الصحافة الإيرانية: هل تهديدات ترامب بحصار مضيق هرمز عملية؟

رغم أن الحصار في العرف الدولي يُعدّ عملاً عدائياً، يبدو أن تنفيذ هذا السيناريو في فنزويلا قد شجّع ترامب على التفكير في تطبيقه على إيران.

ميدل ايست نيوز: أعاد ترامب صباح الأحد، عبر منشور على حسابه في منصته تروث سوشيال، طرح فكرة الحصار البحري على إيران مرة أخرى.

ورغم أن الحصار في العرف الدولي يُعدّ عملاً عدائياً، يبدو أن تنفيذ هذا السيناريو في فنزويلا قد شجّع ترامب على التفكير في تطبيقه على إيران.

ومع ذلك، ينبغي الانتباه إلى أن الحصار البحري على فنزويلا لم يكن له تقريباً أي أثر ملموس على الاقتصاد العالمي، إذ كانت السفن التجارية التي تمر عبر قناة بنما قادرة بسهولة على تجنب السواحل الفنزويلية، كما لم يكن لدى الجيش الفنزويلي القدرة على استهداف السفن، وبالتالي ظل خطر التصعيد محدوداً. أما حصار إيران فهو تحدٍ مختلف تماماً بالنسبة للولايات المتحدة.

وبحسب تقرير The Sanctions Age وموقع albawaba، أمام الولايات المتحدة مساران لتنفيذ سيناريو الحصار البحري. الأول يتمثل في نشر سفنها بالقرب من الموانئ الإيرانية لتعطيل التجارة الإيرانية مع الحد الأدنى من التأثير على حركة الملاحة في مياه الخليج. إلا أن هذا النهج يعرّض القوات الأمريكية لهجمات محتملة ويتطلب انتشاراً عسكرياً أوسع مع مخاطر أعلى. أما الخيار الثاني فهو تنفيذ الحصار من مسافة بعيدة عبر اعتراض أو تفتيش السفن في بحر العرب. وفي كلا الحالتين ستسعى إيران إلى فرض تكاليف على الولايات المتحدة.

السيناريوهات المطروحة

تقول صحیفة دنياي اقتصاد الإيرانية، إنه من منظور استراتيجي وقانوني، فإن ما تشير إليه الولايات المتحدة باعتباره «حصاراً» بحرياً ضد إيران لن يشبه على الأرجح الحصار الكلاسيكي المُعلن رسمياً في القانون الدولي، بل سيكون أقرب إلى نظام متعدد الطبقات للرقابة البحرية. وقد يشمل ذلك دوريات بحرية، وعمليات مرافقة لناقلات النفط التجارية، وإيقاف السفن وتفتيشها، والتصدي النشط للتهديدات غير المتماثلة مثل الألغام البحرية والصواريخ المضادة للسفن والمنظومات غير المأهولة. ويرى خبراء أن فرض إغلاق كامل للملاحة البحرية الإيرانية أمر غير ممكن عملياً، إذ سيؤدي بسرعة إلى تصعيد التوتر ودفع المنطقة نحو أزمة أوسع. وبعبارة مبسطة، تستطيع الولايات المتحدة فرض حصار بحري نسبي، لكنها لا تستطيع إغلاق الممرات البحرية بالكامل دون المخاطرة بتصعيد الصراع.

كما يجب الانتباه إلى أن الحصار البحري يحمل نتائج مزدوجة. فبينما يؤدي إغلاق الطرق البحرية من قبل الولايات المتحدة إلى تقييد القدرة التصديرية لإيران وتعطيل أحد أهم مصادر دخلها، تمتلك إيران في المقابل أدوات حرب غير متماثلة بحرية تتيح لها نقل كلفة الحرب الاقتصادية إلى خارج حدودها. ومن خلال خلق تهديدات في مسارات الشحن، ورفع تكاليف التأمين على ناقلات النفط، وإدخال عدم اليقين في سلاسل الإمداد العالمية، يمكن لإيران فرض تكاليف غير مباشرة لكنها مؤثرة على الاقتصاد العالمي، وتعقيد الحسابات الاستراتيجية للولايات المتحدة وشركائها. ونتيجة لذلك يظهر أول أثر لهذا السيناريو في أسعار النفط العالمية، إذ إن سوق الطاقة شديد الحساسية لأي اضطراب في مضيق هرمز بسبب حجم النفط الكبير الذي يمر عبره وغياب بدائل سريعة وقابلة للتوسع.

في حال حدوث اضطراب كبير ومستمر، يمكن أن تشهد أسعار النفط قفزة حادة، حيث تشير بعض التقديرات إلى إمكانية تجاوزها 140 دولاراً، وفي الحالات القصوى قد تتخطى 170 دولاراً. ولا يعود هذا الارتفاع فقط إلى انخفاض العرض الفعلي، بل إلى مزيج من ارتفاع المخاطر الجيوسياسية، والمضاربات المالية، والاختناقات اللوجستية. وحتى في حال تفعيل بعض البدائل أو استخدام المخزونات الاستراتيجية، فإنها لا تستطيع تعويض الحجم والسرعة الكاملين للتدفق المتعطل. وبذلك فإن تداعيات سيناريو الحصار البحري لا تقتصر على سوق الطاقة، بل تمتد سريعاً إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.

من جهة أخرى، فإن تنفيذ حصار فعال ومستدام من قبل الولايات المتحدة يواجه تحديات عملية وسياسية كبيرة، تشمل مخاطر التصعيد، والغموض القانوني، والتداعيات الاقتصادية العالمية. ويمكن للولايات المتحدة إدارة جزء من الاضطرابات وتأمين بعض مسارات الملاحة، لكنها غير قادرة على إزالة المخاطر الجيوسياسية التي تشكل سلوك الأسواق بشكل كامل. ونتيجة لذلك، فإن حتى الحصار المحدود قد يؤدي إلى تثبيت أسعار النفط عند مستويات مرتفعة لفترة طويلة، مع زيادة حدة تقلبات الأسواق.

الخاسرون من اضطراب الممرات المائية

يمكن لصانعي القرار الأمريكيين التفكير في حصار الموانئ الإيرانية، نظراً لأن الاقتصاد الأمريكي لا يعتمد بشكل مباشر على اقتصادات الخليج. وتُظهر البيانات أنه في عام 2024 لم تتجاوز واردات الولايات المتحدة من نفط الخليج نحو 500 ألف برميل يومياً، أي أقل من 8% من إجمالي وارداتها النفطية. كما أن التجارة غير النفطية محدودة للغاية، إذ تمثل دول الخليج نحو 1.5% فقط من إجمالي تجارة السلع الأمريكية.

في المقابل، ستكون الصين الخاسر الأكبر في أي سيناريو يتعلق بحصار إيران. فإذا نجح الحصار، ستفقد الصين الوصول إلى نحو 20% من وارداتها من النفط الخام، وستواجه ارتفاعاً في الأسعار العالمية مع توجه المشترين الصينيين إلى مصادر بديلة. وعلى المدى المتوسط، قد تلجأ الصين إلى زيادة مشترياتها من النفط الروسي، ما قد يعقّد تطبيق العقوبات المفروضة على النفط الروسي. وإذا أدى الحصار إلى اضطراب واسع في التجارة البحرية، ستواجه الصين صعوبات ليس فقط في صادراتها إلى إيران، بل أيضاً إلى أسواق مجلس التعاون الخليجي والعراق، وهي أسواق تستورد سنوياً نحو 160 مليار دولار من السلع الصينية، أي ما يعادل 4% من إجمالي صادرات الصين. كما أن تعطّل التجارة اليومية، بما في ذلك واردات السلع الصينية، سيؤثر على اقتصادات الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بسبب اعتمادها الكبير على الصين.

بالنسبة للكويت، فإن اضطراب الملاحة البحرية يعيد إلى الأذهان حرب الناقلات خلال الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت 8 سنوات. ورغم أن البحرية الأمريكية تدخلت حينها لمرافقة الناقلات الكويتية، فإن الحفاظ على حصار ضد إيران مع تأمين السفن المدنية في الوقت نفسه سيكون أكثر تعقيداً اليوم. فإيران تمتلك عدداً كبيراً من الأهداف في مساحة محدودة، ولا تستطيع القوات الأمريكية توفير حماية كاملة. وقد شهدت حركة الملاحة في الخليج زيادة كبيرة منذ نهاية حرب الناقلات عام 1988، ويظهر ذلك بوضوح في موانئ الإمارات التي أصبحت من بين الأكثر ازدحاماً في العالم، حيث ارتفع حجم الحاويات من 1.3 مليون وحدة مكافئة في 1988 إلى أكثر من 21 مليون وحدة في العام الماضي.

كما تسعى أوزبكستان وكازاخستان، باعتبارهما أكبر اقتصادين في آسيا الوسطى، منذ الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022 إلى تقليل اعتمادهما على مسارات النقل عبر روسيا. وتُعد الطرق التي تمر عبر إيران الخيار الأكثر جدوى من حيث التكلفة، لأنها توفر أقصر طريق إلى ميناء كبير. ووفقاً لتحليل بيانات عام 2023 الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، فقد مر نحو 19 مليون طن من البضائع عبر ثلاثة فروع من الممر الجنوبي، جميعها تمر عبر الموانئ الجنوبية الإيرانية.

المخاطر العالمية

تُحدد أسعار النفط وتكاليف الشحن البحري إلى حد كبير وفق نماذج المخاطر التأمينية، وهو ما يمنح إيران أداة مهمة للرد على أي حصار بحري أمريكي. ولإحداث تكاليف غير مباشرة على الولايات المتحدة، يكفي لإيران رفع أقساط التأمين المرتبطة بالتجارة البحرية في الخليج. وقد أثّر الحوثيون، خلال نحو عامين، على 30 سفينة تجارية فقط في البحر الأحمر، لكن ذلك كان كافياً لإحداث تأثير كبير على تكاليف الشحن العالمية، إذ ارتفعت أسعار الشحن بشكل فوري تقريباً، وتجاوزت تكلفة نقل البضائع من شنغهاي إلى جنوا ثلاثة أضعافها حتى أوائل 2024، قبل أن تستقر عند نحو ضعف متوسط ما قبل الأزمة بنهاية العام.

كما تجدر الإشارة إلى أن أداء القوات الأمريكية في عملية «حارس الازدهار» التي هدفت إلى حماية السفن التجارية من هجمات الحوثيين، واجه انتقادات واسعة. وقد كان تأثير أزمة البحر الأحمر على النمو الاقتصادي والتضخم العالمي محدوداً، لأن التجارة تمكنت من التحول إلى مسارات بديلة دون تراجع كبير في حجم المبادلات. لكن أي أزمة في الخليج ستكون مختلفة جذرياً، إذ ستؤثر في إمدادات الطاقة العالمية وفي وصول الاقتصادات الكبرى إلى السلع الحيوية، وستعطل سلاسل التوريد الإقليمية والعالمية بشكل واسع.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة × 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى