الصحافة الإيرانية: ليس أمام إيران خيار سوى المواجهة

هذه صورة لعالم دولي مضطرب، تمد فيه كندا وبريطانيا وألمانيا أيديها نحو الصين، فيما تفكر التكتلات العالمية الجديدة مثل بريكس ومنظمة شنغهاي والاتحاد الإفريقي وآسيان في مساراتها المقبلة.

ميدل ايست نيوز: شكّل عام 2016 نقطة تحوّل في العلاقات الدولية وبداية تشكّل أنماط جديدة من العلاقات «داخل الغرب». ففي ذلك العام خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وانتُخب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة. وبعد فترة وجيزة، وتحديدًا في عام 2017، أخرجت الولايات المتحدة الصين، بعد سنوات طويلة من المسايرة، من خانة الشريك الاقتصادي المفيد التي استمرت لعقد أو عقدين، وقدّمت هذه القوة الصاعدة بوصفها منافسًا بل وحتى تهديدًا لأمريكا وللعالم الغربي. وقد أصبح هذا النهج، خلال الولاية الأولى لترامب ثم خلال ولاية جو بايدن، التوجّه الغالب والمتصاعد، فيما سار بقية الحلفاء الغربيين، ولا سيما الأوروبيين، ولو بتردد وتحفظ، إلى حد ما خلف السياسة الأمريكية المناهضة للصين.

وكتب بهاء الدين بازركاني كيلاني، الخبير في الشؤون الأوروبية، في مقال لموقع دبلوماسي إيراني، خلال الولاية الثانية لترامب اضطر إلى تبني مواقف أكثر اعتدالًا تجاه الصين وروسيا، خصوصًا فيما يتعلق بأوكرانيا. وفي المقابل، من خلال فرض الرسوم الجمركية، واتباع سياسات مناهضة للهجرة، وإثارة التحديات مع الجيران المباشرين، وطرح ادعاءات إقليمية، واعتماد سياسة هيمنة في نصف الكرة الغربي، إلى جانب القطيعة الواضحة مع القواعد الدولية القائمة والمؤسسات الدولية، وإهمال التحالفات داخل الغرب والتنصل من الالتزامات التقليدية الراسخة، سواء في حلف الناتو أو في أوكرانيا، أوصل ترامب الأوضاع إلى حد جعل دولًا وقوى كبرى ومتوسطة في الغرب، من أوروبا إلى كندا والمكسيك وصولًا إلى الشرق الأقصى، وحتى أوروبا وغرب آسيا، تشعر بقلق واضطراب شديدين وتتحرك لمواجهة هذه التطورات.

أما كندا وبريطانيا، اللتان تُعدان من أقدم الحلفاء الاستراتيجيين والحضاريين للولايات المتحدة، فقد تبنتا سياسات تباعد ذات دلالات واضحة. وفي خضم هذا التباعد، وجدت أوروبا وكندا نفسيهما تفكران في إقامة «توازن استراتيجي» بين واشنطن وبكين، مع السعي في الوقت نفسه إلى التزام الحذر والتموضع في الوسط. فرئيس وزراء كندا، الذي كان قد وصف الصين قبل عام واحد فقط بأنها أكبر تهديد أمني لبلاده، توجه الشهر الماضي إلى بكين ردًا على الرسوم الجمركية والتهديدات الإقليمية التي أطلقها ترامب ضد بلاده، واجتمع مع القيادة الصينية لبحث تطوير التعاون. وبعده بقليل فعل كير ستارمر، رئيس الوزراء البريطاني، الشيء نفسه، والآن يتوجه فريدريش ميرتس، المستشار الألماني، إلى الصين أيضًا.

مؤخرًا، قال ماركو روبيو، وزير الخارجية الأمريكي، في مؤتمر ميونيخ للأمن، في خطاب أكثر تصالحًا تجاه أوروبا، إن الولايات المتحدة «تريد أن تبقى دائمًا طفل أوروبا». وقد علّقت مجلة بوليتيكو بسخرية على هذا التصريح، قائلة إن التحدي الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين جعل أوروبا وكندا تشعران بأنهما أشبه بأبناء طلاق سيئ، يقفون حائرين بين والدين متخاصمين هما أمريكا والصين. أما مارك كارني، رئيس وزراء كندا، فقد قال في خطاب لافت خلال مؤتمر دافوس في سويسرا هذا العام، من دون أن يذكر ترامب بالاسم لكن في إشارة واضحة إليه، إن القوى العظمى لم تعد تفكر إلا في مصالحها بدل التعاون. وأضاف أن الجغرافيا السياسية للقوى الكبرى لم تعد مقيدة بأي ضوابط، وأن النظام العالمي القائم على القواعد قد انتهى، وأن العالم دخل مرحلة من المنافسة غير المقيدة بين القوى الكبرى.

في مؤتمر ميونيخ للأمن الذي عُقد في فبراير، تابع الأوروبيون بقلق وأمل خطاب ماركو روبيو. فقد كانت لا تزال ماثلة في الأذهان ذكرى الخطاب اللاذع والمليء بالانتقادات الذي ألقاه نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس ضد أوروبا في المؤتمر نفسه العام الماضي. وخلال العام الماضي شهدنا تصاعد الانتقادات والسياسات المتباعدة بين ضفتي الأطلسي وبين الحلفاء التقليديين في العالم الغربي. ففي ذلك الخطاب انتقد فانس بشدة سياسات الهجرة الأوروبية وقمع حرية التعبير وتقويض القيم الديمقراطية المشتركة والديمقراطية في القارة الأوروبية، وقال إن أوروبا تواجه «تهديدًا من داخلها» وليس من الخارج ولا من روسيا أو الصين. أما في مؤتمر ميونيخ هذا العام فجاء خطاب روبيو بنبرة أكثر تصالحًا تجاه أوروبا، حتى إن فولفغانغ إيشنغر، رئيس المؤتمر، قال بنبرة متملقة وهو يرحب بكلمته إن أوروبا تنفست الصعداء أخيرًا بعد سماع المواقف الأكثر ليونة من الولايات المتحدة.

غير أن قراءة جيوسياسية وتاريخية أعمق لخطاب وزير الخارجية الأمريكي تكشف عن رسائل أيديولوجية هجومية وإمبريالية، وإعادة قراءة لفكرة «الهيمنة والسلطة» في العالم الغربي مع توجه معادٍ للقواعد الدولية. فعلى الرغم من لهجته التصالحية ومحاولته إيصال رسالة وحدة وتضامن إلى أوروبا، شدد روبيو بقوة على مفهوم «الحضارة الغربية»، وربطه بأسس تاريخية وثقافية ودينية وحتى عرقية مشتركة. ويمكن أن تتقاطع هذه المواقف مع الروايات الاستعمارية التقليدية في القرن العشرين التي كانت ترى الغرب محور الحضارة العالمية. والرسالة الحقيقية لروبيو في ميونيخ كانت أن على الغرب «إعادة بناء قوته»، والدفاع عن حدوده وهويته، والوقوف في وجه منافسيه العالميين، ليس فقط عبر التعاون بل أيضًا عبر القوة والهيمنة، ومن دون ضرورة الالتزام بالقيم العالمية المشتركة. وقد أظهر خطابه أن الولايات المتحدة اليوم لم تعد تؤمن بسياسات الهجرة المفتوحة أو بالمؤسسات الدولية القوية أو بالعولمة التقليدية، بل تضع الحفاظ على الهوية الأوروبية–الأمريكية وتعزيزها فوق «النظام العالمي الحر». ويعني هذا أن الولايات المتحدة تسعى إلى نظام عالمي قائم على القوة الغربية، لا على القانون الدولي أو التعاون الحقيقي بين الشمال والجنوب، وهو أمر لا يقل عن كونه كارثة ورواية استعمارية حديثة ذات نزعة سلطوية.

ويكفي هنا التوقف عند مقتطف من خطاب روبيو في ميونيخ الذي جذب اهتمام العالم، إذ قال: «هذا هو المسار الذي يسير فيه الرئيس ترامب والولايات المتحدة. هذا هو المسار الذي نطلب منكم في أوروبا أن تنضموا إلينا فيه. إنه المسار الذي سلكناه معًا من قبل ونأمل أن نسلكه مجددًا. فطوال خمسة قرون، قبل نهاية الحرب العالمية الثانية، كان الغرب في حالة توسع؛ كان المبشرون والحجاج والجنود والمستكشفون ينطلقون من سواحله ليعبروا المحيطات ويعمروا قارات جديدة ويبنون إمبراطوريات واسعة امتدت في أنحاء العالم. لكن في عام 1945، ولأول مرة منذ عصر كولومبوس، بدأ هذا المسار يتراجع وينكمش. كانت أوروبا مدمرة، وكان نصفها يعيش خلف ستار حديدي، وكان يبدو أن النصف الآخر سيلحق به قريبًا. وكانت الإمبراطوريات الغربية الكبرى تدخل مرحلة أفولها النهائي، وهي عملية تسارعت بفعل الثورات الشيوعية الملحدة والانتفاضات المناهضة للاستعمار التي غيرت العالم».

مغزى كلام روبيو في ميونيخ أن الولايات المتحدة غير راضية عن نتائج الحرب العالمية الثانية لأنها أنهت «مسار توسع الغرب»، وأنها تريد إحياء الإمبراطوريات الغربية الواسعة في العالم مجددًا، بل وتوجيه اللوم إلى الحركات المناهضة للاستعمار وحركات الاستقلال بسبب ما ألحقته بالإمبراطوريات الغربية الكبرى. وقد صفق نصف كبار المسؤولين الحاضرين في المؤتمر واقفين لكلمته تأييدًا لها. ومن المؤكد أن هؤلاء لم يكونوا من دول الجنوب العالمي، بل كانوا في معظمهم أوروبيين ساذجين. فبعض الأوروبيين صدقوا طرح روبيو بأن الولايات المتحدة تريد أوروبا قوية لتشارك في «غنائم» عصر إمبريالي غربي جديد يُراد إحياؤه. وقد نجح روبيو في استثمار نوع من الحنين الخفي، والمخيف في الوقت نفسه، لدى بعض النخب الأوروبية إلى الماضي الاستعماري، وأغرقهم في نشوة استعادة تلك الحقبة. ويبدو أن أوروبا ستكون ساذجة إذا اعتقدت أن أمريكا ترامب، التي تواجه أزمات مالية واجتماعية وثقافية وتتبنى استراتيجية «أمريكا أولًا» في مواجهة منافسين أقوياء، ستصبح فجأة كريمة ومستعدة لتقاسم هذه الغنائم مع أوروبا.

هذه صورة لعالم دولي مضطرب، تمد فيه كندا وبريطانيا وألمانيا أيديها نحو الصين، فيما تفكر التكتلات العالمية الجديدة مثل بريكس ومنظمة شنغهاي والاتحاد الإفريقي وآسيان في مساراتها المقبلة. وفي الوقت نفسه يتجه ناريندرا مودي، رئيس وزراء الهند، إلى تل أبيب ويعانق بنيامين نتنياهو، وتصبح أوكرانيا أكثر من أي وقت مضى ضحية لطموحات القوى الكبرى، وتزداد روسيا والصين تقاربًا، بينما تفكر تركيا ومصر والسعودية في تعزيز التعاون فيما بينها. وهذه الدول، إلى جانب الإمارات في الخليج، تنظر الآن إلى إيران بنظرة مختلفة. أما إيران، التي تجد نفسها اليوم في مقدمة التهديدات المباشرة للولايات المتحدة، فلا ترى أمامها خيارًا سوى الصمود وتحمل مزيد من الضغوط والمعاناة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة − ثلاثة =

زر الذهاب إلى الأعلى