الصحافة الإيرانية: فشل مفاوضات إسلام آباد يعمّق حالة “لا حرب لا سلام”

تواجه إيران تحديًا طويل الأمد لإعادة بناء الثقة مع دول الخليج، وهو ما يفتح الباب أمام تدخلات أطراف ثالثة خارج المنطقة بهدف تعقيد المشهد الإقليمي.

ميدل ايست نيوز: فشلت المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة في إسلام آباد بباكستان، على خلاف التقديرات الأولية التي كانت تشير إلى إمكانية أن تؤدي، بعد حرب شاملة استمرت 40 يومًا، إلى اتفاق كبير غير نهائي. وأعاد هذا الفشل طرح تساؤل مقلق لدى الرأي العام في إيران والعالم حول مصير حرب الأيام الأربعين، وبمعنى آخر الهدنة التي تم التوصل إليها، وما إذا كانت إيران والولايات المتحدة وحليفها الإقليمي إسرائيل ستنزلق مجددًا إلى الحرب، أم يمكن التعويل على الهدنة القائمة، على الأقل ضمن الإطار الزمني المحدد لها وهو 15 يومًا، وإمكانية إطلاق مبادرة دبلوماسية جديدة تؤدي إلى اتفاق أو استمرار الهدنة.

يقول علي رضا سلطاني، محلل في الشؤون الاقتصادية، في مقال لصحيفة دنياي اقتصاد، إن إيران والولايات المتحدة كانتا في إسلام آباد أقرب من أي وقت مضى إلى التوصل لاتفاق. وكانت مفاوضات إسلام آباد الجولة الثالثة من المحادثات بين الطرفين منذ بداية عام 2025. وقد انتهت الجولتان السابقتان بالفشل، وأدتا إلى حربين استمرتا 12 يومًا و40 يومًا. أما الجولة الثالثة فقد جاءت بعد حربين شاملتين، ومع إرادة سياسية أقوى لدى الطرفين، ما جعلها تقترب من اتفاق كبير كان يمكن أن يشكل مقدمة لمسار تفاوضي يؤدي إلى اتفاق نهائي. ولأول مرة في تاريخ الجمهورية الإسلامية الإيرانية، عُقدت المفاوضات بين طهران وواشنطن بهذا المستوى الرفيع، بمشاركة رئيس البرلمان الإيراني ونائب الرئيس ورئيس مجلس الشيوخ الأمريكي.

شدة الحرب الأخيرة وما رافقها من قلق وخوف لدى الطرفين من استمرارها وخروجها عن السيطرة واتساعها إقليميًا، دفعت القيادتين في إيران والولايات المتحدة إلى إدراك ضرورة التفاوض لإنهاء الحرب. وكان من شأن ذلك أن يهدد الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط وخارجه، نتيجة تفعيل التزامات عسكرية ودفاعية ثنائية لبعض دول المنطقة، وفي مقدمتها الاتفاق الدفاعي بين السعودية وباكستان، ما كان سيجعل احتواء الحرب أكثر صعوبة وتعقيدًا. وقد أدى الحرص السياسي لدى الطرفين على منع خروج الحرب عن السيطرة، رغم محاولات التعطيل المستمرة من إسرائيل ومتابعة دول عربية بقلق، إلى حضور ممثلين رفيعي المستوى في المفاوضات، بدعم إيجابي من الحكومة والجيش الباكستاني، ما كان يمكن أن يجعل مفاوضات إسلام آباد تاريخية، غير أن ذلك لم يتحقق رغم الإرادة السياسية العالية للطرفين.

ومع ذلك، لا يمكن اعتبار نتائج المفاوضات صفرية بالكامل. فمجرد كسر الجمود في العلاقات السياسية بين البلدين عبر مفاوضات على مستوى رؤساء السلطات من جهة، ومفاوضات مباشرة وجهاً لوجه بين ممثلي الطرفين من جهة أخرى، يُعد إنجازًا سياسيًا مهمًا يمهد لجولات لاحقة. وما يزال دافع العودة إلى المسار الدبلوماسي قائمًا، وإن كان ضعيفًا، ويتمثل في الخوف من خروج الحرب عن السيطرة. لكن الواقع أن جدار الخلافات السياسية وانعدام الثقة المتبادل لا يزال مرتفعًا للغاية، ما قد يضع العلاقات بين إيران والولايات المتحدة في المدى المتوسط ضمن حالة “لا حرب لا سلام”.

هذا الوضع، رغم أنه يمنح فرصة ضعيفة للدبلوماسية من أجل تقليص الخلافات تدريجيًا وإعادة الطرفين إلى مسار التفاهم، فإنه في الوقت نفسه يهيئ بيئة سياسية وأمنية لاحتمال التخطيط لجولة جديدة من المواجهة العسكرية. ومع ذلك، يمكن التفاؤل بأن احتمال اندلاع حرب جديدة قبل انتخابات الكونغرس الأمريكي 2026 يبقى منخفضًا.

بالنسبة لدونالد ترامب وإدارته، فإن نتائج انتخابات الكونغرس تمثل أولوية كبيرة للحفاظ على الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب، وبشكل خاص في مجلس الشيوخ، ما يدفعه إلى تجنب الحرب خلال هذه الفترة، والسعي لإظهار تفوق إدارته في ملف إيران عبر الوسائل الدبلوماسية أو غير العسكرية أمام الرأي العام الأمريكي. كما أن تنظيم مباريات كأس العالم لكرة القدم خلال الشهرين المقبلين يقلل من هامش المناورة المتعلق بخيار الحرب، ما يدفع إدارة ترامب نحو إدارة الوقت وإدارة أزمة إيران.

وبناءً على ذلك، تسعى واشنطن إلى التعامل مع ملفات التخصيب النووي والقدرات الصاروخية وقضية القوى الوكيلة (جبهة المقاومة) باعتبارها ملفات “مُدارة مؤقتًا” بعد العمليات العسكرية الأخيرة، مع الادعاء بعدم وجود تهديدات حالية من هذه الجوانب ضد الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما الإقليميين.

لكن القضية الأكثر أهمية وحساسية بالنسبة لترامب، والتي يمكن أن تُبطل مكاسب أخرى مزعومة، هي وضع مضيق هرمز، الذي أصبح خلافًا للتوقعات الأمريكية مسألة عاجلة على المستوى الإقليمي والدولي. فبالنسبة للولايات المتحدة، يعد ضمان انسياب حركة الملاحة في المضيق أمرًا بالغ الأهمية نظرًا لتأثيره المباشر على أسواق النفط والتجارة العالمية، بما في ذلك معدلات النمو والتضخم العالميين وإنتاج وتجارة الغذاء المرتبط بالأسمدة الكيميائية المنتجة في منطقة الخليج.

في المقابل، أدركت إيران بعد بدء الحرب القيمة الاستراتيجية الحقيقية للمضيق وأهميته كورقة ضغط في مواجهة الطرف الآخر، وكأداة لتعزيز قدرتها التفاوضية في المعادلات الإقليمية والدولية، وتسعى إلى الاستفادة القصوى منه بشكل دائم. وبالتالي، فإن محور التوتر الأساسي بين إيران والولايات المتحدة في مرحلة “لا حرب لا سلام” سيتركز إلى حد كبير حول مضيق هرمز.

وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل دور بنيامين نتنياهو وما يوصف بالمغامرات السياسية المستمرة في إسرائيل تجاه إيران ومحور المقاومة، إذ أظهرت التجارب أنه يمتلك قدرة على مفاجأة حتى الحلفاء، بما في ذلك ترامب، عبر الدفع نحو التصعيد العسكري بطرق مختلفة. كما أن دول الخليج، وخاصة دول الجنوب، تبدو غير مرتاحة لحالة “لا حرب لا سلام” في المنطقة، في ظل شعورها بتهديدات فعلية خلال الحرب الأخيرة وعدم وضوح آفاق العودة إلى الاستقرار، ما قد يدفعها للضغط على إدارة ترامب لحسم الوضع السياسي والأمني لصالحها.

وتواجه إيران تحديًا طويل الأمد لإعادة بناء الثقة مع دول الخليج، وهو ما يفتح الباب أمام تدخلات أطراف ثالثة خارج المنطقة بهدف تعقيد المشهد الإقليمي. وبشكل عام، ورغم أن فرص الدبلوماسية لم تُغلق بالكامل بعد فشل مفاوضات إسلام آباد، فإنها تبقى ضعيفة، مقابل احتمال قائم لعودة مواجهة عسكرية أوسع نطاقًا وأكثر امتدادًا.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

11 − واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى