مشروع قانون إيراني لإعادة صياغة إدارة مضيق هرمز بين الأمن والاقتصاد والتمويل

يبدو للوهلة الأولى أن تجميع هذه المصطلحات يتعلق بخدمات فنية ورقابية، إلا أنه يحمل في العمق تحولاً مهماً يتمثل في ربط «تقديم الخدمة» بإيصال رسالة سياسية قوامها «إثبات السيادة».

ميدل ايست نيوز: أوضح حميد رضا حاجي بابايي، نائب رئيس البرلمان الإيراني، يوم أمس آخر مستجدات مشروع قيد الإعداد بشأن مضيق هرمز، مشيراً إلى استمرار أنشطة البرلمان في ظروف الحرب، ومؤكداً أن موضوع مشروع مستعجل يتعلق بإدارة مضيق هرمز مدرج على جدول الأعمال ويجري متابعته.

وكان أعضاء في البرلمان الإيراني، إضافة إلى أعضاء لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية، قد أعلنوا سابقاً عن إقرار هذا المشروع داخل اللجنة.

مشروع البرلمان بشأن مضيق هرمز… ماذا يقول ببساطة؟

تقول وكالة خبر أونلاين، إن مشروع «قانون الإجراء الاستراتيجي للسلام والتنمية المستدامة في منطقة الخليج الفارسي» ينص في ظاهره على كونه نصاً تشريعياً عادياً، لكنه في مضمونه يكشف عن إرادة الجمهورية الإسلامية في تعريف دور فاعل في تنظيم الأمن والاقتصاد وحتى التدفقات المالية الدولية.

وتشير قراءة مبسطة لمحتوى المشروع إلى رسالة واضحة: تغيير زاوية نظر المشرّع تجاه مضيق هرمز. وخلافاً للتصور الشائع، فإن إعداد هذا المشروع لا يهدف فقط إلى نوع من الرد العسكري في ظروف الحرب، بل يمثل تصوراً لإدارة شاملة لممر عالمي استراتيجي. وربما وفق هذه الفرضية، تعكس المادة الأولى بوضوح محاولة تقنين هذا التوجه.

وجاء في المادة الأولى من النص أن «الحكومة، بالتعاون مع القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، ملزمة بتقديم خدمات مثل الإرشاد الملاحي، تفتيش الممرات والسفن، تقديم المعايير البيئية وتقييم الالتزام بها، منع عبور أو احتجاز السفن المخالفة، وتقديم شهادة الملاءة المالية… للسفن العابرة لمضيق هرمز».

ويعني هذا القانون أنه يوجّه المسار ويخضعه للرقابة، ويمنح في الوقت نفسه صلاحية إيقاف أو منع العبور، ما يشكل عملياً بناء إطار حوكمة جديد.

ويبدو للوهلة الأولى أن تجميع هذه المصطلحات يتعلق بخدمات فنية ورقابية، إلا أنه يحمل في العمق تحولاً مهماً يتمثل في ربط «تقديم الخدمة» بإيصال رسالة سياسية قوامها «إثبات السيادة»، بما يعني تحويل المضيق من ممر عبور إلى فضاء مُدار بقواعد محددة تُصاغ داخلياً وإقليمياً.

ويتضح هذا المنطق بشكل أوضح في ملاحق المادة نفسها، حيث ينص على أن «السفن التابعة للدول المعادية… لن يُسمح لها بالعبور من مضيق هرمز»، مع إسناد تحديد هذه الدول إلى آليات أمنية داخلية. ويضيف هذا البند طبقة سياسية مباشرة إلى البنية القانونية، بحيث لا يبقى المضيق مجرد ممر اقتصادي، بل يتحول إلى أداة قابلة للتوظيف في العلاقات الدولية. وقد يُستخدم هذا التوجه في ظروف التوتر كوسيلة ضغط، لكنه في المقابل قد يُفسَّر خارجياً كإجراء تقييدي لممر حيوي، ما قد يثير ردود فعل دولية.

أدوات اقتصادية جديدة في موقع جغرافي قديم

بالتوازي مع البعد الأمني، يسعى المشروع إلى إعادة تعريف الوظيفة الاقتصادية للمضيق. ففي المادة الثانية، يتم التركيز على تطوير البنية التحتية للموانئ والجزر لتقديم خدمات مثل تزويد الوقود والتخزين. وهنا يتغير المنظور: بدلاً من أن تكون السفن عابرة فقط، يُفترض أن تتوقف وتتلقى خدمات وتصبح جزءاً من سلسلة اقتصادية داخل المنطقة. وإذا طُبّق هذا التوجه بشكل صحيح، فقد يخلق منافسة جديدة مع مراكز إقليمية مستقرة، خصوصاً في الإمارات العربية المتحدة، بحيث لا تكون المنافسة جغرافية فقط بل أيضاً خدمية واقتصادية.

لكن ما يميز هذا المشروع عن غيره هو دخوله الجاد إلى المجال المالي. ففي المادة الثالثة، يُشترط أن تكون «شهادة الملاءة المالية… مرتبطة بامتلاك حساب بالعملة المحلية في مؤسسات مالية وائتمانية إيرانية». ويعني ذلك عملياً إلزام السفن العابرة بالتعامل مع النظام المصرفي الإيراني، وهو تحول مهم ينقل جزءاً من التدفقات المالية من المستوى الدولي إلى الداخل. وإذا طُبّق هذا النظام، فقد يؤدي إلى تعزيز دور العملة المحلية في معاملات النقل البحري، رغم أن العقوبات والقيود المفروضة على الشركات الدولية تجعل التنفيذ معقداً.

ولتدعيم هذا الإطار، تنص المادة نفسها على إنشاء شركة جديدة لتقديم الخدمات المالية والتأمينية، بهدف تقليل الاعتماد على المؤسسات الخارجية وتأسيس بنية داخلية لإدارة المخاطر. إلا أن موثوقية مثل هذا الكيان على المستوى العالمي ستظل مرتبطة بمدى قبوله من قبل الأطراف الدولية، وهو ما لا يمكن حسمه عبر التشريع الداخلي فقط.

ويتوسع البعد المالي في المادة الخامسة، حيث يُنص على أن «دفع التكاليف والمعاملات… يتم حصراً باستخدام العملات الرقمية المطوّرة من قبل شركات إيرانية». ويُعد هذا البند محاولة للانتقال إلى مرحلة جديدة من الاستقلال المالي عبر تصميم أدوات التبادل داخل البلاد. إلا أن هذا التوجه يواجه تحديات كبيرة تتعلق بالثقة والاستقرار والقبول الدولي، وهي عناصر لا تُبنى سريعاً.

وفي المقابل، يتضمن النص بعداً أمنياً واضحاً. ففي المادة السابعة، يُنص على أنه «إلى حين تشغيل الآليات التنفيذية… لن يُسمح بعبور أي سفن إلا بموافقة خطية من المجلس الأعلى للأمن القومي». ويعني ذلك فرض رقابة مركزية مباشرة ومؤقتة على حركة الملاحة، وهو ما قد يؤثر سريعاً على التوازنات الإقليمية.

وفي جزء آخر من المشروع، أي المادة الثامنة، يتم تقديم إطار مختلف يقوم على التنمية، من خلال إنشاء «صندوق إعادة الإعمار والتنمية في الخليج الفارسي» بمشاركة دول المنطقة. ويُفترض أن تُموّل موارده من التعويضات والاستثمارات، بهدف تعزيز البنية التحتية والتعاون الاقتصادي، بما يعكس محاولة لربط الأمن بالتنمية وتقديم رواية إيجابية لدور إيران.

ويمثل هذا القانون محاولة متعددة الأبعاد لإعادة تعريف دور إيران في مضيق هرمز، من خلال دمج الأمن والاقتصاد والمالية في إطار واحد. وإذا تمكن هذا الإطار من التوافق مع الواقع الدولي، فقد يساهم في تعزيز موقع إيران في المعادلات الإقليمية وحتى العالمية.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × خمسة =

زر الذهاب إلى الأعلى