًا يونانية، تُعرف شركاتها المالكة بارتفاع مستوى المخاطرة.

معضلة التحالف العملياتية

في مواجهة هذا الواقع، طُرح خيار تشكيل «تحالف هرمز» متعدد الجنسيات. وتشير مؤسسة أبحاث السياسة الخارجية (FPRI) في تقرير أعدته ليا بيدرو بعنوان «البحرية الملكية البريطانية في الخليج» إلى استعداد لندن للعب دور قيادي في مثل هذا التحالف.

ومع ذلك، حذّر رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر من أن إعادة فتح المضيق «ليست مهمة سهلة»، وأن أي جهد مستدام سيتطلب دعم تحالف واسع نظرًا لضيق الجغرافيا وتعدد التهديدات، بما في ذلك الألغام والطائرات المسيّرة والقوارب السريعة والصواريخ.

لكن المشكلة أعمق من مجرد عدد السفن الحربية. إذ يشير تحليل روبرتس إلى أن هندسة المضيق نفسها تشكل قيدًا جوهريًا. فبمقارنة مع دراسات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS)، يوضح أن «مضيق هرمز، بعرض يقارب 30 كيلومترًا، يشبه إلى حد كبير بيئات “مناطق القتل الجماعي بالطائرات المسيّرة” التي تميز الحرب الاستنزافية في أوكرانيا».

وبالتالي، فإن أي سفينة حربية تدخل هذا الممر الضيق لمرافقة السفن التجارية تصبح هدفًا ضمن نطاق واسع من التهديدات الإيرانية، بدءًا من الذخائر المتسكعة والصواريخ المضادة للسفن وصولًا إلى الألغام. ويحذر روبرتس من أن «إدخال السفن إلى المضيق يخلق بيئة غنية بالأهداف، ويفرض معادلة صعبة بين ضرورة الاشتباك والهشاشة الناتجة عن القرب».

الخيار البري: كلفة أعلى

تتداول بعض التقديرات احتمال قيام القوات الأمريكية، بمساندة حلفائها، بعمليات استهداف أو حتى سيطرة على جزر استراتيجية مثل هرمز أو قشم أو جزيرة خارك. غير أن هذا الخيار يصطدم بتكاليف جغرافية وعسكرية باهظة.

ويشير روبرتس إلى أن السيطرة على جزيرة خارك، وهي الأهم في تصدير النفط الإيراني، رغم جاذبيتها نظريًا، تُعد «شديدة الخطورة» عمليًا. ويوضح أن موقع الجزيرة في شمال الخليج، على بعد نحو 800 كيلومتر من مضيق هرمز و1000 كيلومتر من المياه المفتوحة الأكثر أمانًا في بحر العرب، يجعل أي عملية عسكرية هناك عرضة مباشرة لنيران المدفعية الساحلية والصواريخ الإيرانية.

وحتى في حال سعت الولايات المتحدة إلى إضعاف القدرات البحرية الإيرانية، فإن التحليلات تؤكد أن «الساحل الإيراني طويل ومعقد، ويمثل بيئة مألوفة لقواته البحرية». كما أن تدمير منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة ليس هدفًا واقعيًا سهل التحقيق.

ممر حيوي لسلسلة الإمداد الغذائي العالمية

تتضاعف أهمية هذه الحقائق الجيوسياسية حين يُدرك أن مضيق هرمز ليس مجرد شريان للطاقة، بل هو أيضًا ممر حيوي للأمن الغذائي العالمي. وتشير الباحثة بيتينا رودلوف من مجموعة أبحاث الاتحاد الأوروبي في تحليلها بعنوان «حصار هرمز، الأسمدة والجوع» إلى هذا البعد الحاسم.

وتوضح رودلوف أن الحصار الحالي أدى إلى تعطيل نحو 30% من حركة النفط والغاز عالميًا، إلا أن تأثيره على الأسمدة والزراعة أشد اتساعًا. وتضيف أن العديد من دول الخليج تُعد من كبار مصدّري الأسمدة، وأن أي انقطاع في هذه الإمدادات سيؤدي إلى ارتفاع أكبر في الأسعار. فقد ارتفع سعر اليوريا، أحد المؤشرات الرئيسية للأسمدة، بنحو 40% في الأسابيع الأخيرة. وتُعد دول مثل البرازيل والهند وعدد من الدول الإفريقية من الأكثر تضررًا لاعتمادها على واردات الأسمدة النيتروجينية من منطقة الخليج.

هذا الواقع يضع ضغطًا كبيرًا على واشنطن لإيجاد حل سريع، لكنه في الوقت نفسه يمنح طهران أداة ضغط هائلة. فإيران، من خلال سيطرتها على هذا الممر، تملك تأثيرًا فعليًا على سلاسل الإمداد الغذائي لملايين البشر في دول الجنوب العالمي، إضافة إلى أسواق الطاقة والأسمدة في أوروبا.

إعادة فتح المضيق مرهونة بالتوافق

المعيار الحقيقي لإعادة فتح المضيق لا يتمثل في نشر السفن الحربية أو إصدار البيانات السياسية، بل في سوق التأمين. إذ لن يُعاد فتح المضيق عمليًا إلا عندما يقوم مؤمّنو المخاطر بتغطية السفن العابرة بتكاليف تجعل المرور مجديًا اقتصاديًا.

ويؤكد روبرتس أن «هذا الوضع لن يتحقق عبر التصريحات أو البيانات الدبلوماسية، بل حين يتم تقليل مستوى التهديد بشكل مستدام وموثوق». وهو ما يتطلب إما تدمير القدرات الإيرانية على استهداف السفن البحرية على نطاق واسع وتكلفة عالية، وهو خيار لا يبدو مطروحًا، أو التوصل إلى اتفاق سياسي، وهو أمر لا يبدو أن أي طرف مستعد لتقديمه في الوقت الراهن.

وفي المحصلة، فإن أي محاولة لإعادة فتح مضيق هرمز بالقوة تصطدم بعقبات تقنية وجغرافية شبه مستعصية، وتتجاهل حقيقة أن إيران باتت تفرض سيطرة فعلية على هذا الشريان الحيوي للاقتصاد العالمي. كما أن تجربة حرب الناقلات في ثمانينيات القرن الماضي أثبتت أن أي صراع عسكري في هذا الممر الضيق يفرض تكاليف باهظة تتجاوز بكثير أي مكاسب محتملة، سواء على الأطراف المتصارعة أو على الاقتصاد العالمي. وحتى يتحقق توافق سياسي مع طهران، فإن الحديث عن «تحالف هرمز» سيبقى أقرب إلى وهم للأمن البحري منه إلى واقع ملموس.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إحدى عشر − 6 =

زر الذهاب إلى الأعلى